Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

رحلة ساخرة إلى قلب مأساة هجمات المدارس في أميركا

يحول العمل الأول للمخرج أوسكار بويسون إحدى أكثر الحقائق قسوة في الولايات المتحدة إلى كوميديا سوداء لاذعة. نحاور في ما يلي مخرج العمل ونجمه البريطاني آسا باترفيلد للحديث عن كيفية توظيف الفكاهة أثناء مقاربة أكثر القضايا ظلمة وحساسية

آسا باترفيلد (على اليمين) وجايدن مارتل في لقطة من فيلم "بطلنا، بالتازار" (سيغنتشر إنترتينمنت)

ملخص

يحول فيلم "بطلنا، بالتازار" ظاهرة إطلاق النار في المدارس الأميركية إلى كوميديا سوداء تكشف عن عزلة الشباب وتأثير العالم الرقمي وثقافة "الإنسل". ومن خلال السخرية، يطرح العمل أسئلة مؤلمة عن الرجولة والعنف وفشل المجتمع في مواجهة واحدة من أكثر أزماته إلحاحاً.

يتجول رجل ملثم في ممرات مدرسة ثانوية، رافعاً أمامه بندقية نصف آلية. لكن عندما يصل المسلح أخيراً إلى أحد الفصول، لا يفعل الأطفال في الداخل سوى التحديق فيه بوجوه جامدة، بلا خوف أو اكتراث. سرعان ما ينكشف الوهم: فهذا المسلح ليس مهاجماً حقيقياً، بل إنه جزء من تدريب على التعامل مع حوادث إطلاق النار داخل المدارس. فبدلاً من القضاء على هذه الهجمات، أنشأت أميركا صناعة خاصة مربحة هدفها إعداد الأطفال لمواجهة الهجوم المقبل.

هذا هو المشهد الافتتاحي لفيلم "بطلنا، بالتازار" Our Hero, Balthazar، وهو كوميديا سوداء استفزازية لأوسكار بويسون في أولى تجاربه الإخراجية، يبحث فيها عن الفكاهة في أكثر الأماكن إثارة للانزعاج. فما يبدو في البداية فيلماً عن إطلاق النار في المدارس، سرعان ما يكشف عن نفسه كعمل ساخر قاتم يتناول التشابك المتزايد بين المأساة والسعي إلى جذب الاهتمام عبر الإنترنت. وبدلاً من استخدام حوادث إطلاق النار كوسيلة لإحداث الصدمة، يتخذها بويسون نقطة انطلاق لاستكشاف الجشع والوحدة وتجربة النشوء في عصر وسائل التواصل الاجتماعي.

بالتازار، الشخصية التي يحمل العمل اسمها (ويجسدها جايدن مارتل نجم سلسلة أفلام "إت" It)، هو شاب ثري متعجرف من نيويورك، مهمل عاطفياً، يعيش على ثروة عائلة متوارثة. يتمتع بقدرة غريبة على استدرار دموعه متى أراد، وينشر مقاطع فيديو مؤثرة بعد كل حادثة إطلاق نار تحدث في المدارس بحثاً عن التعاطف والاعتراف على الإنترنت. وعندما يهدد أحد المتصيدين في تعليق أسفل أحد منشوراته الاستعراضية بأنه سينفذ هجوماً على مدرسة، يرى بالتازار في الأمر فرصة لإثبات أن غضبه حقيقي. فيستخدم حساباً مزيفاً على الإنترنت ويعدل صوت والدته بواسطة تقنيات التزييف العميق، ليخدع المتصيد ويدفعه إلى لقائه، ثم يسافر إلى ريف تكساس مقتنعاً بأنه قادر على إيقاف الهجوم قبل وقوعه. أما آسا باترفيلد، فيقدم أداءً مثيراً للاقشعرار في دور سولومون، المراهق الوحيد في الطرف الآخر من الشاشة الذي يعيش في مقطورة وتخفي جرأته العنيفة على الإنترنت حياة عائلية قاتمة.

جاءت فكرة الفيلم في أعقاب حادثة إطلاق النار الجماعي في أوفالدي بولاية تكساس عام 2022، حين قتل شاب يبلغ من العمر 18 سنة 19 طفلاً ومعلمين اثنين. وقبل بدء مجزرته، كان المسلح راسل فتاة في ألمانيا تبلغ من العمر 15 سنة كان يتحدث معها عبر الإنترنت، وأخبرها بخططه. وكان ردها كلمة واحدة: "رائع". لاحقاً، دينت الفتاة لعدم إبلاغها عن الجريمة المخطط لها، لكن ردها ظل عالقاً في ذهن بويسون الذي اكتسب خبرته الأولى كمنتج في أفلام للأخوين سافدي، من بينها "وقت جيد" Good Time و"جواهر غير مصقولة" Uncut Gems.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

يقول بويسون: "شعرت بأن الأمر كان نموذجاً مصغراً لما يعنيه أن تكون على الإنترنت اليوم، بخاصة أن تكون طفلاً على الإنترنت اليوم"، مضيفاً "كانت تبلغ من العمر 15 سنة فقط، وتعرضت لكل هذه الأمور الفظيعة، ثم صار الاتصال بالشرطة واجبها هي؟ هل هي المسؤولة عما حدث؟ هذا أمر سخيف".

شهد فيلم "بطلنا، بالتازار" عرضه العالمي الأول في مهرجان تريبيكا السينمائي بنيويورك العام الماضي، لكن بعد رفضه في مهرجاني "صندانس" و"ساوث باي ساوث ويست"، وهما من أبرز المنصات التي تنطلق منها الأفلام المستقلة بحثاً عن فرص التوزيع. وكان بويسون أشار سابقاً إلى أن فيلمه ربما لم يحظَ بالاهتمام الكافي بسبب جرأة موضوعه، بخاصة بعد إعادة انتخاب دونالد ترمب. فالكوميديا السوداء التي تدور حول حادثة إطلاق نار في مدرسة ليست تماماً مشروعاً سهل التسويق.

وعند سؤاله عما إذا كان إنتاج الفيلم صعباً، يجيب بويسون بكلمة واحدة: "نعم"، قبل أن يضيف ضاحكاً: "لم يرغب أي من أشخاص كثر الذين يخبرك وكلاؤك بأن عليك التواصل معهم عند صناعة فيلم مستقل في التطرق إلى القضية... لكنني من نوع الأشخاص الذين يجعلهم الرفض، بخاصة داخل هذه الصناعة، أكثر حماسة. أنا لا أمتلك أكثر المخيلات جنوناً، ومن الصعب بالنسبة لي ابتكار فكرة يمكن أن تكون متفردة، لكنني أدركت أنه إذا كان الجميع يقولون ’لا‘، فهذا يعني أن الفيلم سيكون مختلفاً وسيبرز".

مع ذلك، يقول بويسون إنه تمكن من جمع تمويل أكبر مما توقع، بفضل علاقاته في قطاع السينما ومجموعة من المستثمرين الذين يخوضون تجربة الإنتاج السينمائي للمرة الأولى. وساعده هذا الدعم في التعاقد مع آسا باترفيلد، الممثل البريطاني المعروف بدور أوتيس، الشاب المضطرب الذي يتدرب ليصبح معالجاً جنسياً في سلسلة "تثقيف جنسي" Sex Education التي تعرضها شبكة "نتفليكس". ويمنح الفيلم آسا باترفيلد فرصة للتحرر من صورة الشخصية التي ارتبط بها، إذ يقدم أداء منفّراً في دور سولومون، الشاب المنتمي إلى ثقافة الـ"إنسل" incel (الرجال الذين يعبرون عن غضبهم بسبب شعورهم بالحرمان العاطفي أو الجنسي)، متخفياً وراء تسريحة شعر مصبوغ بالأشقر بطريقة سيئة، ولحية خفيفة بالكاد تظهر، وسروال جينز منخفض الخصر، وثقوب جسم على طراز متبعي ثقافة الـ "إيمو".

على رغم أن حوادث إطلاق النار في المدارس تظل ظاهرة مرتبطة بالولايات المتحدة على نحو خاص، يرى باترفيلد أن القضايا الأعمق التي يناقشها الفيلم تتجاوز الحدود الأميركية. ويقول خلال حديثه إلى "اندبندنت" عبر تطبيق "زوم" وهو جالس إلى جانب بويسون في منزله الكائن في لندن: "الوحدة لدى الشباب الذكور ظاهرة عالمية، وهي في الحقيقة جوهر القصة... يجعلك الفيلم تشعر بأنك داخل هذا العالم وداخل عقول هؤلاء الشبان، وترى كيف انتهى بهم المطاف إلى ما هم عليه، ظروف حياتهم وشعورهم المشترك بالعزلة، على رغم الاختلافات الكبيرة بينهم".

ومع أن سولومون وبالتازار يقفان على طرفين متباعدين من النظام الطبقي الأميركي، فإنهما يبنيان صداقة غريبة في نهاية المطاف تقوم على رغبة مشتركة في التواصل والانتماء (إذ سرعان ما يُسامح بالتازار على محاولته خداع سولومون عبر حساب مزيف). وما ينشأ بينهما هو نوع من الكوميديا العبثية عن صديقين غير متوقعين، فيتجول الاثنان بسيارة بالتازار، ويطلقان النار على عبوات من مكملات غذائية حاول والد سولومون تسويقها له. ومن أكثر النكات المتكررة طرافة في الفيلم اسم شركة والد سولومون التي تعتمد نظام التسويق الهرمي الاحتيالي لمنتجات التستوستيرون: "ثراش" Thrush، وهي كلمة مركبة تجمع بين كلمتي "الإثارة" و"الاندفاع" بالإنجليزية. هل ترغب في شراء عبوة من "ثراش"؟

قد يبدو الجمع بين الكوميديا وهذا الموضوع القاتم أشبه بالسير على حبل مشدود في السيرك، لكن بويسون ينجح في التعامل معه بمهارة، مستخدماً السخرية للكشف عن تناقضات مفهوم الرجولة الحديثة التي تغذي مشاعر الاستياء لدى شباب مثل سولومون. ومع ذلك، ليس كل صناع الأفلام نجحوا في تناول هذا الموضوع من دون إثارة الجدل. ففي وقت سابق من هذا العام، واجه فيلم الكوميديا السوداء "الدراما" The Drama، من بطولة روبرت باتينسون وزيندايا، انتقادات بعد الكشف عن أن شخصية زيندايا كانت تخطط في الماضي لتنفيذ إطلاق نار في مدرسة، إذ رأت مجموعات مناصرة أن الفيلم حوّل صدمة واقعية إلى مجرد حبكة صادمة ومثيرة للجدل. وقالت منظمة "مسيرة من أجل حياتنا" التي أسسها ناجون من حادثة إطلاق النار في باركلاند، عبر بيان: "عندما يتم التعامل مع شيء مثل إطلاق النار في المدارس باستخفاف أو يستخدم للسخرية، فهذا يطرح سؤالاً أعمق: ما نوع النقاش الذي من المفترض أن يشعله؟".

لم يكُن بويسون قلقاً من مواجهة رد فعل سلبي مماثل. ويقول: "أعتقد بأننا كنا دائماً ندرك أن نوايانا كانت سليمة". لكنه يضيف أن ما يقلقه أكثر هو خشية الناس من الحديث عن حوادث إطلاق النار في المدارس أصلاً. ويصف ذلك بـ"عقلية الإبادة"، موضحاً: "لا يريد أحد التحدث عن الأمر، لأن مناقشته تعني الاعتراف بأنك عاجز عن تغيير أي شيء. والاعتراف بأنك لا تستطيع تغيير أي شيء يعني الاعتراف بأنك لا تعيش في ديمقراطية فاعلة. إنه أمر قاسٍ، لكن علينا الحديث عن هذه القضايا". ويضيف أن الفكاهة "تبدو أكثر فأكثر وكأنها الطريقة الوحيدة للتعامل مع هذه المواضيع عبر السرد".

ويأمل باترفيلد في أن يفتح الفيلم نقاشات مشابهة لتلك التي أثارها مسلسل "مراهقة" Adolescence العام الماضي، وهو العمل الذي حقق انتشاراً واسعاً عبر "نتفليكس" وتناول انزلاق مراهق إلى عالم كراهية النساء عبر الإنترنت. ويقول: "أعتقد بأن ما يميز فيلمنا عن ’مراهقة‘ هو أنه موجه فعلاً إلى الشباب، بوصفه انعكاساً لما يمرون به". ويضيف: "في حين أن ’مراهقة‘ بدا كأنه ينطلق من موقف الآباء الذين ينظرون إلى ما يحدث من الخارج من دون أن يعرفوا حقيقة ما يجري على أرض الواقع، أعتقد بأن هذا الفيلم سيتحدث مباشرة إلى شرائح مختلفة من الشباب، وإلى كثير من أبناء ’جيل زد‘".

لا أريد التطرق إلى تفاصيل تحرق قصة "بطلنا، بالتازار"، لكن لا بد من ذكر أن العمل يقدم خاتمته بطريقة دائرية توحي بأن دوامة العنف المسلح والغضب المتنامي عبر الإنترنت ستواصل تكرار نفسها بلا نهاية في ظل الوضع القائم. وربما ليس مفاجئاً، إذاً، أن يحمل المخرج التشاؤم نفسه في شأن احتمال حدوث تغيير حقيقي في الولايات المتحدة مستقبلاً.

يستذكر بويسون الناجين من حادثة إطلاق النار في مدرسة باركلاند عام 2018 التي تجاوزت حادثة كولومباين لتصبح الأكثر دموية في تاريخ إطلاق النار داخل المدارس الأميركية، والحركة الواسعة التي أطلقوها تحت شعار "نيفير أغين" (لعدم تكرر الأمر مجدداً) #NeverAgain. ويقول: "لقد قادوا مسيرات في أنحاء البلاد، وجعلتهم وسائل الإعلام يشعرون بأنهم قادرون فعلاً على تغيير شيء ما. ثم لم يحدث أي شيء. ما تأثير ذلك في نفسيتك؟ أن تُختار شخصية العام في مجلة ’تايم‘، ومع ذلك لا يتغير شيء على الإطلاق؟".

ويعود المخرج للمشهد الافتتاحي في فيلمه، حيث تدريب التعامل مع مطلق النار النشط، قائلاً: "لا يسعك إلا أن تضحك، لأننا بدلاً من أن نفعل شيئاً جيداً للأطفال ونجعلهم يشعرون بمزيد من الأمان... حولنا الأمر ببساطة إلى صناعة تدر مليارات الدولارات".

تبدأ عروض فيلم "بطلنا، بالتازار" في دور السينما البريطانية في الـ16 من يوليو (تموز) الجاري

© The Independent

اقرأ المزيد

المزيد من سينما