ملخص
ارتفعت أسعار الغاز الأوروبي إلى أعلى مستوى منذ مارس مع تصاعد التوترات في الشرق الأوسط، مما أعاد مخاوف الإمدادات والتضخم وضغوط الطاقة على الاقتصاد الأوروبي.
بعد أشهر من الهدوء النسبي، عادت أسواق الغاز الطبيعي الأوروبية إلى دائرة التوتر بقوة، بعدما ارتفعت الأسعار بنحو 4.8 في المئة لتسجل أعلى مستوياتها منذ مارس (آذار) 2026، في تطور يعكس عودة المخاوف في شأن أمن الإمدادات مع تصاعد المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران واضطراب حركة الشحن عبر مضيق هرمز.
وارتفعت أسعار الغاز الطبيعي الأوروبي إلى أعلى مستوياتها في ثلاثة أشهر، بعدما أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب عزمه فرض رسوم على الشحنات العابرة عبر مضيق هرمز، مما أثار مخاوف جديدة في شأن تعافي إمدادات الطاقة من الشرق الأوسط.
وصعدت العقود الآجلة القياسية للغاز لليوم الثاني على التوالي، مسجلة ارتفاعاً بنسبة 3.6 في المئة، بحسب ما أوردته وكالة "بلومبيرغ" للأنباء.
ولا ينظر المتعاملون إلى هذه القفزة باعتبارها مجرد تحرك موقت في الأسعار، بل باعتبارها مؤشراً على أن سوق الطاقة الأوروبية ما زالت شديدة الحساسية لأي اضطراب جيوسياسي، على رغم الجهود الكبيرة التي بذلها الاتحاد الأوروبي منذ أزمة الغاز الروسية في 2022 لتنويع مصادر الإمدادات وزيادة واردات الغاز الطبيعي المسال.
هرمز يعود إلى واجهة الأزمة
السبب الرئيس وراء صعود الأسعار يتمثل في تجدد المخاوف في شأن مضيق هرمز، الذي يمر عبره جزء كبير من تجارة النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم. فمع تصاعد الهجمات العسكرية وتباطؤ حركة الناقلات، بدأ المتعاملون بإضافة "علاوة مخاطر" إلى أسعار الغاز تحسباً لأي نقص محتمل في الإمدادات الآتية من الخليج.
وعلى رغم أن أوروبا لا تعتمد بصورة مباشرة على الغاز الإيراني، فإنها أصبحت تعتمد بصورة متزايدة على شحنات الغاز الطبيعي المسال الآتية من قطر ودول أخرى في المنطقة، وهو ما يجعل أي اضطراب في الملاحة البحرية عاملاً مباشراً في تسعير الغاز الأوروبي.
ولهذا السبب، جاءت استجابة سوق الغاز أسرع من استجابة أسواق أخرى، إذ ارتفعت العقود المرجعية الأوروبية إلى أعلى مستوياتها في أكثر من ثلاثة أشهر.
أوروبا أكثر استعداداً... لكن ليست محصنة
تختلف الأزمة الحالية عن أزمة عام 2022 عندما أدى تراجع الإمدادات الروسية إلى ارتفاعات تاريخية في الأسعار.
فاليوم تمتلك أوروبا بنية تحتية أكبر لاستيراد الغاز الطبيعي المسال، كذلك نجحت في تنويع مورديها وزيادة قدراتها التخزينية، وهو ما يمنحها مرونة أكبر في مواجهة الصدمات.
لكن هذه المرونة لا تعني الحصانة الكاملة، إذ ما زال الاتحاد الأوروبي يعتمد بصورة كبيرة على الواردات الخارجية لتغطية حاجاته من الغاز، خصوصاً خلال فصل الشتاء، في وقت تفرض القوانين الأوروبية الوصول إلى مستويات مرتفعة من ملء المخزونات قبل موسم التدفئة.
ومع ارتفاع الأسعار، تصبح عملية ملء المخازن أكثر كلفة بالنسبة لشركات الطاقة الأوروبية، وهو ما قد ينعكس لاحقاً على أسعار الكهرباء والتدفئة للمستهلكين.
سوق أكثر حساسية من النفط
يعتقد كثير من المحللين أن سوق الغاز الأوروبية أصبحت أكثر حساسية من سوق النفط تجاه الاضطرابات الجيوسياسية.
فالنفط يتمتع بسوق عالمية أكثر مرونة، ويمكن تعويض جزء من النقص عبر زيادة الإنتاج من مناطق أخرى أو السحب من المخزونات الاستراتيجية.
أما الغاز الطبيعي، خصوصاً الغاز المسال، فيعتمد على سلاسل إمداد أكثر تعقيداً تشمل محطات إسالة، وسفن نقل متخصصة، ومحطات إعادة تغويز، وهو ما يجعل أي تعطيل في الشحن ينعكس سريعاً على الأسعار.
كذلك تزداد المنافسة بين أوروبا وآسيا على شحنات الغاز المسال حدة خلال فترات ارتفاع الطلب، ما يرفع كلفة الاستيراد بالنسبة للطرفين.
انعكاسات على التضخم الأوروبي
يمثل ارتفاع الغاز تحدياً جديداً للبنك المركزي الأوروبي الذي كان يأمل في أن يواصل التضخم مساره النزولي خلال النصف الثاني من العام.
فارتفاع أسعار الطاقة عادة ما ينتقل تدريجاً إلى كلفة الإنتاج والنقل ثم إلى أسعار السلع والخدمات، وهو ما قد يبطئ تراجع التضخم أو يعيده إلى الارتفاع إذا استمرت الأزمة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ولهذا حذر مسؤولون في البنك المركزي الأوروبي من أن عودة الحرب في الشرق الأوسط أعادت ملف التضخم إلى الواجهة، بعدما كانت الأسواق تتوقع فترة أكثر استقراراً للطاقة.
الشركات الأوروبية تحت الضغط
لا تقتصر تداعيات ارتفاع الغاز على المستهلكين، بل تمتد أيضاً إلى القطاع الصناعي الأوروبي.
فالقطاعات كثيفة الاستهلاك للطاقة، مثل الصناعات الكيماوية والصلب والأسمدة والألمنيوم، ستكون الأكثر تأثراً بأي ارتفاع طويل الأمد في أسعار الغاز، وهو ما قد يقلص هوامش الأرباح ويؤثر في القدرة التنافسية للصناعة الأوروبية أمام المنتجين في الولايات المتحدة وآسيا.
وكانت أوروبا قد شهدت خلال أزمة الطاقة السابقة إغلاقاً موقتاً لعدد من المصانع أو خفضاً للإنتاج بسبب ارتفاع كلفة الوقود، وهو سيناريو لا ترغب الحكومات الأوروبية في تكراره.
هل تعود أزمة الطاقة؟
حتى الآن، لا تشير المؤشرات إلى تكرار أزمة 2022 بكامل تفاصيلها.
فالأسعار الحالية لا تزال أقل كثيراً من المستويات القياسية التي سجلتها أوروبا عقب اندلاع الحرب الروسية - الأوكرانية، كذلك المخزونات الأوروبية أعلى، وسوق الغاز العالمية أكثر تنوعاً.
لكن استمرار التصعيد العسكري في الخليج أو تعطل حركة ناقلات الغاز لفترة طويلة قد يدفع الأسعار إلى مستويات أعلى بكثير، خصوصاً إذا تزامن ذلك مع ارتفاع الطلب الشتوي أو زيادة المنافسة الآسيوية على شحنات الغاز المسال.
مستقبل الأسعار
يتوقف مسار أسعار الغاز خلال الأشهر المقبلة على عاملين رئيسين، الأول هو التطورات العسكرية في الخليج ومدى قدرة الأطراف على تجنب تعطيل الملاحة في مضيق هرمز، والثاني يتعلق بسرعة استعادة حركة شحن الغاز الطبيعي المسال إلى مستوياتها الطبيعية.
فإذا هدأت الأوضاع الجيوسياسية، قد تتراجع الأسعار تدريجاً مع استمرار تدفق الإمدادات وارتفاع المخزونات الأوروبية.
أما إذا طال أمد التوتر أو توسعت دائرة المواجهة، فقد تدخل أوروبا شتاءً جديداً بأسعار طاقة مرتفعة، بما يعيد الضغوط على التضخم والنمو الاقتصادي والسياسة النقدية، ويجعل أمن الطاقة مجدداً في صدارة أولويات الحكومات الأوروبية.