ملخص
انطلقت مبادرة شارع الفن في مصر وخرجت بالفنون إلى الشوارع والفضاءات العامة تحقيقاً للعدالة الثقافية، فكيف يمكن أن تؤثر هذه المبادرات في الناس؟ وما السبيل الذي يجعلها أكثر فاعلية؟
في خطوة تهدف إلى الانطلاق بالفنون المختلفة من القاعات المغلقة إلى الفضاءات العامة والوصول إلى الجماهير في الشوارع، تشهد منطقة وسط القاهرة تجربة جديدة حيث تُقدم عروض فنية مختلفة، في خطوة يرى متخصصون كثر أنها إيجابية وفاعلة لخلق علاقة وتواصل بين الفنون والناس بالخروج إليهم في تجمعات مفتوحة.
وفي مايو (أيار) الماضي افتتح رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي مبادرة "شارع الفن" وسط القاهرة ليتحوّل إلى فضاء مفتوح يقدم فعاليات ثقافية وفنية متنوعة على مدى أيام الخميس والجمعة والسبت من كل أسبوع متاحة لجميع الناس من دون أية قيود وبصورة مجانية تماماً لا تتطلب أية نفقات.
وتأتي هذه المبادرة تحت إشراف أكاديمية الفنون التي تتولى التنسيق مع كل الجهات والهيئات الراغبة في المشاركة، إضافة إلى تقديمها عروضاً بالتعاون مع معاهدها المختلفة مثل روائع الباليه العالمي بتقديم لوحات من الباليه الروسي والإيطالي والإسباني، وإبداعات طلاب المعاهد المتخصصة مثل فقرات العزف المنفرد والغناء الفردي والجماعي، فضلاً عن عروض متميزة من الغناء الأوبرالي لعشاق الموسيقى الكلاسيكية، ويركز جانب من العروض على إحياء الهوية المصرية، من خلال تقديم استعراضات لفنون شعبية مختلفة مثل التحطيب الصعيدي والتنورة والسمسمية، إضافة إلى عروض للعرائس والسيرك.
المبادرة تتضمّن مشاركات من جهات متعددة، من بينها نقابة التشكيليين ومؤسسات وكيانات فنية خاصة وأهلية مهتمة بالفنون، إضافة إلى إتاحة المشاركة لأي فنان مستقل سواء كان يقدم عرضاً خاصاً به مثل الغناء والعزف والفنون البصرية المختلفة، أو كان راغباً في تقديم ورشة عمل للجمهور في الشارع للأطفال أو الكبار.
وخلال بيان صحافي صاحب إطلاق المبادرة أكدت رئيسة أكاديمية الفنون في وزارة الثقافة نبيلة حسن أن مبادرة شارع الفن تستهدف إعادة الحياة الفنية للشارع المصري وخلق مساحة مباشرة للتواصل بين الفنان والجمهور، وأشارت إلى أن المبادرة تأتي في إطار توجّه الأكاديمية لنقل الفنون من القاعات المغلقة إلى المساحات العامة، وإتاحة الأنشطة الثقافية والفنية للجمهور بمختلف فئاته من خلال برنامج متنوع يجمع بين الفنون التراثية والمعاصرة، مما يسمح للمواطنين بالتفاعل مع كل أنواع الإبداع.
وبعد مرور أسابيع عدة ومع الإقبال الجماهيري في القاهرة جرى التوسع في المبادرة وإقامة شارع الفن في محافظات عدة بالتعاون مع الهيئة العامة لقصور الثقافة، فشهدت خمسة محافظات هي الإسكندرية والإسماعيلية وكفر الشيخ وبني سويف وأسوان فعاليات مبادرة شارع الفن من خلال برامج فنية وثقافية تتناسب مع خصوصية كل محافظة.
وعلى سبيل المثال لاقت الفعاليات بشارع النبي دانيال في قلب مدينة الإسكندرية إقبالاً كبيراً من أهل المدينة وزوارها ومشاركات واسعة من الفنانين "السكندريين" في كل المجالات، وعلى النهج نفسه أقيمت الفعاليات في باقي المحافظات بمشاركة فنانيها المحليين.
مبادرة شارع الفن ليست الأولى من نوعها في ما يتعلق بخروج الفنون إلى الناس في الشوارع ومراكز التجمعات خلال الفترة الأخيرة في مصر، إذ سبقتها منذ فترة مبادرة أخرى لتقديم عروض فنية متنوعة في محطات مترو الأنفاق بالقاهرة لاقت تفاعلاً كبيراً، وحققت نجاحاً ملحوظاً.
هل تغير عروض الشارع الذوق العام؟
وعلى المدى الطويل ومع استمرار مثل هذه المبادرات يفترض أن يكون لها مردود وأثر على الجماهير، ولهذا السبب شجعها كثير من الفنانين والمثقفين، فكيف يمكن أن تؤثر هذه المبادرات في الناس وما السبيل الذي يجعلها أكثر فاعلية؟
وفق الأستاذ في كلية الفنون الجميلة- جامعة الإسكندرية وعضو المجلس الأعلى للثقافة الفنان سعيد بدر، فإن "هذه المبادرات لها أهمية كبيرة، فرجل الشارع العادي أثناء مروره في المنطقة يمكن أن يتوقف لمشاهدة العروض والفعاليات، إضافة إلى الأشخاص الذين سيسمعون عن هذا الحدث ويذهبون لمشاهدته، بخاصة أنه مجاني تماماً، ولا يحتاج إلى أية نفقات، ولهذا أثر كبير، فالفن يغذي الروح سواء كان مرئياً أو مسموعاً، ويحسن الإدراك الذهني والحسي الذي تنمّيه كل أنواع الفنون، وهذه الفعاليات تعيد صياغة استقبال الناس للفنون وإدراكهم أهميتها بداية من الاهتمام بوجود أعمال فنية ذات مستوى عالٍ في الشوارع والميادين مثل التماثيل والجداريات التي ترفع من الذوق العام، وتجعل الفن جزءاً من ثقافة الناس، مروراً بمثل هذه المبادرات التي تسعى إلى الوصول لجمهور قد لا تكون الفنون في اهتماماته".
ويرجح بدر أن "تدفع هذه المبادرات الناس لاحقاً بعد استمتاعهم بهذه الفنون إلى الذهاب لحفل موسيقي أو إلى المسرح أو زيارة معرض فني، مما يمثل أفضل أثر يمكن أن تحدثه، فهذه الفعاليات لها أثر كبير بخاصة مع ما يحدث على أرض الواقع من عدم اهتمام بالفنون في المدارس، سواء الموسيقى أو الرسم وغيره، فيكبر الطفل على أن هذه الأشياء ثانوية وغير مهمة والأولوية للمواد الدراسية الأخرى، وللأسف ينتج من هذا فقدان كثير من المواهب، لأنه لم تكن هناك فرصة لاكتشافها من الأساس، إضافة إلى عدم وجود حس فني وقدرة على تذوق الفنون المختلفة عند كثير من الناس".
ويشير إلى أن "هذه المبادرات مثل شارع الفن تجعل الفن بكل أنواعه يصل إلى الناس في الشارع، ولا يحتاج إلى الذهاب لمسرح أو معرض أو أي مكان إنما يشاهدها الناس عرضاً في الشوارع، ويصبح جزءاً من حياتهم اليومية، وإقامة شارع الفن في محافظات مختلفة أمر في غاية الأهمية لأنه دائماً ما تتركز الفعاليات الثقافية في القاهرة والمحافظات الكبرى، بينما هناك كثير من المناطق محرومة بالفعل من وجود أي نشاط ثقافي وبلا شك لهذا أثر سلبي على الناس".
أيضاً يقول إدمون بطرس، رئيس مؤسسة "آرت إيجيبت"، القائمة على تنظيم وتنسيق معارض الفنون التشكيلية، إن "المترددين على قاعات الفنون مهما زاد عددهم، فهو بالنهاية محدود ومهتم بمثل هذه النوعية من الفنون، لكن جمهور فعالية مثل شارع الفن يكون بالآلاف يومياً، فهي فرصة كبيرة لكل فنان للوصول إلى هذا العدد من الجماهير، قدّمنا العرض بصورة جاذبة للجمهور وحرصنا على وجود كل المدارس الفنية لتناسب كل الأذواق ولتطلع الجمهور غير المتخصص على مدارس متنوعة، ولاقت المعارض التشكيلية إقبالاً كبيراً، وجذبت رواد الشارع بصورة ملحوظة، وهذا نجاح كبير".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ويتابع بطرس أن "هذه المبادرة بالفعل أحدثت أثراً خلال هذه الفترة القصيرة، فمع انتشار أخبارها لم يعُد روادها مقصورين على المارين عرضاً في المنطقة، لكنها أصبحت وجهة للعائلات خلال عطلة نهاية الأسبوع، فتأتي الأسرة كاملة لمشاهدة العروض الفنية والمعارض والمشاركة في الحدث، ويأتي كثير من الشباب وصغار السن، وهذا بحد ذاته نجاح ودليل على اهتمام الناس بالفنون إذا أتيحت لهم الفرصة ووجدوا منتجاً ثقافياً جيداً، وهذه الفعاليات تنعكس على سلوك الناس وترتقي به، فإضافة إلى تذوق الفنون والارتقاء بالحس الفني فإن الوعي يزداد بضرورة الحفاظ على المكان لأنه لهم وموجه إليهم".
عدالة لكن ثقافية... فهل تكفي؟
إن تقديم عروض تتقاطع مع هوية الجمهور وثقافته الشعبية يحقق نجاحاً مضاعفاً، فالفنون الشعبية والغناء والفنون التراثية المختلفة تجد قبولاً كبيراً عند فئات من المجتمع، ويمكن إطلاعه على نوعيات أخرى من الفنون الوافدة من ثقافات مختلفة قد يعتبرها بعضهم نخبوية مثل عروض الباليه وبعض الفنون التشكيلية والأوبرا والموسيقى الكلاسيكية.
من وجهة نظر أستاذ الموسيقى الشعبية في أكاديمية الفنون محمد شبانة، "لا شك في أن محاولة الوصول بالفن إلى التجمعات والناس في الشوارع هي فكرة جيدة في جوهرها وتتناسب مع نوعيات معينة من الفنون التي يمكن أن تتوافق مع تقديمها في مكان لا يحتاج إلى تجهيزات أو استعدادات خاصة لكون المتلقي يراها بصورة سريعة أثناء مروره بالمكان مثل تجربة شارع الفن أو المبادرة التي نُظمت في مترو الأنفاق، وأتصور أن تقديم الفنون في المساحات والفضاءات العامة مثل هذه المبادرات يمكن أن يستغل بصورة كبيرة خلال الاحتفالات القومية والوطنية، فيجري وضع جدول وخريطة للفعاليات والإعلان عن مواعيدها في المحافظات المختلفة وستكون هذه فكرة جيدة لربط الفنون بأحداث وطنية أو تاريخية مختلفة، مما يجعل لها أثراً مضاعفاً في الوصول بالفن إلى جماهير عريضة ولإذكاء الروح الوطنية والتعريف بأحداث مهمة للوطن".
ويضيف أن "التجربة بصورة عامة لا تزال في بداياتها وتقييمها يحتاج إلى وقت حتى يمكن قياس أثرها على الناس، فهي تحتاج إلى تقييم فني ومجتمعي، وفي الوقت نفسه لا بد من أن يكون الجمهور جزءاً من هذا التقييم، مما يعني سؤال الناس عمّ أعجبهم؟ وماذا كان الأفضل؟ وما الجوانب الإيجابية والسلبية في المشروع والمبادرة؟ فهذا عنصر أساس لتقييم التجربة فضلاً عن رأي الخبراء والمتخصصين".
ويتابع أن "مبادرة شارع الفن أن تكون مستمرة وممتدة هذا يمثل أمراً جيداً، وانتشارها في المحافظات خطوة إيجابية لتحقيق العدالة الثقافية، باعتبار أن هناك مناطق بالفعل محرومة من وجود خدمات ثقافية بصورة شبه كاملة، بل إن هذه المناطق يجب أن تكون لها الأولوية في مثل هذه المشاريع، باعتبار أن الخدمات الثقافة المختلفة موجودة في القاهرة والمدن الكبرى".
ويقترح شبانة أن "يكون لأي كيان ثقافي دور داخل مجتمعه، فعلى سبيل المثال لماذا لا تتيح أكاديمية الفنون بعض عروضها لأهالي المنطقة المحيطة بتذكرة رمزية؟ أو لماذا لا تشرك بعض المؤسسات التعليمية المرتبطة بالفنون المختلفة في كل محافظة الجمهور المحيط في بعض الفعاليات مثل المعارض أو العروض الفنية والحفلات؟ جزء من أزمة عدم إقبال بعض الناس على الفنون أنهم لا يجدون حولهم شيئاً متاحاً وبكلفة بسيطة ويتناسب مع ثقافتهم، فلا شك في أن هذا سيكون له أثر ومردود إيجابي على هؤلاء الناس وعلى المجتمع".