ملخص
"شمول هذه القضية لنحو 35 دولة أفريقية يعكس حجماً ضخماً وخطورة بالغة، ومن ثم، فإن تسليط الضوء على حجم الظاهرة وأعداد الشباب الذين شملتهم عمليات التجنيد هو ما أضفى على هذا الملف طابعاً أكثر جدية".
تصاعدت قضية تجنيد روسيا لشباب أفارقة من أجل القتال في صفوف قواتها على جبهات الحرب في أوكرانيا، حيث فتحت السلطات القضائية في عديد من الدول تحقيقات واسعة مع مسؤولين بسبب شبهات تحوم حول تورطهم في استقطاب هؤلاء الشباب.
ومن أبرز المسؤولين وزير العمل الكيني ألفريد موتو الذي يواجه اتهامات بإرسال مئات الشباب إلى روسيا، ومن هناك إلى أوكرانيا، حيث تقلد الرجل منصب وزير الخارجية في حكومة الرئيس ويليام روته، وأسهم بصورة كبيرة في تعزيز علاقات نيروبي مع موسكو في الأشهر الأولى لبدء الغزو الروسي لكييف.
واتهمت منظمات حقوقية من أبرزها "فوكال أفريكا"، وهي منظمة تواصلت مع ضحايا كينيين على جبهات الحرب في أوكرانيا، موتو بتسهيل نقل الكينيين إلى أوكرانيا من خلال عقود عمل مزيفة أو منح دراسية.
إجراءات مشددة وتحقيقات
أعلنت السلطات في كينيا عن خطة شاملة تهدف إلى غلق 600 وكالة توظيف ومساءلة المتواطئين فيها عن نقل المئات من الكينيين إلى أوكرانيا، حيث تتلقى الحكومة إشعارات ونداءات استغاثة من جبهات القتال.
ليست كينيا الوحيدة التي تشهد صخباً غير مسبوق في شأن تجنيد شبابها من قبل وكالات وشركات توظيف تعمل لمصلحة روسيا من أجل الانضمام إلى قواتها التي تكافح لتحقيق مكاسب في أوكرانيا، مع اقتراب الحرب من دخول عامها الخامس.
ففي جنوب أفريقيا، بدأت السلطات تحقيقات مع النائبة البرلمانية المستقيلة دودوزيل زوما سامبودلا حيث تواجه تهماً تتعلق بالاتجار بالبشر وانتهاك قانون محلي لمكافحة "الارتزاق"، وتفيد التحقيقات بأنها تلقت نحو 850 ألف دولار من مجموعة فاغنر شبه العسكرية الروسية مقابل إسداء خدمات تتعلق باستدراج مئات الشباب للقتال في أوكرانيا. وكانت هذه القضية الدافع الرئيس وراء استقالة زوما من البرلمان.
وفي الكاميرون، فتحت وزارة الدفاع تحقيقات مكثفة داخل المؤسسة العسكرية في شأن شبهات تورط ضباط في إرسال جنود للقتال في أوكرانيا، وحظرت على أفراد الخدمة الفعلية السفر إلى الخارج من دون إذن رسمي مباشر.
تحول حقيقي
يحيط الغموض بعدد الأفارقة الذين تم استدراجهم من أجل القتال في صفوف القوات الروسية في أوكرانيا وهو ما يزيد من تعقيد هذا الملف.
الباحث السياسي التشادي المتخصص في الشؤون الأفريقية يامينغاي باتينباي يقول إنه في البداية، قوبلت قضية تجنيد شباب أفارقة لمصلحة روسيا ونشرهم على الجبهة الأوكرانية بنوع من عدم المبالاة، غير أنه ومع تدفق المعلومات وتوافرها بصورة متزايدة حول هذا الملف، بدأت أبعاد المشكلة تتكشف تدريجاً للعلن، مما أحدث تحولاً حقيقياً في طريقة النظر إلى هذه الظاهرة، بما في ذلك داخل القارة الأفريقية نفسها.
وتابع باتينباي ضمن حديث خاص مع "اندبندنت عربية" أن "شمول هذه القضية لنحو 35 دولة أفريقية يعكس حجماً ضخماً وخطورة بالغة، ومن ثم، فإن تسليط الضوء على حجم الظاهرة وأعداد الشباب الذين شملتهم عمليات التجنيد هو ما أضفى على هذا الملف طابعاً أكثر جدية".
ولفت إلى أنه "بالنظر إلى الضغوط التي يمارسها الرأي العام على الحكومات، فإنه من المتوقع صدور عقوبات صارمة في حق المسؤولين الأفارقة المتورطين في عمليات التجنيد هذه، إذ تحرص عديد من الحكومات الأفريقية على الحفاظ على صورة إيجابية أمام شركائها الغربيين، لضمان استمرار الاستفادة من دعمهم متعدد الأشكال".
وضع معقد
مع تواتر الانقلابات العسكرية وسقوط الأنظمة الحليفة للغرب في أفريقيا، تسارع روسيا إلى توسيع نفوذها مما أثار انتقادات تجاه سياساتها حيال القارة السمراء، لا سيما في ملف تجنيد الشباب للقتال في أوكرانيا.
ويرى الباحث السياسي المتخصص في الشؤون الأفريقية علي السيد أن "المسؤولين الأفارقة باتوا في مواجهة قضية معقدة تتعلق بتجنيد الشباب للقتال في أوكرانيا، وهذا الأمر يضع الحكومات الأفريقية أمام وضع معقد، لكن ليس بالضرورة أزمة دبلوماسية مباشرة مع موسكو".
وأردف السيد في تصريح خاص أنه "يمكن النظر إلى هذا الأمر من عديد الزوايا، أولاً على مستوى الداخل المطلوب من الحكومات حماية مواطنيها وشبابها خصوصاً إذا سافروا من طريق منح دراسية أو شركات تجنيد في الدول الأفريقية ثم وجدوا أنفسهم في جبهات القتال الأوكرانية، وهنا يجب على الحكومات الأفريقية تشديد الرقابة على شركات التوظيف ومراقبة وزرائها ومسؤوليها وما إذا كان هناك تعاون بينهم وبين بعض الحكومات الأجنبية بعيداً من المسارات الرسمية".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وأبرز أن "من الناحية الثالثة، قد تتعرض بعض الدول الأفريقية لضغوط من أوكرانيا أو الاتحاد الأوروبي لاتخاذ إجراءات ضد شبكات التجنيد، خصوصاً إذا كان هؤلاء يلعبون دوراً فعالاً في الحرب على كييف وهذا وارد جداً، لذلك التأثير الكبير لهذه القضية سيكون على الداخل الأفريقي من خلال تشديد الرقابة على الهجرة وغير ذلك أكثر منه انهياراً للعلاقات بين روسيا والدول الأفريقية المعنية".
تكهنات متباينة
وتثير هذه القضية تكهنات متباينة حيال تأثيرها المحتمل على العلاقات بين الدول الأفريقية المعنية وروسيا، لا سيما أن الأخيرة تبرأت على لسان عدد من مسؤوليها من الاتهامات التي تواجهها.
ويعتقد باتينباي أن "الحكومات الأفريقية ستتجه بكل تأكيد نحو الضرب بيد من حديد على المسؤولين الضالعين في تجنيد الشباب الأفريقي لحساب روسيا".
وأشار إلى أنه "من المؤكد أن هذا الإجراء سيلقي بظلاله سلبياً على علاقات موسكو مع بعض الدول الأفريقية، وإن كان ذلك بدرجات متفاوتة، فعلى سبيل المثال، لن تتأثر علاقات موسكو بدول تحالف الساحل التي تشمل مالي والنيجر وبوركينا فاسو بصورة كبيرة، ومع ذلك، وفي أعقاب القمة الروسية الأفريقية المرتقبة في أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، يتوقع أيضاً أن تبحث عديد من الدول الأفريقية المعنية بهذه الأزمة عن بدائل أخرى تضمن لها البقاء في حظوة روسيا والحفاظ على علاقات طيبة معها، وهو ما قد يترجم عبر تعزيز الشراكات مع موسكو في مجالات أخرى كالقطاعات الثقافية، والاقتصادية، أو التعدين".
لكن السيد يعتقد أن "الدول الأفريقية لن تقطع علاقاتها الدبلوماسية مع موسكو نظراً إلى مصالحها المتنوعة مع روسيا على الصعيد الاقتصادي والعسكري، لكن قد يطلب من الحكومة الروسية بعض التوضيحات أو التعاون من أجل منع الأفارقة من الالتحاق بجبهات القتال، وأستبعد حدوث مواجهة سياسية شاملة، حيث لا يستطيع أحد في أفريقيا الاستغناء عن موسكو في ظل الظروف الراهنة".