Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

كيف سيغير اختفاء الحدود مع إسبانيا حياة سكان جبل طارق؟

في أكبر تحول تشهده المنطقة منذ 300 عام، ستزول الحدود البرية بين الجارين. فكيف ينظر سكان جبل طارق إلى التغييرات المقبلة، وكيف يتوقعون أن تتبدل حياتهم

ستختفي في الـ15 من يوليو (تموز) الحدود البرية التي فصلت جبل طارق عن جارته إسبانيا (غيتي)

ملخص

إزالة الحدود البرية تفتح أمام سكان جبل طارق حرية أوسع للتنقل والاندماج مع أوروبا، وتمنح السياحة والأعمال فرصاً جديدة بعد أعوام من تداعيات "بريكست". لكن التحول يثير مخاوف من ارتفاع الضرائب والأسعار والجريمة وتراجع الطابع البريطاني المحلي، فضلاً عن زيادة النفوذ الإسباني وارتفاع أسعار السكن.

عندما تختفي الحدود البرية الفاصلة بين جبل طارق وأوروبا إلى الأبد، سيظهر فيه أسطول جديد من سيارات الأجرة السوداء اللندنية وأكشاك الهاتف الحمراء المطلية حديثاً.

ولعل ذلك محاولة من حكومة جبل طارق لتأكيد هويته البريطانية، في وقت يزداد فيه تقارب الإقليم مع بروكسل.

ففي أكبر تغيير منذ أن تنازلت إسبانيا عن جبل طارق لبريطانيا قبل أكثر من 300 عام، ستختفي في الـ15 من يوليو (تموز) الحدود البرية التي فصلت جبل طارق عن جارته الجغرافية، بموجب اتفاق أبرم في مرحلة ما بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (بريكست).

ويشتهر جبل طارق بقرود المكاك البربرية ورجال الشرطة البريطانيين، وبمقاومة سكانه الشرسة لمحاولات إسبانيا استعادة إقليمهم الصغير الذي لا يتجاوز حجمه علبة ثقاب، ومن المتوقع أن يجد سكان جبل طارق، البالغ عددهم 40 ألف نسمة، أنه من الأسهل التنقل في أنحاء أوروبا بعد أن فقدوا حرية الحركة فيها، عقب تصويت بريطانيا على الخروج من الاتحاد الأوروبي قبل عقد من الزمن.

من الناحية الرسمية، سيظل هؤلاء خاضعين لحد الإقامة البالغ 90 يوماً، ولكن نظراً إلى عدم وجود رقابة على الحدود البرية مع إسبانيا، فمن غير الواضح كيف سيطبق هذا الشرط، ويعتقد السكان المحليون أن تنفيذه سيكون مستحيلاً عملياً.

إذاً، هل ستصبح هذه الرقعة الصغيرة عند الطرف الجنوبي من إسبانيا، والمشهورة بتعلقها ببريطانيا، مجرد جزء آخر من أوروبا القارية؟ إلى حد ما، كما يقول كثيرون في جبل طارق.

 

في مطعم "روي للسمك والبطاطا المقلية"، يعرب رولاند ووكر، نجل مالك المطعم الذي يحمل اسمه، عن ثقته بأن توثيق العلاقات مع أوروبا سيعود بالنفع على أشهر طبق شعبي بريطاني.

ويقول "في الوقت الحالي، يأتي إلينا في الغالب بريطانيون وأميركيون لتناول السمك والبطاطا المقلية، وليس كثير من الإسبان. وربما إذا زاد عدد الزوار عندما تنفتح الحدود، فسيكون ذلك مفيداً للعمل".

وعندما تزال الحدود البرية، ستدخل حيز التنفيذ ضريبة جديدة على المعاملات في جبل طارق. فبدلاً من رسوم الاستيراد الحالية التي تتراوح بين صفر و12 في المئة، سيتعين على المستوردين دفع نسبة ثابتة قدرها 15 في المئة، يمكنهم تمرير كلفتها إلى الزبائن عبر رفع الأسعار، أو تحملها بأنفسهم.

 

ولا يشعر ووكر بالإحباط، إذ يقول: "نعم، سيتعين علينا دفع مزيد من الضرائب، لكن علينا أن ننتظر لنرى كيف ستسير الأمور. وأعتقد أن هذه خطوة جيدة، فالخيار الآخر الوحيد كان إقامة حدود مشددة، وكان ذلك سيؤدي إلى كارثة".

غير أن بعض سكان جبل طارق، مثل مايك نيكولز، يشعرون بأن التغييرات ستجلب معها إيجابيات أوروبا القارية وسلبياتها.

ويقول نيكولز، الرئيس التنفيذي لشركة "تشيسترتونز" العقارية: "أشعر بأننا سنصبح أكثر اندماجاً في المجتمع الأوروبي، وسنتمكن من دخول إسبانيا بسهولة تامة. وسيكون الأمر غريباً بعض الشيء وتجربة جديدة تماماً، وستكون هناك أنشطة كثيرة متاحة للمرء. وهذا أمر جيد، فنحن نتمتع بمزايا أوروبا، واقتصاد منخفض الضرائب، وتقاليد بريطانية".

ويضيف "من ناحية أخرى، تمتعنا طويلاً بمجتمع منخفض الجريمة لأننا نعيش في جيب مغلق لا مخرج منه، أما الآن فقد يجد الأشخاص غير المرغوب فيهم، أولئك الذين لا نرغب في وجودهم بيننا، سهولة أكبر في الدخول. ونحن هنا لا نضطر دائماً إلى إغلاق أبوابنا، لأن مجتمعنا متماسك للغاية".

 

ويضيف نيكولز أن البديل هو حدود مغلقة، وهو أمر لا يمكن التفكير فيه.

ويتابع: "إن إغلاق الحدود يعني رحيل الشركات، وسنصبح مجرد نسخة مشمسة من جزر فوكلاند".

من جانبه، يعتقد برايان رييس، رئيس تحرير صحيفة "جبل طارق كرونيكل" المحلية، أن كثيرين لا يدركون أن جبل طارق ليس مجرد موقع متقدم لإنجلترا مصغرة في البحر الأبيض المتوسط.

ويقول: "سنظل نأكل السمك والبطاطا المقلية، لكن يجب أن نتذكر أننا لسنا إنجليزاً، بل نحن مزيج بريطاني متوسطي".

وسيحظى سكان جبل طارق بحرية التنقل في أنحاء منطقة شنغن، وسيخضعون رسمياً لقاعدة الـ90 يوماً، إلا أن من الصعب معرفة كيف يمكن تطبيقها.

 

ويشكل سكان جبل طارق خليطاً متنوعاً من الجنسيات والأديان، إذ يعيش الإنجليز والاسكتلنديون والأيرلنديون جنباً إلى جنب مع المالطيين والمنحدرين من جنوة، إضافة إلى اليهود والمسلمين.

وتعد لغة "ليانيتو"، وهي مزيج من الإنجليزية والإسبانية ولغات متوسطية أخرى ولا تستخدم إلا في جبل طارق، مثالاً آخر على الطابع الفريد لهذا المكان.

وعندما يتحدث رييس، يبدأ جملته باللغة الإنجليزية وينهيها باللغة الإسبانية.

ويذكر أن الناس يشعرون بالطبع ببعض القلق إزاء هذا التغيير الجذري، غير أن تفاؤلاً عاماً يسود الأجواء.

ويتابع قائلاً: "يشعر الناس بطبيعة الحال بالقلق إزاء الكيفية التي ستتغير بها الأمور، كما يقلقون في شأن الأمن. وسيكون هذا تغييراً هائلاً، وخصوصاً بالنسبة إلى أصحاب المتاجر في شوارع التسوق الرئيسة، إذ سيتعين عليهم دفع ضرائب جديدة".

ويضيف: "لكن هناك أيضاً تفاؤل هادئ في شأن المستقبل، لكن لا بد من تذكر أن البديل، أي فرض حدود مشددة، كان سيجعل الوضع بالغ السوء".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

افتتح متجر "إمبريال نيوز إيجنتس" لبيع الصحف، الذي يضم حانوت "موديل دن" لهواة بناء نماذج مقاتلات سبيتفاير أو قاذفات لانكاستر، عام 1919.

وقد تجبر الضريبة الجديدة أصحاب المتجر على رفع الأسعار، وربما يختار العملاء شراء نماذج أرخص على الجانب الإسباني من الحدود، إذ الأسعار أقل.

وقال أوين سميث، رئيس اتحاد جبل طارق للشركات الصغيرة، إن مزيداً من الشركات الأوروبية، مثل زارا، قد تبدأ في غزو شوارع التسوق الرئيسة.

وقال سميث: "أعتقد أن هناك احتمالاً بأن نفقد شيئاً من تجربتنا البريطانية في قطاع التجزئة. وأعلم أن هناك جهوداً متضافرة لمنع حدوث ذلك، فهذا هو ما يميز جبل طارق".

 

وأضاف: "كان جبل طارق بمنأى إلى حد ما عن كثير من التحديات التي تواجهها شوارع التسوق الرئيسة في المملكة المتحدة، فهو يضم كثيراً من الشركات المملوكة محلياً وعدداً أقل من الامتيازات التجارية، ويعد الحفاظ على هذا التفرد أحد التحديات".

ويتعين على القادمين إلى جبل طارق سيراً على الأقدام عبور مدرج المطار قبل الوصول إلى وسط المدينة.

والرحلات الجوية الوحيدة الوافدة في الوقت الحالي تأتي من المملكة المتحدة، ولكن ذلك قد يتغير مع إزالة الحدود.

وقال مكتب السياحة "فيزيت جبل طارق" لـ"اندبندنت" إن شركات طيران أخرى أعربت عن اهتمامها بتسيير رحلات إلى الجيب، غير أن المكتب رفض الكشف عن مزيد من التفاصيل.

وعندما تختفي الحدود البرية، سيكون ذلك أهم تغيير يشهده أحد أقاليم ما وراء البحار البريطانية منذ أن أعادت المملكة المتحدة هونغ كونغ للصين عام 1997.

وأزالت الحفارات بالفعل مباني الشرطة من الجانب الإسباني من المعبر الحدودي قبل توقيع الاتفاق في بروكسل، وهو اتفاق يلغي الحاجة إلى إبراز جوازات السفر عند الحدود البرية بين جبل طارق وإسبانيا.

وسيتعين على البريطانيين الذين يصلون إلى المطار تقديم جوازات سفرهم أولاً إلى مسؤولي جبل طارق، ثم إلى أفراد الحرس المدني الإسباني، الذين ستكون لهم الكلمة الفصل في السماح بدخول الإقليم البريطاني، وينطبق الأمر نفسه على الوافدين إلى الميناء.

كما أزيل مكتب شرطة جبل طارق الملكية المخصص لمراقبة جوازات السفر قبل توقيع الاتفاق، الذي يجعل الجيب جزءاً من فضاء شنغن الخالي من الحدود في الاتحاد الأوروبي.

ولم تناقش مسألة احتمال فرض السيادة الإسبانية على الجيب، لكن فابيان بيكاردو، رئيس وزراء جبل طارق، اضطر إلى القبول بنفوذ إسباني أكبر، وستكون لمدريد صلاحية منع منح الإقامة في جبل طارق.

 

وعلى الجانب الآخر من الحدود، يعيش في لا لينيا دي لا كونسيبسيون كثير من العمال الإسبان البالغ عددهم 15 ألفاً، الذين يتنقلون يومياً إلى جبل طارق للحفاظ على سير العمل فيه.

وقد أحدث الاتفاق المبرم في مرحلة ما بعد "بريكست" بالفعل انقساماً اجتماعياً في لا لينيا، إحدى أفقر مدن إسبانيا، التي عانت طويلاً تهريب المخدرات. ويبلغ معدل البطالة فيها نحو 29 في المئة، مما يجعل الجريمة الخيار الوحيد لكثير من الشباب هناك.

وقال خوان فرانكو، عمدة لا لينيا: "ما يحدث هو أن عدداً متزايداً من سكان جبل طارق ذوي الدخل المرتفع يشترون المنازل ويرفعون الأسعار إلى مستويات تتجاوز ما يستطيع السكان المحليون تحمله، وهذا يخلق فجوة".

وأضاف: "إنه نوع من التحول الطبقي للمنطقة، لكن السكان المحليين يدفعون إلى الهامش".

© The Independent

المزيد من تقارير