ملخص
تشهد المحكمة الجنائية الدولية تصعيداً غير مسبوق في المواجهة مع إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، التي أعلنت مسعى لإضعاف المحكمة والضغط على الدول المتعاونة معها، بدعوى حماية السيادة الأميركية.
في أعقاب الحرب العالمية الثانية، لعبت الولايات المتحدة دوراً قيادياً مع حكومات الحلفاء المنتصرة، في إنشاء المحاكم الجنائية الدولية (محاكمات نورمبرغ) لمحاكمة كبار القادة من دول المحور الأوروبي بتهم ارتكاب جرائم حرب وغيرها من الفظائع التي وقعت إبَّان الحرب. وتولت المحكمة العسكرية الدولية في نورمبرغ بألمانيا النظر في محاكمة مشتركة شملت كبار القادة النازيين، فضلاً عن عدد من المنظمات النازية. وأُنشئت في طوكيو باليابان المحكمة العسكرية الدولية للشرق الأقصى، التي تولت إجراء سلسلة من المحاكمات لكبار القادة اليابانيين استناداً إلى صلاحياتها المتمثلة في "محاكمة ومعاقبة مجرمي الحرب في الشرق الأقصى".
غير أن البلد الذي لعب دوراً رئيساً في محاكمتي نورمبرغ وطوكيو، ودعم رئيسها السابق بيل كلينتون فكرة إنشاء محكمة جنائية دولية دائمة، بل أسهمت في صياغة جزء كبير من البنية القانونية للمحكمة، تعلن اليوم الحرب على المحكمة الجنائية الدولية، وهي المحكمة التي لعبت الولايات المتحدة دوراً محورياً في المفاوضات التي أدت لتأسيسها، وأسهمت في صياغة أجزاء مهمة من نظام روما الأساس الذي أُنشئت المحكمة على أساسه، وإن كانت صوتت في النهاية ضد الصيغة النهائية للنظام لأنه لم يتضمن ضمانات كافية لحماية العسكريين الأميركيين من الملاحقات ذات الدوافع السياسية.
كتب وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو الإثنين الماضي مقالة شديدة اللهجة في صحيفة "وول ستريت جورنال"، كشف فيها عن خطط لتفكيك المحكمة الجنائية الدولية، وحث دولاً أخرى على الانضمام إلى هذا المسعى، ولوح بإجراءات عقابية، بما في ذلك خفض المساعدات الأميركية للدول التي ترفض ذلك. واتهم روبيو المحكمة الجنائية الدولية بـشن حرب على الولايات المتحدة، "لا بالرصاص أو الصواريخ"، بل بـ"قوة ما يسمى القانون الدولي".
يعود استياء الإدارة الأميركية من المحكمة الجنائية الدولية إلى ولاية الرئيس دونالد ترمب الأولى، حين استهدفت الإدارة المحكمة بسبب سعيها للتحقيق في مزاعم ارتكاب القوات الأميركية جرائم حرب في أفغانستان. وفرضت إدارة ترمب خلال ولايتها الثانية، حزمة من العقوبات على مسؤولين في المحكمة الجنائية الدولية رداً على محاولاتهم التحقيق مع الولايات المتحدة وإسرائيل.
أثارت حملة الإدارة الأميركية الانتقادات والجدل، بما في ذلك داخل الولايات المتحدة. فيقول جون بلينغر الذي شغل منصب المستشار القانوني لوزارة الخارجية الأميركية في عهد الوزيرة كوندوليزا رايس، وشارك في صياغة السياسات الأميركية المتعلقة بالمحكمة الجنائية الدولية، إن المحكمة الجنائية مؤسسة تعاني عيوباً خطرة، وربما يصعب إصلاحها جذرياً، ولم تحقق الطموحات الكبيرة التي أُنشئت من أجلها، لكن منالمؤسف أن يعلن وزير الخارجية حرباً شاملة عليها دون أن يقترح آلية بديلة لضمان المساءلة عن الجرائم الدولية، مثل الجرائم التي ارتكبتها روسيا في أوكرانيا.
ويضيف أن على رغم التحفظات الأميركية المستمرة تجاه المحكمة، فإن الإدارات الجمهورية والديمقراطية وكذلك أعضاء الحزبين في الكونغرس بمن فيهم السيناتور الراحل ليندسي غراهام، دعموا عمل المحكمة وساعدوها في التحقيق في جرائم الإبادة الجماعية وجرائم الحرب الجسيمة التي كان من الممكن أن تمر دون مساءلة. ويشير بلينغز إلى أنه ليس من الواضح لماذا أصبحت المحكمة تمثل "تهديداً جديداً وغير مقبول للسيادة الأميركية"، وفق ما جاء في بيان وزارة الخارجية المرافق لمقالة الوزير. فعلى خلاف ما ذكره الوزير، فإن المحكمة لا تملك اختصاصاً، على عناصر حرس الحدود الأميركيين أو ضباط الشرطة أو المدعين الفيدراليين بسبب أعمال يقومون بها داخل الولايات المتحدة أو خارجها.
"قانون غزو لاهاي"
ثمة قلق أميركي قديم من احتمال ممارسة المحكمة اختصاصها على الجنود الأميركيين بسبب عمليات عسكرية في دول أخرى. غير أن المراقبين في حين يقرون بمشروعية هذا القلق، فإنه ليس من الواضح أي عمليات عسكرية تثير القلق، فإيران التي تخوض ضدها الولايات المتحدة حرباً في الوقت الحالي ليست عضواً في المحكمة الجنائية الدولية، ولذلك لا تملك المحكمة اختصاصاً على العمليات العسكرية الأميركية داخل إيران. إضافة إلى أنها لا تملك اختصاصاً على الضربات الأميركية ضد مهربي المخدرات في البحر الكاريبي.
وقد اتخذت الولايات المتحدة سابقاً خطوات لحماية نفسها من هذا الاحتمال، إذ أبرمت أكثر من 100 اتفاق ثنائي مع دول أعضاء في المحكمة، تتعهد بموجبها تلك الدول بعدم تسليم المواطنين الأميركيين إلى المحكمة.وفي عام 2002، وقع الرئيس الأميركي السابق جورج دبليو بوش على قانون حماية أفراد القوات المسلحة الأميركية، المعروف باسم "قانون غزو لاهاي"، والذي ينص على أن الولايات المتحدة ستستخدم "جميع الوسائل اللازمة" لحماية العسكريين الأميركيين والمسؤولين المنتخبين من اختصاص المحكمة الجنائية الدولية.
هل حل المحكمة ممكن قانوناً؟
يبقى السؤال في شأن ما تستطيع الولايات المتحدة فعله فعلياً ضد المحكمة الدولية، التي تختص بالتحقيق ومحاكمة الأفراد المتهمين بارتكاب أخطر الجرائم الدولية. وقد أُنشئت بموجب نظام روما الأساس الذي اعتمد عام 1998، وبدأت عملها رسمياً عام 2002 داخل مدينة لاهاي الهولندية، لتصبح أول محكمة جنائية دولية دائمة.
ويقول المحاضر في القانون الدولي لدى جامعة صنشاين كوست الأميركية شانون برينكات، إن الولايات المتحدة لا تستطيع قانوناً إلغاء المحكمة الجنائية الدولية، لأنها منظمة دولية مستقلة أنشئت بموجب معاهدة تضم اليوم 125 دولة طرفاً. وبما أن الولايات المتحدة لم تصدق على نظام روما الأساس، وسحبت توقيعها رسمياً عام 2002، فهي لا تملك أي سلطة قانونية على المحكمة. ولا يحق تعديل نظام روما أو الانسحاب منه إلا للدول الأطراف نفسها، سواء بصورة جماعية أو فردية. ولذلك لا تستطيع الولايات المتحدة إلغاء المحكمة عبر تشريع داخلي أو قرار رئاسي.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ومع ذلك، تستطيع الولايات المتحدة عرقلة عمل المحكمة بدرجة كبيرة، وقد فعلت ذلك مراراً في الماضي. ففي عام 2020 فرضت إدارة ترمب عقوبات على المدعية العامة فاتو بنسودا وعدد من كبار مسؤولي المحكمة. ورفعت إدارة الرئيس السابق جو بايدن هذه العقوبات عن بنسودا عام 2021. غير أن واشنطن فرضت عقوبات إضافية عام 2025 بعد إصدار المحكمة مذكرات توقيف مرتبطة بإسرائيل. وتجعل هذه الإجراءات المعاملات المصرفية الدولية والسفر والتعاون المهني أكثر صعوبة بالنسبة إلى مسؤولي المحكمة.
وتستطيع الولايات المتحدة الضغط على حلفائها لتقليل تعاونهم مع المحكمة. ووفق البيان الذي نشرته وزارة الخارجية الأميركية في شأن إطلاق حملة لتفكيك المحكمة الدولية باعتبارها تشكل تهديداً على السيادة الأميركية، فسيقوم وزير الخارجية الأميركي والسفراء وكبار مسؤولي الوزارة بحثِّ الدول التي تتعاون مع أجهزة إنفاذ القانون والجيش الأميركيين، أو التي تستفيد من المظلة الأمنية الأميركية، على رفض السلطة التي تدعي المحكمة الجنائية الدولية امتلاكها لمقاضاة مسؤولين وعسكريين أميركيين. إضافة إلى تكثيف التدقيق في شأن الدول التي ترفض الإقرار بسلطة المحكمة الجنائية الدولية الزائفة، على رغم اعتمادها على المساعدات الأميركية.
وتنطوي الحملة أيضاً على إجراء اتصالات دبلوماسية لحثِّ دول أخرى، غير المنضمة لنظام روما الأساس، شأنها في ذلك شأن الولايات المتحدة، على توظيف شبكاتها الدبلوماسية لاتخاذ إجراءات مماثلة بالتنسيق معنا. إضافة إلى إلغاء تأشيرات الدخول وفرض حظر سفر على موظفي المحكمة الجنائية الدولية، وتشديد العقوبات المفروضة على المحكمة الدولية والمنظمات التابعة لها.
وبما أن المحكمة تعتمد على الدول لتنفيذ أوامر الاعتقال وجمع الأدلة، فإن هذا الضغط قد يعرقل سير القضايا بصورة كبيرة. وقد تعيد الحكومات أو الشهود النظر في التعاون مع المحكمة إذا خشوا من عواقب دبلوماسية من جانب الولايات المتحدة. وبحسب برينكات، ربما يكون أقوى إجراء تستطيع الولايات المتحدة اتخاذه ضد المحكمة من خلال مجلس الأمن الدولي، إذ يمكنها استخدام حق النقض (الفيتو) ضد إحالة القضايا إلى المحكمة، أو منع أي تحرك من المجلس لدعم تحقيقاتها.
تفكيك المؤسسات الدولية
تمثل الحملة الأميركية ضد المحكمة الجنائية الدولية امتداداً لنهج إدارات ترمب ضد المؤسسات متعددة الأطراف. فتشير ورقة بحثية حديثة صادرة عن مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، إلى أن نهج الرئيس الأميركي تجاه التعددية الدولية يقوم على أربعة أنماط رئيسة تتمثل في الانسحاب من الاتفاقات والمنظمات، والتمرد أو التعطيل داخل المؤسسات، وإنشاء بدائل تستطيع الولايات المتحدة السيطرة عليها، والتعاون المشروط مع المؤسسات التي تقبل أجندة إصلاحية تتوافق مع أولويات الإدارة.
فيذكر مدير برامج المؤسسات والنظام العالمي لدى مؤسسة كارنيغي ستيوارت باتريك، انسحاب إدارة ترمب من اتفاق باريس للمناخ ومنظمة الصحة العالمية، بينما سعت لتعطيل عمل عدد من وكالات الأمم المتحدة والضغط عليها لتبني مواقف متوائمة مع السياسة الأميركية. وفي حالات أخرى، سعت إلى إنشاء كيانات جديدة، مثل "مجلس السلام" أو "درع الأميركتين"، لتتمكن من الهيمنة عليها. وأخيراً، وفي هدوء، أعادت الإدارة انخراطها المشروط مع هيئات مثل البنك الدولي ومجموعة الـ20، شريطة أن تتبنى هذه الهيئات أجندة إصلاحية تركز على "العودة إلى المبادئ الأساس".
طرح البديل
ومع ذلك، يرى مراقبون أن المحكمة الجنائية الدولية تعاني بالفعل عيوباً وتسييساً، وقد كشف تقرير مستقل صدر عام 2020 عن أوجه قصور عديدة فيها. لكن هذه العيوب، في رأي المستشار السابق في الخارجية الأميركية جون بلينغر، لا تبرر أن تسعى الولايات المتحدة إلى تفكيك المحكمة، في الأقل من دون تقديم بديل.
ويتفق بلينغز بأن الولايات المتحدة كانت محقة في معارضة التحقيقات التي يراها مُسيسة ضد دول مثل الولايات المتحدة وإسرائيل، اللتين تمتلكان أنظمة قضائية فعالة. لكن، في المقابل، يعتقد أنه لا ينبغي أن تسعى الولايات المتحدة إلى القضاء على محكمة حظيت بدعم الحزبين في الكونغرس عندما كانت تؤدي المهمة التي أُنشئت من أجلها، ولا تزال توفر المنتدى الدولي الوحيد لمحاسبة مرتكبي أخطر الجرائم الدولية. وإذا كانت إدارة ترمب قد توصلت إلى أن المحكمة تعاني عيوباً قاتلة ولم تعد تستحق الدعم الأميركي، فعليها أن تقدم آلية بديلة لمحاسبة مرتكبي أخطر الجرائم الدولية، مثل الجرائم التي ارتكبتها روسيا، والتي قد تبقى بلا عقاب. ويرى أن ذلك سيكون متسقاً مع التقليد الأميركي الطويل في قيادة ودعم العدالة الدولية، الممتد منذ محاكمات نورمبرغ.