Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الثأر... وقود الموت في صعيد مصر

أكفان ولجان عرفية للتصالح... ودعوة لمواجهة الظاهرة بـ"مبادرة رئاسية"

وقود القتل، هكذا يطلق أهالي محافظات الصعيد في جنوب مصر على الثأر، الذي لا يزال يُسقط يوميا عشرات الضحايا بين قتلى وجرحى، جرّاء تجدد الاشتباكات بين عائلات تربطها خصومات ثأرية على خلفيات قديمة تمتد إلى عشرات السنين، وطبقاً لإحصاءات رسمية صادرة عن وزارة الصحة فإن أعداد ضحايا الثأر في محافظتي سوهاج وقنا في الصعيد تفوق ضحايا حوادث السير.

كيف تتعامل الدولة مع الثأر؟

يقول محمود خضاري، نائب رئيس جامعة جنوب الوادي لشؤون البيئة وخدمة المجتمع سابقاً، إن "تغيير المجتمعات لا يحدث إلا بتغيير القناعات، وللأسف الشديد لا يزال المجتمع في الصعيد يؤمن إيماناً راسخاً بضرورة الأخذ بالثأر، وأن التخاذل في ذلك يُولِّد العار والطرد من العائلة والقبيلة، ومن هنا فإن معظم الحلول التي تعاملت من خلالها الدولة مع عادة الثأر الرسمية كانت حلولاً أمنية، عبر ضبط حائزي الأسلحة غير المرخصة من أطراف الخصومات الثأرية أو تهجير العائلات المتناحرة من القرى التي يقطنونها، ومن ثم كانت تلك الحلول مجرد مسكنات وقتية لم تعالج الظاهرة الخطيرة بأسلوب علمي".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

فيما يشير اللواء عادل عبد العظيم، مساعد وزير الداخلية لقطاع جنوب الصعيد سابقاً، إلى أن عادة الثأر تحتاج إلى تغيير قناعات رموز القبائل والشباب، وإقناعهم بأن الثأر جريمة وليس بطولة، وأن القضاء هو السبيل الوحيد لاسترجاع الحقوق وليس حمل السلاح والقتل، مؤكداً أن "مواجهة الظاهرة بالحلول الأمنية وحدها محكوم بالفشل إذا اعتُمد عليها فقط من دون حلول تعالج المشكلة بأسلوب يربط بين الأسباب والمسببات".

 

 

"نبع الحنان" تحرض أبناءها على الثأر

من جانبها، ذكرت الرائدة الريفية أحلام الدندراوي، أن "دليل رسوخ عادة الثأر في مجتمع محافظات الصعيد، أن الأم أول من يُحرِّض عليه، على الرغم من أنها منبع الحنان، خشية نظرة القبيلة والوصمة الاجتماعية التي تطال أبناءها ما لم يثأروا لذويهم".

في حين يؤكد أحمد سعد جريو، عضو المجلس الأعلى للثقافة، أن عادة الثأر انتقلت إلى صعيد مصر من القبائل اليمنية بعد فتح مصر، وهذه العادة ليس لها أي أصول مصرية أو فرعونية كما يذهب البعض، ونظراً إلى تمركز القبائل العربية في إقليم الصعيد، توغلت هذه العادة الخبيثة إلى المجتمع الجنوبي، وباتت تمثل فخراً للعائلات التي تثأر من خصومها حال نشوب صراعات.

الثأر... وتنظيم الأسرة في الصعيد!

متهكماً، يقول أحمد العربي، الباحث التنموي، إن "الحكومة المصرية تتعامل مع الثأر باعتباره أحد وسائل تنظيم الأسرة في الصعيد في ظل مشكلة الزيادة السكانية، إذ تتساقط الضحايا من دون أي حلول واقعية للظاهرة"، متسائلاً "لماذا لا تحصر مديريات الأمن في محافظات الصعيد الخصومات الثأرية بين العائلات حتى الآن؟ ولماذا لا تطلق وزارة الأوقاف قوافل دعوية جادة للجلوس مع أطراف الخصومات للتحذير من عواقب القتل؟ ولماذا لا تُعجَل إجراءات التقاضي في المحاكم في قضايا القتل الثأري؟".

في حين يذهب تامر الشريف، أستاذ علم الاجتماع في جامعة المنيا، إلى أن مواجهة الثأر تتطلب عقد لقاءات على الأرض مع أطراف الخصومات الثأرية، بعد رصد جغرافي جيد لها في القرى والمراكز، وتتولى عقد هذه اللقاءات لجان تضم أكاديميين متخصصين بعيداً عن الشخصيات السياسية التي توظِّف هذه الخصومات في بعض الأحيان لمصالح شخصية، مؤكداً أهمية توعية جيل الشباب والأطفال الذي يتحمل عبء هذا الموروث عن الآباء والأجداد.

 

 

لجان الصلح العرفية... والكفن

ويرى أحمد عبد اللطيف الكلحي، رئيس لجنة المصالحات الثأرية في محافظة قنا، أن لجان المصالحات العرفية إحدى وسائل وأد الخصومات الثأرية بين العائلات في الصعيد، وتُجرى المصالحات بالتنسيق مع الأجهزة الأمنية والقيادات الشعبية بعد الاجتماع مع أطراف الخصومات لتقريب وجهات النظر، ووضع حد لحالة الاقتتال بينها، وقبيل مراسم الصلح تحرص هذه اللجان على تحرير محضر عرفي يتضمن شروطاً جزائية صارمة على الطرف المعتدي حال تجدُّد الخصومة، وتقدم العائلة التي لديها عدد أقل من الضحايا "الكفن" إلى العائلة الأخرى في حفلٍ يحضره ممثلون من كافة العائلات والقبائل.

"عادة عرفية حسنة"

دينياً، قال حسين أبو الحجاج، إمام وخطيب بوزارة الأوقاف في محافظة الأقصر، وعضو لجنة المصالحات الثأرية، إنه لم يرد أي حديث شريف أو آية قرآنية بشأن تقديم الكفن بين العائلات بغرض الصلح، لكن طالما أنه عبر هذه الطريقة تُحقن الدماء فلا مانع من اللجوء إليها لعقد الصلح بين أطراف الخصومات الثأرية، انطلاقا من كونها عادة عرفية حسنة، مشيراً إلى أنه من النادر أن يشترط أحد أطراف الخصومات الثأرية طلب دفع الدية، على الرغم من وجود أصل ثابت لها في الشريعة الإسلامية.

فيما أشار العمدة تقادم الخطيب، أحد رموز المصالحات الثأرية في محافظة أسوان، إلى أن قبول العائلات تقديم الكفن إلى أهالي الضحايا ليس أمراً هيناً، لأن فيه رسائل ضمنية تشير إلى أن مُقدِّم الكفن أعلن أنه لن يستطيع مواصلة العداء، معلناً بذلك الخضوع بالموت الافتراضي وهو على قيد الحياة، بالإضافة إلى أن من مراسم تسليم الكفن أن يطلب العفو والصفح من الطرف الآخر لوجه الله تعالى، وأن يتعهد عدم التعرض مجدداً بأي سوء لأي من أبناء تلك العائلة، سواء بالقول أو الفعل.

 

 

تعزيزات أمنية مكثفة

وذكر اللواء خالد الشاذلي، مدير إدارة البحث الجنائي في محافظة سوهاج، أن الأجهزة الأمنية دائماً تفرض تعزيزات أمنية مكثفة لتأمين مراسم المصالحات العرفية، ومن قواعدها أن يشترط حضور ممثلين عن جميع العائلات والقبائل ليكون الصلح مشهوداً من الجميع، وغالباً ما يعتلي المنصة في هذه المصالحات محافظ الإقليم ومدير الأمن وقيادات لجنة المصالحات، وقد تستغرق عملية التنظيم للصلح شهوراً.

17 قتيلاً بسبب "كارت شحن"

من جانبه، قال اللواء عبد المنعم الهواري، إن أسباب الخصومات الثأرية غالبا ما تكون هينة وسرعان ما تتفاقم، ومن أغربها خصومة في قرية "كوم هتيم" في محافظة قنا، سقط فيها 17 قتيلاً من عائلتي "الطوايل" و"الغنايم" بسبب خلاف على "كارت شحن" هاتف محمول، ولا تزال الخصومة قائمة، لذلك هناك مناشدات لشيخ الأزهر أحمد الطيب للتدخل وإنهائها، نظرا للعداء الشديد بين العائلتين.

 

 

حلق الشوارب والحواجب بدلاً من القتل!

بينما أشار حجاج سلامة، باحث في شؤون التراث والخصومات الثأرية، إلى أن من أغرب طقوس الثأر التي مرت عليه، قيام عائلة "الفلاحين" في قرية "المحروسة" بمحافظة قنا بحلق شوارب وحواجب ولحى أربعة أفراد من عائلة "العرب"، بدلاً من قتلهم كنوع جديد من الانتقام، بعد مقتل أحد أفراد العائلة الأولى عن طريق الخطأ.

وقال أحمد البدري، ناشط في مجال المصالحات الثأرية، إن شهر فبراير (شباط) الماضي، شهد إطلاق مسلحين وابلاً من الرصاص داخل مسجد في مركز القوصية بمحافظة أسيوط، أثناء صلاة الجمعة، في محاولة للثأر من أحد المصلين، وهو انتهاك واضح لحرمة بيوت الله.

 

 

مشرحة القتلى في قنا

وزارت كاميرا "اندبندنت عربية" مشرحة القتلى المركزية في محافظة قنا، والتقت مديرها أحمد المحمدي، ويعمل فيها منذ نحو 30 عاماً، حيث أكد لنا أن أعداد ضحايا الثأر في قنا تفوق حوادث الطرق، إذ تستقبل المشرحة شهرياً نحو 35 جثة، ونحو 19 جثة من ضحايا الثأر.

ولفت المحمدي إلى أن أصعب يوم عمل مر به، كان في شهر أبريل (نيسان) 2010، حينما لقي 10 أشخاص مصرعهم في قرية "الحجيرات" التابعة لمركز قنا، بعد أن أطلق أربعة مسلحين 300 طلقة نارية على أشخاص في سرادق عزاء بهدف الثأر منهم.

أول مبادرة نسائية للقضاء على الثأر

وقالت أماني أبو سحلي، منسق مبادرة "صعيد بلا ثأر" النسائية، إن خلافاً ثأرياً شب بين عائلتي "المخالفة" و"السحالوة" (عائلة زوجها)، عام 2013، وراح ضحيته 12 قتيلاً، من بينهم ابنها الأكبر محمد حمزة الذي كان عمره وقتها 16 عاماً، وكان ذاهباً إلى مدرسته وأمطره ثلاثة مسلحين بـ70 طلقة رصاص من أسلحة آلية، فسقط قتيلاً على الفور.

لكن الأم المكلومة رفضت أن تلعب دور المحرّضة على الأخذ بالثأر، كما تفعل غالبية النساء والأمهات في الصعيد، وفكرت في أن تقدم حلاً مختلفاً لمواجهة الظاهرة، فبعد أن تمت مراسم الصلح بين العائلتين، تقدمت بطلب إلى محافظ قنا عام 2018 لتدشين أول مبادرة نسائية للقضاء على الثأر، ورحّب المحافظ بالفكرة وقدم لها كافة سبل الدعم.

وعن مهام المبادرة، قالت أبو سحلي إنها "تعمل على إقناع السيدات من أطراف هذه الخصومات بأن الثأر جريمة وليس بطولة، وأن من يلجأ إلى الثأر لن يجني سوى الدمار والتخريب"، مؤكدة أن المبادرة أسهمت في إنهاء أكثر من ثماني خصومات ثأرية خلال عام واحد.

 

 

مبادرة رئاسية للقضاء على الثأر

من جانبه، طالب أحمد الأفيوني، منسق المبادرة، بأن يتبنى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي مبادرة رئاسية للقضاء على الثأر، تتضافر فيها جميع الجهود لمواجهة هذه العادة التي تتسبب يوما بعد يوم في سقوط عشرات الضحايا، على أن يشارك في المبادرة شباب الصعيد، من أجل حقن الدماء، وأن يسلم الأهالي الأسلحة غير المرخصة للأجهزة الأمنية، لأن انتشار الأسلحة في أيدي الشباب يؤجج الصراعات.

وذكر محمد حسن العجل، أحد أعضاء مبادرة "صعيد بلا ثأر"، أن تدشين مبادرة رئاسية للقضاء على الثأر سيحفز الجهود الشعبية والتنفيذية لمواجهة هذه العادة التي تؤثر سلبياً على حركة التنمية والاستثمار في محافظات الجنوب.