ملخص
ما يمنح "توي ستوري" أهميته الحقيقية، وما يفسر بقاءه حياً في الوجدان الجماعي لـ30 سنة، ليس فقط ريادته التقنية بوصفه أول فيلم روائي طويل مصنوع بالكامل بالكمبيوتر عام 1995، بل قدرته على أن يكون مرآة متجددة لعلاقة الإنسان بالزمن والفقد.
في غرفة بوني، لم يعد الظلام كما كان. ضوء أزرق بارد يتسلل من جهاز صغير أخضر بحجم الكف، له وجه مبتسم وعينان جاحظتان، يهمس بصوت آمر لطيف: "لنلعب". على الرف، جيسي الراعية القماشية تراقب الوجه الصغير وهو يذوب في ذلك الضوء، والحبل الذي في ظهرها، ذلك الحبل الذي طالما استدعى صوتها الطفولي المرح، يبدو فجأة أداة من عالم آخر، عالم صار عتيقاً بلا سابق إنذار.
هذا هو المشهد الذي يبنى عليه الفيلم الخامس من سلسلة Toy Story، وهو مشهد لا يحتاج إلى تفسير كبير: لم يعد الأطفال يحتاجون إلى ألعاب تتكلم، فهناك من يتكلم بالنيابة عنهم، ويتذكر بدلاً منهم، ويعدهم بصداقة لا تنقطع طالما بقيت الشاشة مضاءة.
البداية
بدا الجزء الثالث من السلسلة، حين عرض عام 2010، وكأنه نهاية مكتملة لا تحتاج إلى إضافة، ففيه كبر آندي وسلم ألعابه إلى بوني (سكارليت سبيرز) في مشهد تحول إلى أيقونة في وجدان جيل كامل.
ومن ثم جاء الجزء الرابع عام 2019 ليمنح وودي (توم هانكس) خاتمة شخصية خاصة به، بعيداً من صاحبه القديم. بعد هاتين النهايتين، بدا من الصعب تصور مبرر فني لجزء خامس.
لكن المخرج أندرو ستانتون، الذي رافق السلسلة منذ بداياتها وصاحب ""WALL-E، اختار مع المخرجة المشاركة كينا هاريس ألا يكرر حكاية الوداع، بل إن يطرح سؤالاً أكثر إيلاماً: ماذا لو لم تعد الألعاب نفسها هي ما يتهدده الزمن، بل فكرة اللعب ذاتها؟
بوني، الطفلة ذات الثماني سنوات، خجولة، تجد صعوبة في تكوين صداقات حقيقية، فيقرر والداها، على مضض، أن يمنحاها جهازاً لوحياً يشبه الضفدع يدعى ليليباد، لتلحق بأقرانها في عالم الألعاب الرقمية المشتركة.
من هذه اللحظة تتحول اللعبة الإلكترونية إلى الخصم الحقيقي في الفيلم، لا عبر عنف مباشر، بل عبر إغراء ناعم يسحب بوني بعيداً من صناديق ألعابها القديمة. يستدعي هذا الخط الدرامي بصورة غير مباشرة ما فعلته "إنسايد آوت 2" حين جعلت مشاعر جديدة تتسلل لتحكم قرارات رايلي المراهقة، إذ يتصرف الجهاز الذكي هنا وكأنه يعرف مصلحة بوني أفضل من أي أحد حولها، بما في ذلك رفاقها من الألعاب القديمة.
الثقل العاطفي للفيلم لا يقع، هذه المرة، على وودي أو باز لايتير (تيم آلن)، على رغم عودة توم هانكس وتيم آلن إلى الأداء الصوتي، بل على جيسي الراعية التي جسدت صوتها جوان كوساك.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
يعيد الفيلم فتح جرح جيسي القديم مع مالكتها الأولى إيميلي، مستحضراً بصرياً وموسيقياً ً تلك الشجرة وأرجوحة الإطار المطاطي التي رافقت لحظة الوداع الشهيرة في الجزء الثاني، حين رافقت أغنية "حين أحبتني هي" مشهد التخلي عنها.
هذه المرة، الاستحضار ليس تكراراً عاطفياً فارغاً، فجيسي، وقد عادت إلى بيت إيميلي القديم بمحض الصدفة، تكتشف عبارة محفورة في جذع الشجرة تقول "جيسي كانت هنا"، وتحت التراب صندوقاً مدفوناً يكشف عن أن إيميلي، حين كبرت وأنجبت، اختارت أن تسمي ابنتها جيسي تيمنا بلعبتها الأولى.
تتكفل هذه اللقطة وحدها بإعادة تعريف علاقة جيسي بالتخلي، إذ تكتشف متأخرة أنها لم تنس كما ظنت طوال هذه السنوات. في البيت نفسه تعيش الآن بليز (ميكال ميشيل هاريس)، فتاة أخرى مولعة بالخيول كإيميلي تماماً، تعاني وحدتها الخاصة، فتصبح حلقة الوصل الطبيعية بين ماضي جيسي وحاضر بوني. في هذا التقاطع بين الماضي والحاضر يجد الفيلم أقوى مشاهده، وأكثرها صدقاً بصرياً وعاطفياً.
في المقابل، يبدو الفيلم مثقلا بخطوط فرعية كثيرة، أبرزها مجموعة من نسخ باز لايتير التقنية الهاربة، وهو خط يبدو للوهلة الأولى منفصلاً عن جسد الحكاية الرئيس، وإن كان يجد لاحقاً مبرراً وجدانياً يخفف من وطأة استطراده.
كذلك تغيب عن المشهد شخصيات أثيرة مثل ريكس وهام والسيد بطاطا، إذ لا يبدو أن كتاب السيناريو وجدوا لها مكاناً حقيقياً في هذا الفصل الجديد من الحكاية، فتحضر على الهامش أكثر مما تشارك في صلب الصراع.
عرض الفيلم في الأسبوع نفسه الذي أعلنت فيه الحكومة البريطانية عزمها حظر وسائل التواصل الاجتماعي على من هم دون الـ16، ما منح رسالته حول هيمنة الشاشات على طفولة اليوم توقيتاً لافتاً لم يكن مخططاً له بالضرورة، لكنه جعل من الفيلم مادة للنقاش تتجاوز حدود الشاشة إلى نقاش عام حول علاقة الأطفال بالتكنولوجيا.
أهمية السلسلة
ما يمنح "توي ستوري" أهميته الحقيقية، وما يفسر بقاءه حياً في الوجدان الجماعي لثلاثين سنة، ليس فقط ريادته التقنية بوصفه أول فيلم روائي طويل مصنوع بالكامل بالكمبيوتر عام 1995، بل قدرته على أن يكون مرآة متجددة لعلاقة الإنسان بالزمن والفقد.
في كل جزء، لم تكن الألعاب سوى قناع رقيق لأسئلة أثقل: ماذا يعني أن نستبدل؟ كيف نتصالح مع أننا لم نعد ضروريين لمن أحببناهم؟ وماذا نفعل حين يكبر من كنا نلعب من أجله؟
هذه الأسئلة لم تتغير من "توي ستوري" الأول إلى الخامس، لكن وسيطها تغير، من الطفل الذي يكبر ويهمل ألعابه، إلى الطفل الذي لا يحتاج أصلاً إلى ألعاب تمسك باليد لأن شاشة صغيرة تكفي لتشغل كل حواسه.
وفي هذا الانتقال بالذات تكمن قيمة الجزء الخامس، إذ لا يكتفي بمرثية للألعاب، بل يكتب مرثية مبكرة لفكرة اللعب نفسها، تلك التي كانت يوماً مساحة حرة للخيال، وقد تصبح اليوم مجرد واجهة أخرى ينتظرها إعلان.
في النهاية، يبقى "توي ستوري 5 " عملاً غير مكتمل الثقة بنفسه، يتردد بين إدانة العالم الرقمي والتصالح معه، ربما لأن الاستوديو الذي صنعه هو نفسه جزء من تلك الصناعة التي يحذر منها.
لكنه، على رغم تشتته وثقل حبكته، ينجح في لحظات متفرقة، بخاصة حين يترك جيسي تقود الحكاية، في أن يذكرنا لماذا أحببنا هذه الشخصيات البلاستيكية منذ ثلاثة عقود: لأنها، على عكس أي جهاز ذكي، لم تعدنا يوماً بأن تعرفنا أفضل مما نعرف أنفسنا، بل اكتفت بأن تكون إلى جانبنا حين نحتاج إلى صديق.