ملخص
لا تزال حرائق صيف 2021 حاضرة بقوة في الذاكرة الجماعية للجزائريين، بعدما شهدت البلاد واحدة من أعنف الكوارث البيئية والإنسانية في تاريخها الحديث. فقد اجتاحت النيران آنذاك عدداً من مناطق القبائل شرق العاصمة، متسببة في وفاة أكثر من 90 شخصاً، بينهم ما لا يقل عن 33 عسكرياً من أفراد الجيش الوطني الشعبي، قضوا أثناء مشاركتهم في عمليات إجلاء وإنقاذ السكان المحاصرين وسط ألسنة اللهب.
مع ارتفاع درجات الحرارة واتساع رقعة الغطاء النباتي الجاف، عادت حرائق الغابات لتفرض نفسها من جديد على عدد من ولايات الجزائر، في مشهد يتكرر كل صيف، لكنه يترك في كل مرة خسائر مادية وبيئية متفاوتة.
وبينما تواصل فرق الحماية المدنية جهودها لإخماد النيران في ظروف ميدانية معقدة، يعيش سكان المناطق المهددة حالة من القلق والترقب، خشية امتداد ألسنة اللهب إلى منازلهم ومزارعهم، في وقت تواجه فيه الثروة الغابية تحدياً جديداً قد يستغرق تعويض آثاره سنوات طويلة.
وتعيد هذه الحرائق للواجهة تساؤلات ملحة حول مدى جاهزية منظومة الوقاية والاستجابة، والأولويات التي ينبغي التركيز عليها للحد من تكرار هذه الكارثة الموسمية، بين تعزيز الإنذار المبكر، وتدعيم وسائل الإطفاء، ورفع وعي المواطنين، وتكثيف جهود حماية الغابات وإعادة تشجيرها.
حرائق متواصلة
تصارع الحماية المدنية الجزائرية، مدعومة بطائرات الإطفاء ومروحيات الجيش، عشرات الحرائق في الغابات منذ أيام، إذ تمت السيطرة على عدد منها، فيما لا تزال الجهود متواصلة لإطفاء كثير من البؤر في 15 ولاية، بالتزامن مع توقعات بلوغ درجات الحرارة 48 درجة مئوية في بعض المناطق.
وأعلنت مصالح الحماية المدنية، في آخر حصيلة لها حتى الساعة الواحدة ظهر الخميس الـ16 من يوليو (تموز)، تسجيل 62 حريقاً طاولت الغابات والأدغال والأحراش والمحاصيل الزراعية وبساتين النخيل عبر عدد من الولايات، مؤكدة أنه تم إخماد 35 حريقاً، فيما لا تزال 26 بؤرة حريق متواصلة.
وأفادت المديرية العامة للحماية المدنية، في حصيلتها اليومية، بأنها سجلت أكثر من 100 حريق خلال 24 ساعة فقط، موضحة أن عمليات إخماد 14 منها لا تزال متواصلة، مضيفة أن فرقها أخمدت 89 حريقاً نهائياً، فيما تخضع 14 بؤرة أخرى للمراقبة والحراسة، تحسباً لتجدد اشتعالها.
وأوضحت أن أبرز عمليات التدخل تركزت في الولايات التي استدعت الاستعانة بطائرات الإخماد، وفي مقدمتها سطيف شرق البلاد، حيث تواصل الفرق مكافحة حريقين في الأدغال والأحراش ببلديتي بني موحلي وبني ورتيلان.
وشاركت في عمليات الإخماد بسطيف ست طائرات من طراز "AT-802"، إلى جانب تعزيزات برية من المفرزة الجهوية للحماية المدنية بالولاية، والرتل المتنقل لولاية المسيلة.
وفي ولاية سعيدة غرب البلاد، تواصلت جهود مكافحة حريقين في الغابات ببلديتي أولاد إبراهيم ومولاي العربي، بمشاركة طائرة من طراز "BE-200" وثلاث طائرات من طراز "AT-802".
وتأتي عمليات مكافحة الحرائق في ظل موجة حر تشهدها ولايات عدة، وفق بيان صادر عن مصالح الأرصاد الجوية.
ووضعت مصالح الأرصاد ولايات بجاية وجيجل وسكيكدة وعنابة والطارف شرق البلاد ضمن مستوى اليقظة "البرتقالي"، موضحة أن درجات الحرارة القصوى في هذه الولايات تتراوح بين 40 و44 درجة مئوية، وقد تصل في بعض المناطق إلى ما بين 46 و48 درجة.
وتشهد الجزائر خلال السنوات الأخيرة موجات جفاف وارتفاعاً في درجات الحرارة، مما يزيد أخطار اندلاع حرائق الغابات والغطاء النباتي، إذ تسببت حرائق واسعة شهدتها البلاد خلال الأعوام الماضية في وفاة وإصابة عشرات الأشخاص، فضلاً عن إتلاف مساحات كبيرة من الغابات والغطاء النباتي.
ودفع الوضع المديرية العامة للحماية المدنية إلى إعلان حالة استنفار قصوى، ودعت في برقية مستعجلة عناصرها الموجودين على مستوى 44 ولاية إلى الالتحاق الفوري بمقار عملهم، وهذا نظراً إلى الوضعية الناجمة عن الحرائق المسجلة عبر عدد من الولايات، في ظل موجة الحر التي قد تصل فيها درجات الحرارة أو تفوق 48 درجة مئوية في بعض المناطق إلى غاية يوم الأحد الـ19 من يوليو 2026 في الأقل.
أسباب مباشرة
عقدت وزارة الفلاحة الجزائرية اجتماعاً طارئاً يوم الأربعاء الـ15 من يوليو الماضي، لمتابعة تطور وضعية حرائق الغابات عبر مختلف الولايات في إطار تفعيل المخطط الوطني للوقاية من حرائق الغابات ومكافحتها للموسم الحالي.
واستمع الوزير ياسين وليد إلى تدخلات عدد من محافظي الغابات، الذين قدموا تقييماً للوضعية السائدة في الميدان، واستعرضوا الإمكانات المسخرة لمكافحة الحرائق، بالتنسيق مع مختلف القطاعات المعنية، لا سيما الحماية المدنية والجيش.
وأظهرت مختلف التدخلات أن الظروف المناخية الاستثنائية التي ميزت الموسم الفلاحي 2025-2026، ولا سيما وفرة التساقطات المطرية، أدت إلى تسجيل كثافة كبيرة في الغطاء النباتي مقارنة بالموسم الماضي، إلى جانب الارتفاع المبكر لدرجات الحرارة خلال العام الحالي، وهو ما أسهم في اندلاع الحرائق بولايات عدة. كما تشير التقييمات الأولية إلى أن غالب الحرائق المسجلة منذ شهر مايو (أيار) ناتجة من امتداد حرائق المحاصيل الزراعية، إضافة إلى التصرفات غير المسؤولة لبعض الأشخاص، التي تسببت بطريقة مباشرة أو غير مباشرة في اندلاعها.
وفي هذا الصدد، أسدى ياسين وليد تعليمات بمواصلة التحلي بأعلى درجات اليقظة على مستوى المستثمرات الفلاحية، وتجنيد المصالح الفلاحية لاتخاذ التدابير الوقائية، لا سيما إنجاز أشرطة عازلة حول الحقول المزروعة، تفادياً لامتداد النيران إليها.
وتعمل الوزارة على إعداد مشروع المنصة الوطنية لمتابعة حرائق الغابات، الذي يندرج ضمن برنامج رقمنة القطاع، والرامي إلى تعزيز قدراته في مجال الوقاية من هذه الظاهرة ومكافحتها، حيث تعمل المنصة التي تعرف حالياً مراحلها الأخيرة من التطوير على إعداد مؤشرات وتقارير دقيقة تسهم في تحسين فعالية عمليات التدخل والحد من انتشار الحرائق.
كما تعتمد المنصة على تكامل نظم المعلومات الجغرافية (SIG) وتقنيات الاستشعار عن بعد، إلى جانب قواعد بيانات محينة للبنية التحتية الخاصة بالدفاع عن الغابات ضد الحرائق ووسائل الاتصال، بما يوفر رؤية شاملة ودقيقة تساعد في التخطيط المحكم، وتنسيق تدخل مختلف المتعاملين، وتحسين استغلال الإمكانات البشرية والمادية.
حالة استنفار
كانت السلطات قد نشرت جهازاً ضخماً للوقاية ومكافحة الحرائق يضم أكثر من 15 ألف عنصر، مجندين عبر أنحاء البلاد، و505 وحدات تدخل، و65 رتلاً متنقلاً، إضافة إلى أكثر من 600 مركبة مختصة، مدعماً بأسطول جوي من طائرات الإطفاء والمروحيات، وطائرات الاستطلاع المسيرة، وكاميرات حرارية بزاوية 360 درجة مدمجة في أنظمة ذكية للكشف التلقائي عن الحرائق، إلى جانب تهيئة نقاط المياه، وفتح المسالك الغابية، وتفعيل أبراج المراقبة.
كما أصدر الرئيس عبدالمجيد تبون، في اجتماع لمجلس الوزراء، تعليمات صارمة برفع درجة اليقظة إلى مستواها الأقصى خلال الصيف، وتوقع واستباق أي خطر اندلاع حرائق واسعة النطاق، مشدداً على الأهمية البالغة للتنسيق الصارم بين القطاعات المعنية كافة والتعبئة الشاملة لوسائل المكافحة.
وذكر تبون بأهمية الإطار التشريعي الجديد، لا سيما "القانون رقم 23 – 21"، المتعلق بالغابات والثروة الغابية، الذي يصنف "الحرائق العمدية" جنايات خطرة تستوجب عقوبات قاسية قد تصل إلى السجن المؤبد.
وفي مايو الماضي، أقرت السلطات الجزائرية مرسوماً تضمن تدابير وقائية استثنائية، قضت بمنع تام وشامل لأي وجود بشري داخل المحيطات الغابية والمساحات المشجرة، طوال الفترة الممتدة من بداية مايو حتى الـ30 من أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، في خطوة استباقية لتفادي سيناريوهات سابقة لحرائق الغابات، كبدت البلاد في السنوات الأخيرة خسائر فادحة في الأرواح والغطاء النباتي والممتلكات.
ولا تزال حرائق صيف 2021 حاضرة بقوة في الذاكرة الجماعية للجزائريين، بعدما شهدت البلاد واحدة من أعنف الكوارث البيئية والإنسانية في تاريخها الحديث. فقد اجتاحت النيران آنذاك عدداً من مناطق القبائل شرق العاصمة، متسببة في وفاة أكثر من 90 شخصاً، بينهم ما لا يقل عن 33 عسكرياً من أفراد الجيش الوطني الشعبي، قضوا أثناء مشاركتهم في عمليات إجلاء وإنقاذ السكان المحاصرين وسط ألسنة اللهب.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ولم تقتصر تداعيات تلك الحرائق على الخسائر البشرية، بل امتدت إلى البيئة والاقتصاد المحلي، إذ التهمت النيران عشرات الآلاف من الهكتارات من الغابات والأراضي الزراعية، ودمرت مئات الآلاف من أشجار الزيتون والتين التي تشكل مورداً اقتصادياً رئيساً ورمزاً للهوية الزراعية في المنطقة. كما تسببت في نفوق أعداد كبيرة من المواشي، واحتراق مئات المنازل والمركبات، لتبقى تلك الحرائق واحدة من أكثر الكوارث الطبيعية إيلاماً وتأثيراً في تاريخ الجزائر.
دورة طبيعية
ترى زينب مشياش، الباحثة المتخصصة في الاتصال البيئي، أن حرائق الغابات تعد جزءاً من الدورة الطبيعية لبعض الأنظمة البيئية، إذ تسهم في تجديد الغطاء النباتي وإزالة الأشجار الضعيفة والمصابة، كما تساعد بعض الأنواع النباتية في التكاثر.
وتقول مشياش في ورقة بحثية أكاديمية إن الحرائق التي يشهدها عدد من دول العالم، ومنها الجزائر، لم تعد تقتصر على الأسباب الطبيعية، إذ تشير الدراسات إلى أن أقل من 10 في المئة منها ينتج من الصواعق، بينما يعود نحو 90 في المئة لأنشطة بشرية، سواء بسبب الإهمال أم التصرفات غير المسؤولة أم الأعمال الإجرامية أم امتداد حرائق المحاصيل الزراعية.
وأوضحت أن التغيرات المناخية أصبحت عاملاً رئيساً في تفاقم الظاهرة، مع ارتفاع درجات الحرارة وتزايد موجات الجفاف واتساع رقعة الغطاء النباتي الجاف، خصوصاً في منطقة البحر الأبيض المتوسط التي تصنفها الأمم المتحدة "بقعة ساخنة" للاحتباس الحراري.
وتحذر تقارير الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ من أن مساحة الغابات المحترقة قد تتضاعف خلال العقود المقبلة، إذا استمرت انبعاثات الغازات الدفيئة بالمعدلات الحالية.
وأضافت مشياش أن حرائق الغابات تخلف آثاراً بيئية واسعة، تشمل تدهور التربة، وفقدان التنوع البيولوجي، وتراجع الموارد المائية، وزيادة أخطار الانجراف والتصحر، كما تؤثر في جودة الهواء بسبب الدخان والجسيمات الدقيقة، مما يفاقم أمراض الجهاز التنفسي والقلب، فضلاً عن آثارها النفسية الناتجة من الإجلاء وفقدان الممتلكات، إذ تمتد الخسائر إلى الجانب الاقتصادي عبر تدمير الغابات والمحاصيل الزراعية والبنية التحتية، وارتفاع تكاليف الإطفاء وإعادة التأهيل، وتراجع الأنشطة السياحية.
ويؤكد الخبراء أن الحد من هذه الظاهرة يتطلب استراتيجية متكاملة تقوم على الوقاية قبل التدخل، من خلال إشراك المواطنين في حملات التوعية، ورسم خرائط للمناطق الأكثر عرضة للخطر، وإنجاز حواجز وقائية وتنظيف الغابات، وتدعيم فرق الإطفاء بوسائل المراقبة والتدخل الحديثة.
كما ينصح المختصون بعدم التسرع في إعادة تشجير المناطق المحترقة، وترك المجال لتجدد الغابات طبيعياً لمدة تتراوح بين سنة وثلاث سنوات، مع تقييم الأضرار البيئية واتخاذ التدابير اللازمة للحد من أخطار التعرية واستعادة التوازن البيئي.