ملخص
تحول نزوح مئات آلاف اللبنانيين بسبب الحرب من تجربة موقتة إلى واقع طويل الأمد لكثيرين، فارضاً عليهم تحديات نفسية واجتماعية وثقافية، مع صعوبة العودة إلى مناطقهم المدمرة أو غير الآمنة. ورغم الضغوط وفقدان الإحساس بالانتماء، أسهم الاحتكاك بالمجتمعات المضيفة في نشوء تبادل ثقافي تدريجي، أعاد تشكيل بعض العادات والعلاقات الاجتماعية، كما حدث في محطات نزوح سابقة في تاريخ لبنان.
مع بداية الحرب الإسرائيلية على لبنان، نزح أكثر من مليون شخص من مناطقهم المستهدفة في جنوب لبنان وضاحية بيروت الجنوبية والبقاع. توجه قسم منهم إلى مراكز الإيواء، ومنهم من انتقلوا إلى منازل أقارب أو بيوت استأجروها في مختلف المناطق اللبنانية بانتظار عودتهم إلى منازلهم. ومنذ دخول وقف إطلاق النار مع إسرائيل حيز التنفيذ في 21 يونيو (حزيران) عاد أكثر من 640 ألف نازح إلى بيوتهم وقراهم، فيما لا يزال 500 ألف شخص من النازحين بحسب منظمة الهجرة الدولية.
قسم من النازحين كان يترقب عودة لم تعد ممكنة ما حوّل النزوح الموقت إلى حالة دائمة بالنسبة لهم وقد لا تكون هناك عودة عندها، إذ عاد قسم من النازحين إلى بيوتهم في وقت من الأوقات، لكن كثيرين منهم مرغمون على البقاء بعيداً من ديارهم، من هؤلاء مَن انتقلوا إلى مناطق قريبة من بلداتهم، ومنهم اختاروا مناطق بعيدة وبيئات مختلفة عن بيئاتهم الأصلية، ولأهلها عادات قد تختلف عن عاداتهم، وقد أرغمتهم الظروف على ذلك، هذه الظروف تفرض عليهم تفاعلاً ثقافياً واجتماعياً إلى جانب تحديات كثيرة يمرون بها.
ضغوط نفسية وتحديات
يقدّر عدد البلدات الجنوبية التي لا يزال سكانها غير قادرين على العودة إليها وهي ضمن نطاق القيود و"المنطقة الصفراء"، بما لا يقل عن 70 بلدة. بسبب الدمار الشامل والتهديدات المستمرة والأخطار المرتبطة بالعودة، لا يمكن لأهالي هذه البلدات العودة إليها، على الأقل في المستقبل القريب، ما يفرض عليهم الاستمرار بالعيش في بيئات مختلفة عن بيئاتهم الأصلية، ووسط عادات تختلف عن عاداتهم، فظروف النزوح القسري اقتلعتهم من بيئاتهم المألوفة ووضعتهم أمام تحديات كثيرة وفرضت عليهم الاندماج اجتماعياً وثقافياً، وسط عادات وثقافات جديدة عليهم تفرضها هذه البيئات المختلفة التي تستضيفهم>
وما بين غربة المكان الجديد حيث يتواجدون، وما يخلقه ذلك من توتر في نفوسهم، وبين اختلاف العادات في مناطق جغرافية جديدة فرضت عليهم أسلوب حياة جديدة، وحتى اللهجة والمأكولات والتقاليد المختلفة، تكثر التحديات التي يواجهونها ما يتطلب منهم وقتاً للاندماج. وهذا ما يعيد إلى الأذهان التبادل الثقافي الذي حصل عبر التاريخ في لبنان وقد انتقلت فيه عادات بأكملها، مأكولات وأطباق، وحتى أساليب خياطة وفنون وغيرها.
"تعلمنا عادات بعضنا"
يقول حسن (42 عاماً) من بلدة يارون الجنوبية، والذي يقيم منذ أشهر في مدينة زغرتا شمال لبنان "في البداية شعرنا أننا غرباء، حتى طريقة إلقاء التحية كانت مختلفة. كنا نستغرب أن الجيران يطرقون الباب حاملين صينية حلوى أو يدعوننا إلى القهوة من دون مناسبة. مع الوقت أصبحت زوجتي تعدّ أكلات كانت تراها غريبة علينا، مثل المكمورة الزغرتاوية، فيما طلبت منا جارتنا أن نعلمها طريقة إعداد المجدرة الجنوبية والكبة بالصينية كما نصنعها في يارون. اليوم أولادي يتكلمون كلمات شمالية لم نكن نعرفها، وصاروا يلعبون مع أولاد الحي كأنهم يعرفونهم منذ سنوات. لا أحد اختار هذه الظروف، لكنها صنعت علاقة لم تكن لتوجد لولا النزوح".
بدورها تقول سمر، وهي ربة أسرة ثلاثينية انتقلت من بلدة عيتا الشعب قبل نحو سنتين للإقامة في منزل يقع في منطقة المتن الشمالي حيث لهم معارف وأقارب، "عندما وصلت إلى البلدة هنا كنت أشعر أنني غريبة عن كل شيء، حتى طريقة الناس في الحديث والتعامل كانت مختلفة عما اعتدناه في الجنوب. بعد أشهر بدأت أعمل في متجر صغير، وهناك تعرفت إلى نساء من المنطقة. صرن يسألنني عن الأكلات الجنوبية وكيف نعدّ المونة وزيت الزيتون، وفي المقابل تعلّمت منهن وصفات لم أكن أعرفها وعادات مرتبطة بالأعياد والمناسبات. حتى لهجتي تغيّرت قليلاً، وصرت أستخدم كلمات لم أكن أقولها سابقاً. اليوم ما زلت أشتاق إلى بلدتي، لكنني اكتشفت أن الاختلاف لا يمنع التقارب، بل قد يكون بداية لصداقة وحياة جديدة".
ماذا يقول علم النفس؟
بحسب الاختصاصية في المعالجة النفسية لانا قصقص "لا يقتصر التغيير على المكان بل يكون التغيير على المستوى الاجتماعي والثقافي والاقتصادي، إضافة إلى تغيير ظروف العمل، ما يضع على كاهل العائلات متطلبات كثيرة لإعادة التكيف مع الوضع الجديد، كذلك تغيير العادات في البيئة المضيفة وحتى اللهجات وأساليب التواصل، وأبسط الأمور المرتبطة بالحياة بدءاً من طريقة إلقاء التحية التي قد تختلف بين منطقة وأخرى أو بيئة وأخرى، حتى أن كلمات التواصل قد تختلف بين بيئة وأخرى ما يؤكد الحاجة إلى إعادة التكيف من المجتمعين معاً.
ويحصل تغيير عندها في العلاقات الاجتماعية أيضاً، وتبرز الحاجة إلى بناء شبكة دعم جديدة بديلة. حتى أن الأدوار الأسرية والمسؤوليات تتبدل في حركة النزوح، خصوصاً إذا حصل النزوح من دون رجل أو في حال فقدان أحد أفراد العائلة، فيؤثر ذلك على طبيعة ومستوى الأدوار في الأسرة، يضاف إلى ذلك أن كل إنسان ينتمي إلى المكان الذي هو فيه، وفقدان الانتماء هو فقدان للهوية وتكون هناك صعوبة كبرى للانتماء إلى مجتمع جديد مختلف، مع ما يرافق ذلك من إحساس بالغربة في بقعة جغرافية مختلفة ولو داخل الوطن".
تجربة وجودية فيها فقدان للمكان والهوية
تابعت قصقص "هناك صعوبات إضافية على المستوى النفسي بفقدان المنزل والمنطقة التي ينتمي إليها الإنسان، وهي حالة لا يعيشها الفرد بشكل عابر، بل بحداد وخسارة كبرى لها آثار نفسية متعددة، ويكون عندها حزن معقد بسبب الحزن على الذكريات، وأغراض البيت، والجيران، والبلدة وعلى أمور كثيرة أخرى، والأصعب أن هذا الفقدان لا يعطى له الوقت الكافي لتخطيه، وهو يترافق مع شعور بانعدام الأمان والاستقرار وقلق مما قد يحصل في المستقبل، وقد تتطور الأمور إلى اضطراب ما بعد الصدمة بسبب الصدمات المتعددة لفقدان المنزل وخسارة الأرض وعدم القدرة على الرجوع، كذلك يمكن أن تتطور أعراض اكتئاب بسبب الشعور بالعجز وعدم الانتماء، والإرهاق النفسي والجسدي، وبسبب الإحساس بالحنين إلى المكان الذي ينتمي إليه الفرد".
في الوقت نفسه، تؤكد قصقص أنه لا يعتبر النزوح مجرد انتقال من مكان إلى آخر أو انتقال جغرافي بل هو عبارة عن تجربة وجودية فيها فقدان للمكان والهوية وشبكات الدعم وفيها مواجهة لتحديات نفسية واجتماعية كبرى، وإن كانت تؤدي إلى عملية انتماء واكتساب لبيئة ثقافية جديدة عبر مسار التكيف المستمر، للمدى البعيد، حتى أنه يمكن كسب أنماط اجتماعية جديدة وقيم وعادات مختلفة تسهم في إعادة تكوين للإحساس بالانتماء بما يؤثر في جودة الحياة سلباً أو إيجاباً بحسب طريقة تعاطي الفرد مع الموضوع.
تبادل ثقافي تاريخي
في تاريخه، عرف لبنان حركات نزوح عديدة، وشهد فيها على تبادل ثقافي لافت بين المناطق مع انتقال الثقافات والعادات من مجموعات إلى أخرى.
وبحسب الراوية المتخصصة في التراث الثقافي الحي أمنية مكي "قديماً بدأت العادات والثقافات تنتقل بين الدول، مع البحارة ومَن كانوا يتنقلون على الجمال من مكان إلى آخر. في الأزمنة القديمة، ساد مبدأ المقايضة لأن العملات النقدية لم تكن متوافرة بعد، فكان هناك تبادل لأغراض أو أراضٍ أو موادّ وبدأ عندها التبادل ونقل الثقافات. في حركات النزوح القديمة التي سجّل فيها انتقال أهل الشمال إلى الجنوب في أيام المماليك، كان هناك انتقال لثقافات وعادات. ومن تلك التي تم نقلها آنذاك مثلاً أطباق شعبية منها (الكبة النيئة، وهو كناية عن طبق من اللحم النيء والبرغل، عام 1283، مع هروب المسيحيين من سوريا ووصولهم إلى منطقة حدث الجبة في شمال لبنان، وليتمكنوا من الصمود في المغاور من دون إشعال النار، كانوا يمزجون اللحم مع البرغل، وبهذه الطريقة ظهر طبق الكبة النيئة اللبناني الشهير. وفي مرحلة لاحقة تبناه أهل الجنوب وطبعوه بأسلوبهم الخاص وأضافوا إليه مكونات خاصة ومنكهات".
أضافت مكي "أيضاً في النزوح الذي حصل من الشمال إلى الجنوب في تلك الحقبة وأثناء المعارك، انتقلت الكبة المشوية إلى بلدة جزين الجنوبية وحوّلها أهل البلدة إلى كبة جزينية. وقد أتت أولاً الكبة المشوية من حلب في سوريا إلى شمال لبنان وأضيفت إليها اللحوم والدهن، كذلك أضيفت إليها اللبنة (مشتقات اللبن) في جزين وأصبحت من أطباق المنطقة الشهيرة. تعتبر طريقة الأكل أول الموروثات التي تنتقل في ظروف مماثلة. وفي حركات النزوح الماضية، وعندما بدأت الطائفة الشيعية تنتشر وتختلط بالمسيحيين واستقرت في جبل البشارات (جنوب) المسيحي حيث بدأ نشر التعاليم المسيحية الذي أصبح اليوم جبل عامل، بدأ هذا التبادل. وكانت البداية مع طبق الهريسة الذي كان يرتبط لدى المسيحيين بمريم العذراء، فيما ارتبط لدى الطائفة الشيعية بالسيدة زينب. كذلك انتقل طبق المفتقة من بيروت حيث وجِد أولاً في صيدا وطرابلس".
في حقبات النزوح الآمن يحصل التبادل وتكون هناك جاهزية لذلك مع الانخراط في عادات الآخرين، بعكس ما يحصل في الحرب. أما بالنسبة لما حصل في النزوح في الحرب على لبنان، فلم يكن النزوح آمناً ورافقه كثير من الضغوط، وقد حاول النازح قدر الإمكان أن يخفي هويته لاعتقاده أن هويته هذه قد تعرضه للخطر، بدلاً من أن يتمسك بها، وحاول أن يعتمد هوية مشابهة لتلك التي في المكان الذي نزح إليه، وبسبب الظروف التي رافقت الحرب الحالية، اختلفت طريقة التبادل الثقافي في النزوح. وأشارت مكي إلى أنه حتى مراسم عاشوراء في هذا العام كانت خجولة جداً في الممارسة واقتصرت على المناطق التي نزح منها أهلها وقد تمكنوا من العودة إليها في تلك الفترة، "علماً أن هذه الشعائر ترتبط دوماً بالطعام وبأطباق معينة، ما يؤكد أن التبادل الثقافي كان صعباً جداً في هذه الحرب لأن النازحين كانوا يخشون إظهار ثقافتهم، كما تجري العادة في حركات النزوح التي سجلت في تاريخ لبنان، سواء من النواحي الدينية أو الموسيقية أو لجهة الطعام أو نمط الحياة أو المظهر أو غيرها نظراً للهجوم الذي حصل. ارتبطت المظاهر مع النزوح بالماديات ما سبب تنافراً ورفضاً للتبادل الثقافي والانغلاق، مع ما يمكن أن تكون لذلك من نتائج".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وتوقعت مكي أن تولد مجتمعات جديدة بسبب النزوح المستمر منذ ثلاث سنوات في لبنان، تختلف عن تلك الموجودة قائلة أيضاً "أتوقع أن يشهد لبنان ولادة جديدة من الثقافات، وسيكون هناك تجذر أكبر لأهل الشمال بهويتهم وثقافتهم وسط تركيز على ما يميزهم من موروثات، فيما سيعمل أهل الجنوب على الاختلاط بالآخرين ليثبتوا أنهم متشابهون معهم".
إلى جانب الطعام الذي يعتبر من الموروثات الأساسية التي يحصل تبادل فيها في حركات النزوح، غالباً ما يحصل التبادل في الفنون أيضاً. فبحسب مكي "في الحرب نزح كثير من الفنون الجنوبية لتجد ملجأ لها في بيروت. إلا أن الفن الجنوبي كان مجانياً وكانت هناك عروض تقام مجاناً، عروض مسرحية ومساحات للحكايات والأنشطة والصالونات الشعرية، وهذا ما كان ينقص في العاصمة، فاستطاع الجنوبيون أن يعيدوا هذه الثقافة المجانية لينشروها على نطاق أوسع".
من موقت إلى نزوح دائم
بطبيعة الحال، التحديات تزيد عندما تطول مدة النزوح ويتحول إلى حالة دائمة، وكما أن التبادل الثقافي لا يحصل من الأسابيع الأولى، كذلك تظهر التحديات ويحصل الانخراط المجتمعي بعد أشهر وسنوات من بداية النزوح. وبحسب الباحث والخبير المتخصص في علم الديمغرافيا وعلم الاجتماع شوقي عطيه "عندما يحصل النزوح، بغض النظر ما إذا كان الانتقال إلى بيئة مشابهة للبيئة الأصلية أو ما إذا كان نحو بيئة مختلفة، يبقى نزوحاً. وهذا الانتقال السريع والمفاجئ لمجموعات بسبب ظروف الحرب، يُحدِث صدمة اجتماعية تكون أشد وطأة ويكون أثرها أكبر عندما تكون البيئة مختلفة، أما عندما تكون هناك عناصر مشتركة مع البيئة المضيفة تكون الصدمة أخف وطأة، ويحصل التفاعل بمعدلات أكبر. وعندما تطول مدة الاستقرار في مكان معين مع النزوح، يبدأ التفاعل، خصوصاً عندما يحصل هذا الاستقرار في أحياء سكنية بين الناس وليس في أماكن خاصة لاستقبال النازحين".
أضاف عطيه "قد لا يحصل التفاعل في الأسابيع أو الأشهر الأولى، لكن مع بداية الاستقرار في البيئة التي تستقبل النازحين، وعندما تتخطى المدة أشهراً يبدأ التفاعل بطيئاً قبل أن يتسارع ويزيد حدة. ويحصل التفاعل عادة من البيئة المضيفة أي أن النازح هو من يأخذ من عادات وتقاليد وثقافة البيئة المضيفة كونه المنتقل إليها وهو الغريب عنها. ومع طول مدة الاستقرار، تبدأ ممارسة الحياة بشكل طبيعي أكثر فأكثر، وتأخذ الأمور مجراها الطبيعي، ويستعيد النازح حياته الطبيعية بكل ما فيها من عادات وتقاليد، بعد أن يعتاد على المكان الذي هو فيه".
"في الفترة الأولى، يختلف التبادل الثقافي عما هو عليه بعد فترة أطول، فبعد أن يأخذ النازح من المضيف في الفترة الأولى، في المنحى الثاني بعد فترة أطول بمعدل سنوات ربما، يأخذ المضيف من النازح الذي انتقل للاستقرار في بيئته ويتأثر به، وفي كل مجتمع، لا بدّ من أن يحصل هذا التفاعل والتبادل إذ يأخذ المضيف من الضيف والعكس صحيح، وصولاً إلى المرحلة التي تقل فيها الاختلافات بينهما، وتزيد في المقابل النقاط المشتركة. وبقدر ما تكون الفوارق بين المضيف والضيف أقل في البداية وفي مختلف المراحل". وتابع عطيه "أن التفاعل يكون إيجابياً أكثر بعد، بحيث لا يكون الضيف منعزلاً على ذاته، ولا يكون المضيف رافضاً للآخر ولا يواجه الضيف ويحاربه، فيكون التفاعل تدريجياً وتسير الأمور بشكل إيجابي إلى أن تزيد النقاط المشتركة بين الضيف والمضيف ويتشابهان بعد فترة طويلة".
النزوح والهجرة الداخلية
يلفت عطيه إلى أن لبنان مبني تاريخياً على النزوح والهجرة الداخلية، فمن مئات السنوات كانت المناطق المختلفة تشهد حركة نزوح قوية ومتبادلة، "على سبيل المثال، كان الوجود الشيعي كبيراً جداً في مناطق كسروان وجبيل (جبل لبنان) لأسباب تاريخية وعسكرية، بخاصة عندما اضطر هؤلاء إلى مغادرة المناطق الساحلية وتوجهوا إلى المناطق الجردية، ما خلق تفاعلاً مع المناطق التي انتقلوا إليها. هذا ما حصل أيضاً في حركة انتقال الموارنة إلى جبل لبنان وتعايشهم في المناطق الدرزية. فمثل هذه الحركات تخلق نوعاً من التفاعل الذي يمكن أن يكون إيجابياً أو سلبياً، وصولاً إلى الاستقرار. مثال على ذلك أيضاً ما حصل في ضاحية بيروت الجنوبية التي لم تكن قبل الاجتياح الإسرائيلي عام 1978 بالشكل الذي هي عليه اليوم، علماً أن الضاحية تتبع بعبدا (جبل لبنان) إدارياً، ولكنها تعرف ضمن نطاق بيروت الكبرى".
حصلت صدمات سكانية في المناطق في ظروف النزوح وصولاً إلى مرحلة الاستقرار والتفاعل الإيجابي والطبيعي، بعد عقود على الاستقرار، ودائماً يحضر النازحون معهم عاداتهم وتقاليدهم التي تنتقل إلى البيئة الحاضنة مع التفاعل والتبادل اللذين يحصلان، وهذا ما يحصل في مختلف أنحاء العالم التي تحصل فيها هذه الحركات حيث ينتقل الناس إلى بيئات مختلفة ما يولّد تفاعلاً.