ملخص
برز خلاف علني بين جود بيلينغهام ومدربه توماس توخيل بعد فوز إنجلترا على النروج، وهو ما يثير الجدل قبل مواجهة الأرجنتين، وسط تفسيرات متباينة بين أزمة داخل المنتخب، وعلاقة قائمة على الصراحة تدفع النجم الإنجليزي نحو مزيد من النضج والتألق.
بعد تباين وجهتي النظر في شأن مباراة النروج، يمكن أيضاً النظر إلى هذا الخلاف من زاويتين مختلفتين، فمن جهة قد تبدو تصريحات جود بيلينغهام سيئة التوقيت للغاية قبل مواجهة الأرجنتين، التي من المؤكد أنها ستكون مشحونة عاطفياً، وستحتاج إنجلترا إلى التكاتف الكامل، فيما قد تعرض الحدة التي اتسمت بها مقابلات صاحب هدف الفوز بعد المباراة، هذا التماسك للخطر من دون داع.
ومن جهة أخرى قد يصف توماس توخيل الأمر، بحسب مزاجه، بأنه توتر صحي وبنّاء، ومع كل هذه المشاعر فمن المفيد في الأقل استعراض ما حدث بالتفصيل.
كان توخيل أشاد بعقلية لاعبيه بعد العودة الشاقة والفوز (2-1) على النروج، لكنه انتقد الأداء بتفاصيل فنية دقيقة على نحو لافت، على رغم قصر المقابلة، وقال المدرب الألماني "إنه أمر رائع لكنني لست سعيداً بالأداء من جميع النواحي، ومرة أخرى الالتزام موجود، لكننا جعلنا الأمور صعبة جداً على أنفسنا بالطريقة التي لعبنا بها، وكنا مهملين، وارتكبنا كثيراً من الأخطاء الفنية، ولم نكن سريعين بما يكفي، ولم نكرر ما نريده بالشكل الكافي، وكنا محظوظين اليوم".
وعندما نقلت هذه التصريحات إلى بيلينغهام مباشرة بعد المباراة، جاء رده مقتضباً لكن لغة جسده كانت أكثر تعبيراً، وقال "ربما، لكن ربما لا يعرف كيف يكون اللعب في مثل هذه الظروف أمام إيرلينغ هالاند ومارتن أوديغارد وأنطونيو نوسا وألكسندر سورلوث"، مضيفاً في مقابلة أخرى "حسناً، لا يهم، كانت الظروف صعبة والمباراة مرهقة"، ثم أشاد بيلينغهام بزملائه في أرض الملعب، وقال "كل اللاعبين بذلوا مجهوداً شاقاً، ولذلك فإن تقديري وامتناني يذهبان إلى اللاعبين الذين كانوا في الملعب وقدموا مجهوداً رائعاً مرة أخرى".
تقييم الأداء بين الحظ والعمل الجماعي
تبدو صراحة توخيل ووضوحه أمرين منعشين، حتى وإن كان رد الفعل الأول هو "مهلاً!"، فهل كانت إنجلترا محظوظة؟ بالتأكيد، ومن دون أدنى شك، كانت مباراة كان يمكن أن تميل إلى أي الطرفين، بفضل المهارة التي يمتلكها الفريقان بوفرة، وفي النهاية بفضل الحظ أيضاً، ومن غير المنطقي الادعاء بأن الحظ لا يؤدي دوراً كبيراً.
وهذا لا يعني أن إنجلترا لم تستحق الفوز، لكن لو انتصرت النروج لكان من الممكن أيضاً القول إنها استحقته، فهناك عوامل كثيرة جداً تتحكم في مباراة متقاربة كهذه، تجعل نتيجتها بعيدة كل البعد من أن تكون قابلة للتوقع.
أما رد بيلينغهام فكان صريحاً بالقدر نفسه، إذ رأى الانتصار من زاوية العمل الشاق الذي قدمه الفريق في ظروف قاسية للغاية، ولذلك فهو محق أيضاً، فلا توجد في الواقع قضية تستحق كل هذا الجدل.
تداعيات الخلاف داخل معسكر إنجلترا
وعلى رغم أن هذا الخلاف العلني جاء إلى حد كبير من خلال أسئلة مراسل قناة "أي تي في" غابرييل كلارك، فإنه قد يجر وراءه كثيراً من العناوين السلبية، وقد أثار بالفعل قدراً كبيراً من الدهشة داخل محيط المنتخب، إذ قال أكثر من شخص إنه "مصدوم"، ورأى هؤلاء أنه لم تكن هناك أية ضرورة لرد بيلينغهام، بل إن حديثه حمل أيضاً إيحاء بالانتقاص من مسيرة توخيل كلاعب، وهي نقطة قد تكون حساسة بالنسبة إلى بعض المدربين، وسبق أن ظهرت مؤشرات مشابهة في مسيرة المدرب، ولا سيما في علاقته ببعض الشخصيات البارزة داخل "بايرن ميونيخ"، وقد يبدأ الحديث عن انهيار "روح الأخوة" الشهيرة داخل المنتخب، وعن وجود انقسام في قمة الهرم، ويزداد كل ذلك ثقلاً مع اقتراب مواجهة الأرجنتين.
رؤية توخيل لتطوير بيلينغهام وقيادة المنتخب
لكن هناك قراءة أخرى للمشهد، وهي أن هذا النوع من العلاقة هو تحديداً ما بناه توخيل مع نجمه، علاقة تقوم على الشد والجذب، أسهمت تدريجاً في دفع بيلينغهام إلى تقديم مستويات أفضل فأفضل، وإذا كان تألق اللاعب يحظى الآن بالإشادة المستحقة، بعدما بات يحسم المباريات ويتولى زمام الأمور بنفسه، فإن الذكاء العاطفي لتوخيل يستحق الإشادة أيضاً، فقد فعل شيئاً مشابهاً مع نيمار في "باريس سان جيرمان"، عندما ساعده في تقديم أفضل مواسمه منذ عام 2015، وذلك خلال موسم (2019-2020).
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
أما موقفه الصارم في البداية، عندما استبعد بيلينغهام تماماً في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، فيُنظر إليه الآن على أنه ضربة معلم، فقد أجبر اللاعب على مراجعة أسلوبه واستيعاب ما كان مطلوباً منه داخل منتخب إنجلترا، وبات ينظر إلى بيلينغهام على أنه "أكثر نضجاً"، وبشخصية مختلفة عن تلك التي ظهر بها خلال "بطولة أوروبا 2024".
وحتى استبعاد كول بالمر ومورغان غيبس وايت وفيل فودين، الذي أثار كثيراً من الجدل، بات يفسر في هذا الإطار، فقد منح ذلك بيلينغهام رسالة واضحة بأنه الرجل الأول، من دون أي غموض في شأن مكانته، ومن اللافت التفكير الآن في أنه كان هناك في البداية نقاش حول ما إذا كان نجم "ريال مدريد" هو الخيار الأنسب، أم مورغان روجرز الذي قدم مستويات جيدة بالفعل، لكن توخيل كان حسم قراره قبل كأس العالم، وساعده المستوى الجيد الذي قدمه روجرز في الخريف، وكذلك فإن توخيل قدر كثيراً الطريقة التي منح بها الفريق انسيابية في اللعب.
غير أن الهدف البعيد كان دائماً يتمثل في صقل بيلينغهام، وإزالة بعض الجوانب الحادة من أدائه، وضمان حصول إنجلترا على أفضل نسخة ممكنة منه، تماماً كما فعل مع نيمار، ولهذا السبب تحديداً فوجئ كثيرون بما بدا وكأنه تراجع في العلاقة بينهما، وربما يكون ذلك نابعاً من الثقة الزائدة التي تلازم بعض الرياضيين، عندما يشعرون بأنهم لا يمسون، مثلما حدث بعد الأداء الذي قدمه بيلينغهام أمام النروج، والحقيقة أن إنجلترا في أمس الحاجة إليه.
تحديات إنجلترا قبل الأرجنتين وحسم مستقبل الفريق
في المقابل تتزايد التحديات أمام توخيل، حتى وهو يتجاوز عقبة تلو الأخرى، فقد بدا هاري كين، الذي كان حتى وقت قريب أكثر تأثيراً من بيلينغهام، ثقيلاً للمرة الأولى، ولم يكن الوحيد، وتثير الحال البدنية لديكلان رايس القلق، خصوصاً بالنظر إلى أهميته الكبيرة في توازن الفريق، وإلى ما أظهرته هذه المباراة من محدودية الخيارات في غيابه، واللافت أن توخيل، على نحو يثير الاستغراب، لا يبدو واثقاً من كوبي ماينو، وقد أكدت هذه المباراة أن ريس جيمس لم يستعد كامل جاهزيته بعد.، وينطبق الأمر نفسه على خط الدفاع، حيث بدا مارك غيهي وجون ستونز بعيدين من أفضل حالاتهما البدنية.
أما بوكايو ساكا فإن موسمه المتقطع يعني أنه لا يزال يقدم لمحات متفرقة فقط، ويبقى هذا منتخباً يعاني كثيراً الاختلالات، على رغم أنه يستطيع بحق أن يعد نفسه بين أفضل أربعة منتخبات في العالم، ويستطيع أن يصف نفسه بأنه بلغ نصف النهائي، لكنه يدين بذلك في المقام الأول إلى لاعب واحد هو بيلينغهام.
وربما يقدّر توخيل ذلك بقدر تقديره لأهدافه، فالمدرب الألماني شخصية آسرة لأنه يتحدث بعفوية ومن دون تصنع، وقد أظهر ذلك في حديثه عن بيلينغهام نفسه، ومن الممكن أنه يقدّر في اللاعب الصراحة ذاتها.
يحب توخيل غرف الملابس التي تضم شخصيات قوية ولاعبين مستعدين للتحدث معه بصراحة، لكن ما حدث هذه المرة لم يكن داخل غرفة الملابس، بل جرى على الملأ، وكان من المفترض في الظروف العادية أن يعد هذا تحدياً لسلطة المدرب، خصوصاً في فريق لا يزال يعاني تكتيكياً.
وفي النهاية يبقى رأي شخص واحد هو الأهم: توماس توخيل، لكن في الوقت الراهن هناك لاعب واحد فقط يشكل العامل الحاسم بالنسبة إلى إنجلترا، وهو جود بيلينغهام.
© The Independent