ملخص
تظل المجالس العرفية في مصر إحدى الطرق التي يلجأ إليها بعض المتخاصمين لإنهاء النزاعات خارج قاعات المحاكم، عبر جلسات يقودها محكمون يستندون إلى خبرة متوارثة وقواعد يعرفها أهل هذا المجال. في هذه المجالس، لا يتوقف الأمر عند إعلان الحكم، بل يبدأ من اختيار المحكمين وترتيب الجلسة وسماع روايات أطراف النزاع، وصولاً إلى المداولة والاتفاق على ما يلتزم به الطرفان. يتحدّث محكمون عن الدور الذي قامت به العائلات المرتبطة بهذا المجال، وعن التحولات التي شهدتها المجالس العرفية خلال الأعوام الأخيرة، بين الحفاظ على تقاليدها القديمة ودخول ممارسات جديدة أثرت في صورتها لدى بعضهم
خلال جلسات التحكيم العرفي في مصر لا يدخل طرفا النزاع إلى المجلس وحدهما، فمع كل طرف قضاة اختارهم لعرض موقفه، بينما يجلس المرجح في موضعه داخل المجلس، باعتباره المحكّم الذي يتولى غالباً إدارة الجلسة، ويكون دوره حاسماً عند اختلاف آراء القضاة، وإلى جواره محضر الجلسة الذي تثبت فيه أسماء الخصوم والقضاة وموضوع النزاع وما يلتزم به الطرفان قبل بدء التحكيم. وبين روايات المتخاصمين ومداولات القضاة، تسير الجلسة وفق أعراف وقواعد يعرفها أصحاب هذا المجال.
لا تحتاج الجلسة إلى منصة أو قاعة محكمة، إذ تُعقد غالباً في "مضيفة" (غرفة واسعة يجتمع فيها الخصوم والقضاة بينهم) توارث أهلها الفصل في الخصومات، وتبدأ بإثبات قبول الطرفين للتحكيم، قبل أن يستمع القضاة إلى رواية كل فريق ويباشروا المداولة. وبين صمت الحاضرين وحركة كاتب الجلسة، وهو يثبت ما يتفق عليه، تتشكل تسوية تستمد قوتها من العرف، ومن قبول الخصوم بما ينتهي إليه مجلس التحكيم.
محكمون بالوراثة
داخل مضائف توارثت العمدية في بني سويف (جنوب)، وبين جلسات صلح ارتبطت بقضايا الثأر والخصومات في الصعيد، يواصل وليد البكري سليم دوراً انتقل إليه عن أجداده في التحكيم العرفي. يقول لـ"اندبندنت عربية" إن أكثر ما يشغله هو الحفاظ على نزاهة الأحكام التي تصدر عن هذه المجالس، لأن قبول أطراف النزاع بها يبدأ من ثقتهم بطريقة إدارة الجلسة، وفي الأشخاص الذين يتولون الفصل بينهم.
وقبل أن تبدأ جلسات النظر في قضايا الثأر، يوضح البكري أن هناك إجراءات تسبق انعقاد المجلس، تبدأ بالحصول على موافقة الجهات الأمنية، ثم موافقة طرفي النزاع على اللجوء إلى التحكيم، مع التزامهما ما ينتهي إليه المجلس وما يترتب عليه من التزامات مالية.
وفي الصعيد، ارتبط التحكيم العرفي بصورة خاصة بالبنية الاجتماعية للعائلات والقبائل، إذ انتقلت خبرات إدارة الخصومات والمصالحات داخل بعض العائلات عبر أجيال متعاقبة. ولم تكُن هذه المجالس بديلاً عن القضاء الرسمي، لكنها ظلت حاضرة كوسيلة اجتماعية لإنهاء بعض النزاعات، خصوصاً تلك التي يكون فيها الحفاظ على العلاقات بين العائلات جزءاً من عملية التسوية.
ويشرح البكري أن كل طرف من أطراف النزاع يختار القضاة العرفيين الذين يمثلونه في الجلسة، على أن يكون عددهم فردياً، سواء كان قاضياً واحداً أو ثلاثة أو خمسة، حتى يكون هناك مجال لحسم الرأي إذا اختلفت وجهات النظر. وبعد عرض كل طرف روايته ومداولة القضاة، يكون للمرجح الكلمة الفاصلة عند عدم اتفاقهم.
أحياء أموات
أما "رفع الكفن"، فيوضح البكري أنه لا يقتصر على المشهد المعروف أمام الناس، إنما تترتب عليه أحكام داخل مجالس التحكيم العرفي، إذ يوصف من يرفع كفنه، بحسب هذه الأعراف، بأنه "ميتٌ حي"، بما يعني عدم قبول شهادته في جلسات عرفية لاحقة، وعدم مشاركته في مجالس عرفية أخرى.
ويضيف أن المحكمين يواجهون في بعض القضايا خيارين، إما طلب التغريب أو "رفع الكفن". ويستخدم التغريب، بحسب قوله، عندما تكون العائلتان في نطاق جغرافي واحد مثل القرية أو الشارع نفسه، مما قد يؤدي إلى تجدد الاحتكاك بين الطرفين، أو المناطق ذات الحيازات الزراعية، فيبعد الطرف الصادر بحقه الحكم من مكان النزاع.
ويشير البكري إلى أن غالبية المحكمين تميل إلى أحكام الكفن والدية أكثر من التغريب، موضحاً أن تقدير الدية يختلف بحسب نوع الواقعة، سواء كانت قتلاً عمداً أو غير عمد أو خطأ.
ولا يغفل البكري ما طرأ على جلسات التحكيم العرفي، بعد دخول من يصفهم بـ"السماسرة" إلى هذا النوع من المجالس. ويقول إن بعض الأشخاص أصبحوا يطلقون على أنفسهم ألقاباً مثل "أسد القضايا العرفية"، فيما يتعامل آخرون مع الجلسات باعتبارها وسيلة للربح أو لاكتساب وجاهة اجتماعية، لكنه يشير إلى أن العائلات التي توارثت التحكيم العرفي لا تزال تحتفظ بدورها داخل هذه المجالس.
ودخول من وصفهم بـ"سماسرة" إلى جلسات التحكيم العرفي بدأ تدريجاً بعد أحداث يناير (كانون الثاني) عام 2011، ويوضح أن ذلك تزامن مع حال الانفلات الأمني التي شهدتها البلاد في تلك الأثناء، فإن بعض "البلطجية" دخلوا إلى هذا المجال تحت عباءة الجلسات العرفية، ويضيف أن بعضهم "أصبح يبيع الجلسة قبل عقدها"، مما أثر في صدقية هذه المجالس.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
توارث الأدوار
بينما لا ترتبط الجلسات العرفية في مصر بتاريخ تأسيس محدد، إذ نشأت وتطورت بوصفها إحدى وسائل التسوية المحلية للنزاعات داخل المجتمعات التي قامت فيها الروابط العائلية والقبلية بدور مهم في تنظيم العلاقات بين أفرادها. واعتمدت هذه المجالس على تدخل شخصيات ذات مكانة اجتماعية مثل كبار العائلات وشيوخ القبائل، للتوفيق بين أطراف الخصومة أو الفصل بينهم عندما يقبلون اللجوء إلى التحكيم العرفي.
من الصعيد إلى الشرقية، تختلف بعض المصطلحات المستخدمة في جلسات التحكيم العرفي، لكن أسلوب إدارتها يبقى مرتبطاً بعائلات ارتبط اسمها بهذا النوع من الفصل في الخصومات. في منشية أبو عمر بالشرقية، يقول أحمد الضواهري من عائلة توارثت العمدية إنه لا يقبل قضاة يختارهم طرفا النزاع، بل يتولى هو اختيار القضاة الذين يحضرون الجلسة في "مضيفة" العائلة، حتى لا ينحاز القضاة إلى الأطراف التي يمثلونها.
ويوضح أن بعض القضاة الذين يحضرون مع أطراف النزاع يميلون، بحسب رأيه، إلى من يمثلونهم، لذلك يعتمد على اختيار قضاة مشهود لهم بالنزاهة، وعلى تاريخ العائلة في جلسات التحكيم العرفي. ويُعد اختيار كل طرف للقضاة الذين يمثلونه الأسلوب المتبع في غالبية جلسات التحكيم العرفي، إلا أن الضواهري يفضّل اختيارهم بنفسه، معتمداً على أشخاص مشهود لهم بالنزاهة وتاريخ العائلة في هذا المجال.
ويقول إن أطراف النزاع تلجأ إلى هذه العائلات اعتماداً على سمعتها، ومعظم العائلات التي توارثت هذا الدور لا تحصل على مقابل نظير استضافة الجلسات. لكنه يلفت إلى وجود بعض المناطق يحصل أصحابها على ما يطلق عليه "رزقة البيت"، وهو مبلغ يدفعه طرفا النزاع مقابل استضافة الجلسة، موضحاً أنه إذا دفع كل طرف 100 ألف جنيه، فقد تحصّل "المضيفة" على 10 آلاف جنيه من كل طرف، وهو مبلغ لا يُرد.
ويشرح الضواهري الذي توارث هذه المهمة عن عائلته التي بدأت ممارسة التحكيم العرفي منذ ستينيات القرن الماضي، أن من بين التغيرات التي طرأت على هذا المجال تراجع عدد العائلات التي توارثت هذا الدور، مقابل دخول أطراف أخرى إلى هذه المجالس بدافع الوجاهة الاجتماعية أو التربح.
دور تاريخي
يقول شيخ العرب محمود علي رضوان، أحد المرجحين في مجال التحكيم العرفي بالصعيد لـ"اندبندنت عربية" إن المجالس العرفية كان لها دور بارز خلال الفترة التي أعقبت عام 2011، مع الأحداث والاضطرابات التي شهدتها البلاد. ويضيف أن من تصدروا هذه المجالس واللجان الشعبية التي تدخلت لفض النزاعات في القرى "كان لهما دور لا ينسى".
وجلسات التحكيم العرفي تتعامل مع أنواع مختلفة من النزاعات، من الخلافات الأسرية والميراث إلى الخصومات بين العائلات وقضايا الثأر. ويعتبر من يصفهم بـ"السماسرة" حالات استثنائية داخل هذا المجال، لكن بعض الأشخاص دخلوا هذه المجالس بدافع الوجاهة أو التربح.
ويشرح رضوان أن جلسات التحكيم تشمل تقديم ضمانات من أطراف النزاع مثل إيصالات أمانة أو شيكات أو مبالغ مالية أو عقود ملكية، وتترك لدى صاحب المنزل الذي تعقد فيه الجلسة باعتبارها أمانة، مضيفاً أن اختيار مكان عقد الجلسة قد يسبقه دور شخص يُعرف باسم "السيرة"، وهو شخص يسعى بين أطراف النزاع إلى التقريب بينهم، ويقترح عليهم أماكن لعقد الجلسة حتى يتفقوا على المكان الذي تُجرى فيه.
وعن سير الجلسة، يقول رضوان إن المحكمين يجتمعون في غرفة المداولة بعد الاستماع إلى طرفي النزاع، لمناقشة تفاصيل القضية وطرح الحلول الممكنة، شرط ألا تتضمن ما يخالف ما يرونه من أحكام الشرع. وبعد المداولة يعلن الحكم بعد تأكيد قبول الطرفين بالتحكيم، موضحاً أن من لا يقبل الحكم يمكنه طلب إعادة النظر خلال 15 يوماً شرط عدم مشاركة المحكمين أنفسهم.