ملخص
بينما كانت عربات الهمر المقاتلة تحث الخطى نحو ثكنات الجماعة الحوثية في مدينة ذو باب، شنت الطائرات المقاتلة، وبسخاء ناري غير مسبوق، عمليات تمهيد مسبق للقوات الحكومية اليمنية المهاجمة، قبل أن تباغت الميليشيات.
لم يمض كثير من الوقت على حال النشوة التي اعترت الحوثيين، عقب ما سموه "النصر الكبير" في الساحل الغربي، ونجاحهم في التحكم بأحد أهم الممرات الدولية، ظل الحوثيون على مدى الأسابيع الثلاثة الماضية يتحدثون عن "التأييد الإلهي" الذي مكنهم من السيطرة على كل هذه السواحل والجزر والجبال في الهضبة الغربية لتعز.
وعلى رغم الصبغة الدينية التي أحالوها سبباً لهذا التقدم، لكنهم أعلنوا فور سيطرتهم على باب المندب، السماح للسفن الأميركية والإسرائيلية بالعبور، مستثنين السفن السعودية، في معادلة أثارت التساؤلات عن تناقض المواقف الذي خبره اليمنيون ويدركون أبعاده.
استعادة المبادرة
وفي لحظة مفصلية من عمر المعركة اليمنية مع الحوثيين، جاء إعلان رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، اليوم الإثنين، إطلاق معركة "فجر اليمن" لتحرير العاصمة صنعاء، لتعيد الأمل والمبادرة للقوات الحكومية عقب انكسار عاشته على مدى الأسابيع الثلاثة الماضية، مع سقوط المخا ووصول الحوثيين في الـ 48 ساعة الماضية إلى مناطق واسعة في ريف تعز ومدنها، وكادوا أن يعزلوها تماماً من الاتجاهات كافة.
ومثّل إعلان المعركة التي انتظرها قطاع يمني واسع، رد فعل عكسي، بعدما ظلت الحكومة على مدى الأعوام الماضية لا تبارح مواقعها، وتكتفي بالدفاع عن المناطق التي تسيطر عليها.
في المقابل، وعقب سيطرتهم على الساحل وباب المندب، أقام الحوثيون حواجز بشرية ونارية عازلة، تمنع تقدم أية قوات قادمة عبر الطريق الواصل مع عدن من الجهة الجنوبية.
ما الذي جرى؟
وبينما تبدو هذه الجبهة المتوقع حدوث أي هجوم تقليدي عبرها هادئة، وليس فيها ما يدعو الميليشيات إلى الانتباه، تمكنت مجاميع هجومية من قوات "ألوية العمالقة" الجنوبية، عند بزوغ الفجر، من التسلل عبر جبال كهبوب مروراً بطريق السقية، من خلال إحداث ثغرة في منطقة تشهد انتشاراً حوثياً كثيفاً، فهذه المنطقة الحاكمة كانت تتوسط مضيق باب المندب جنوباً، وبداية الشريط الساحلي للبحر الأحمر غرباً، وخلال الأيام الماضية دفع الحوثيون بالآلاف من نخبة مقاتليهم للفوز بهذه المرتفعات، لتحميهم من نيران الغارات الجوية التي لم تتوقف على مدار الساعة.
ويؤكد سكان محليون لـ "اندبندنت عربية" أن المقاتلات كانت تقصف، على مدى الأسبوعين الماضيين، كل ساكن ومتحرك للميليشيات، حتى فقدت السيطرة الفاعلة على هذا الشريط الإستراتيجي، ثم مرت الجموع بهدوء تام عبر طرق وعرة حول جبال العمري، وفي سفوحه دارت معارك خاطفة مع القوات الحوثية المحدودة، وجرى دحرها، ومن ثم تأمينه في ظهر القوة المهاجمة، وبينما كانت عربات الهمر المقاتلة تحث الخطى نحو ثكنات الجماعة في مدينة ذو باب، شنت الطائرات المقاتلة، وبسخاء ناري غير مسبوق، عمليات تمهيد مسبق، ثم تفاجأ المئات من عناصر الميليشيات الحوثية بوقوعهم وجهاً إلى وجه مع "قوات العمالقة" بلا سابق إنذار، وكأنهم يتساءلون من أي سماء هطلوا عليهم، فظهرهم في باب المندب لم يطلق رصاصة أو يُشعرهم بخطر هجومي داهم.
وقد رضخ غالبيتهم لأمر الكماشة الواقع، ولا مناص من الاستسلام، فالطريق بات مقطوعاً عن خطوط إمدادهم من المخا والحديدة، ومَن بقي منهم في باب المندب وجزيرة ميون سيدخل تحت طائلة الحصار، وليس أمامهم سوى تسليم أنفسهم، وهو ما جرى فعلاً، وقد مرت عمليات التمشيط بسرعة لافتة، قبل أن تواصل القوات المسير نحو المخا ثم الحديدة، في مهمة دفعت اليمنيين نحو الإشادة بها، وبات اسم "العمالقة" يتصدر عبارات الثناء الرقمي الصاخب.
ويؤكد مراقبون خسارة رهانات إيران في هذا الموقع الإستراتيجي، بعد أن سعت عبر ذراعها الحوثية إلى خنق المضيق الدولي، وجعله ورقة إضافية مع هرمز، للتكسب والابتزاز السياسي.
حسابات كهبوب الخاطئة
تؤكد معطيات معركة اليوم التي باتت تطرق باب مدينة الحديدة، أن الميليشيات الحوثية أخطأت في حساباتها الميدانية، فبينما كانت تتوقع اكتفاء القوات الحكومية بالدفاع عن سلسلة جبال كهبوب، منعاً لتقدمها نحو لحج وعدن، جرت مباغتتها بالتفاف ناجح إلى ذو باب، ووفقاً للسكان فقد نقلت الجماعة خلال الأيام الماضية أعداداً كبيرة من مقاتليها من باب المندب والمخا إلى مناطق الحجرية بتعز، وأبقت على الأنساق المتقدمة في وجه جبال كهبوب التي كانت تظنها الجبهة المتوقعة لشن هجوم ضدها.
عملية نوعية
ويصف الخبير العسكري عبدالعزيز الهداشي هذه الواقعة بأنها "أفضل عملية عسكرية تنفذها القوات المعادية للحوثي منذ بدء الحرب عام 2015"، ويقول الهداشي لـ "اندبندنت عربية" إن "عملية الالتفاف أو الهجوم الجانبي المباغت تستغله القوى المحترفة عبر ثغرة ما، وهو ما جرى اليوم"، مضيفاً أنه "حين هاجمت قوات العمالقة من هذا المنطقة، شكلت رأس حربة، إذ تقطع خطوط الإمداد عن الحوثي في المخا، وتباغت القوى الراكدة وتحدث فرقاً ميدانياً خاطفاً".
واللافت، وفق الهداشي، كان "عدم اكتفاء هذه العملية بتحرير ذوباب وباب المندب، بل أدت إلى هرب جماعي لقوات الحوثي من جهة الحجرية التي سيطروا عليها أمس، وبدأوا يهربون منها بصورة عشوائية خوفاً من قطع خطوط الإمداد عليهم من جهة الوازعية والمخا، أي أن العملية حققت نجاحات عدة وبكلفة قليلة".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ووفقاً للمتحدث باسم "القوات المشتركة" في الساحل الغربي، وضاح الدبيش، فإن "المعارك التي انطلقت صباح اليوم بدأت بتنفيذ عملية التفاف عسكرية واسعة بغطاء جوي كثيف، هدفها تحرير الساحل الغربي والحديدة واليمن من الميليشيات الحوثية التابعة لإيران"، وقد أكد سكان محليون في صنعاء سماع دوي انفجارات متتالية في أرجاء العاصمة، إذ تسيطر جماعة الحوثي المتحالفة مع إيران على صنعاء وأجزاء من مناطق شمال غربي البلاد، حيث يقطن قسم كبير من السكان، منذ سبتمبر (أيلول) 2014.
تحرير العاصمة
وقال متحدث باسم القوات المشتركة لـ "اندبندنت عربية"، إن "عمليات اليوم أسفرت عن سقوط عدد من القتلى والجرحى في صفوف ميليشيات الحوثي، فيما لاذ عدد من القادة بالفرار تحت وقع ضربات العمليات العسكرية، إضافة إلى تدمير وإعطاب عدد من المعدات العسكرية التابعة للميليشيات".
تأتي هذه التطورات عقب إعلان العليمي انطلاق عملية "فجر اليمن"، لاستعادة مؤسسات الدولة وتحرير العاصمة صنعاء، وإنهاء انقلاب الميليشيات الحوثية الإرهابية.
وتواصل القوات اليمنية عمليات التمشيط وتأمين المواقع والمناطق المحررة، إضافة إلى قطع طرق الإمداد أمام ميليشيات الحوثي القادمة من المرتفعات الغربية لمحافظتي تعز والحديدة.