ملخص
يتمثل أحد أبرز التحديات في تقييم الخسائر الصناعية في اختلاف أساليب احتسابها، فبعض التقارير يقتصر على حساب كلفة إعادة بناء المنشآت المتضررة، في حين تشمل تقديرات أخرى، إلى جانب الأضرار المادية، تراجع الإنتاج، وانخفاض الصادرات، وضياع فرص الاستثمار، والبطالة، واضطراب سلاسل الإمداد، والتكاليف الناجمة عن تأخر تنفيذ المشاريع التنموية. ولهذا السبب، تختلف الأرقام المنشورة خلال الأشهر الأخيرة اختلافاً ملاحظاً في ما بينها.
لم تقتصر الغارات الجوية التي استهدفت المنشآت الصناعية في إيران على تدمير عدد من المصانع أو التسبب في توقف موقت لخطوط الإنتاج، إذ تظهر مراجعة التقارير الرسمية، وتقديرات وسائل الإعلام الاقتصادية، والتحليلات الدولية، أن نطاق الخسائر امتد من صناعات الصلب والبتروكيماويات إلى قطاع الأدوية، والمدن الصناعية، والصناعات الصغيرة، وسلاسل الإمداد في إيران.
ويرى كثير من الاقتصاديين أن الكلفة الحقيقية للحرب ستتجاوز بكثير قيمة المباني والمعدات المدمرة، وأن جانباً مهماً من هذه الكلفة سيتكشف خلال الأعوام المقبلة، في صورة توقف الإنتاج، وتراجع الصادرات، وخسارة الأسواق، وارتفاع في تكاليف الاستثمار.
وفي مايو (أيار) ويونيو (حزيران) الماضيين، أعلن أن التقديرات الفنية للخسائر المباشرة وغير المباشرة الناجمة عن الحرب في ثلاثة قطاعات رئيسة، هي حقل بارس الجنوبي، والصناعات البتروكيماوية، ومجمع مباركة للصلب، تراوحت في مجموعها بين 90 و105 مليارات دولار، وهو رقم لا يزال غير قادر على الإحاطة بالحجم الفعلي للخسائر.
ويشير محللون إلى أن الأضرار غير المباشرة الناجمة عن توقف هذه الصناعات، وانعكاساتها على القطاعات المرتبطة بها، سترفع مستوى الضرر الذي لحق بالاقتصاد الإيراني إلى مستويات أعلى بكثير.
ووفقاً لهذه التقديرات، تبلغ قيمة الخسائر المباشرة الناجمة عن فوات المنفعة خلال ثلاثة أعوام في حقل بارس الجنوبي، نتيجة انخفاض الإنتاج اليومي بمقدار 200 مليون متر مكعب من الغاز و150 ألف برميل من مكثفات الغاز، ما بين 55 و60 مليار دولار.
ولا تشمل هذه التقديرات التداعيات الجانبية، مثل نقص المواد الأولية اللازمة للصناعات، وتراجع إنتاج الكهرباء، وانخفاض الصادرات، كما تشير التقديرات الأولية إلى أن المرحلة الأولى من إعادة الإعمار ستكلف ما لا يقل عن 7 إلى 9 مليارات دولار.
أما بالنسبة إلى مجمع مباركة للصلب في أصفهان، فتقدر الخسائر المباشرة والمتسلسلة، استناداً إلى طاقة إنتاجية تبلغ 7.5 مليون طن ومتوسط سعر عالمي يبلغ 600 دولار للطن الواحد من الصلب، بما يتراوح بين 15 و20 مليار دولار. وتشمل هذه الخسائر الصناعات التحويلية، والصادرات، والسوق المحلية، فيما تقدر كلفة إعادة الإعمار الأولية بنحو ملياري دولار إلى 2.5 مليار دولار.
وفي ما يتعلق بالصناعات البتروكيماوية، يرى بعض المحللين أن الخسائر الناجمة عن فوات المنفعة خلال عامين، نتيجة تراجع الصادرات والإيرادات بالعملات الأجنبية بسبب الأضرار التي لحقت بمرافق الخدمات، والخزانات، والأرصفة، وشبكات النقل، تتراوح بين 20 و25 مليار دولار. كما قدرت كلفة إعادة الإعمار الأولية بما بين 2.5 مليار و3 مليارات دولار.
غير أن محللين آخرين يرون أن هذا الرقم لا يصلح إلا بوصفه أساساً أولياً لتقدير كلفة إعادة الإعمار، ويعتقدون أن الكلفة الحقيقية ستكون أعلى بكثير.
وحتى بالاستناد إلى هذه التقديرات الإحصائية، فإن مجموع الخسائر الناجمة عن فوات المنفعة واضطراب سلاسل الإنتاج يصل إلى ما بين 90 و105 مليارات دولار، فيما تتراوح الكلفة الإجمالية المباشرة لإعادة الإعمار، بافتراض توافر المعدات والخدمات بصورة طبيعية، بين 11.5 و14.5 مليار دولار.
ويتمثل أحد أبرز التحديات في تقييم الخسائر الصناعية في اختلاف أساليب احتسابها، فبعض التقارير يقتصر على حساب كلفة إعادة بناء المنشآت المتضررة، في حين تشمل تقديرات أخرى، إلى جانب الأضرار المادية، تراجع الإنتاج، وانخفاض الصادرات، وضياع فرص الاستثمار، والبطالة، واضطراب سلاسل الإمداد، والتكاليف الناجمة عن تأخر تنفيذ المشاريع التنموية. ولهذا السبب، تختلف الأرقام المنشورة خلال الأشهر الأخيرة اختلافاً ملاحظاً في ما بينها.
وفي أحد التقديرات المنشورة، قدر المتحدث باسم الحكومة إجمالي الخسائر الناجمة عن الحرب بنحو 270 مليار دولار، وهو رقم يشمل، إلى جانب الأضرار المباشرة، الآثار الاقتصادية الواسعة التي خلفها النزاع.
في المقابل، قدرت بعض التقارير الاقتصادية، استناداً إلى التقييمات الأولية لوزارة الاقتصاد، حجم الأضرار المباشرة التي لحقت بالبنية التحتية والأصول المدنية بنحو 9 مليارات دولار. ويرى خبراء أن هذين الرقمين يقيسان في الواقع مفهومين مختلفين، ولا ينبغي مقارنتهما مباشرة، إذ يعكس الأول الكلفة الإجمالية الاقتصادية للحرب، بينما يمثل الثاني تقديراً لكلفة إعادة إعمار الأصول والمنشآت المتضررة.
ويؤكد اقتصاديون أن الخسائر الكبرى في الحروب الحديثة غالباً ما تتكشف بعد توقف العمليات العسكرية، ففي مثل هذه الظروف، قد يعجز مصنع لم يتضرر سوى جزء من معداته عن استئناف نشاطه الكامل لأشهر، بسبب نقص قطع الغيار، وانقطاع الكهرباء، واضطراب عمليات النقل، وصعوبات تأمين المواد الأولية، أو فقدان أسواق التصدير. لذلك، قد تتجاوز خسائر توقف الإنتاج واضطراب سلاسل الإمداد في كثير من الأحيان قيمة المعدات التي تعرضت للتدمير.
كما تظهر مراجعة أوضاع القطاعات الصناعية المتضررة أن نطاق الخسائر لم يقتصر على قطاع الطاقة، بل امتد إلى صناعات الصلب، والبتروكيماويات، والأدوية، والصناعات الغذائية، والمعدات الطبية، والمستودعات اللوجستية، والمدن الصناعية، إضافة إلى مئات المنشآت الصغيرة والمتوسطة في محافظات مختلفة، التي تعرضت لأضرار متفاوتة.
وتؤدي نسبة كبيرة من هذه المنشآت دوراً أساسياً في توفير قطع الغيار أو المواد الأولية للصناعات الكبرى في البلاد، مما يجعل توقفها عن العمل ينعكس بصورة متسلسلة على قطاعات أخرى من الاقتصاد الإيراني.
ضربة لأحد أهم محركات الاقتصاد غير النفطي في إيران
إذا كان قطاع النفط يمثل المصدر الرئيس للإيرادات بالعملة الأجنبية في إيران، فإن صناعة الصلب تعد إحدى الركائز الأساسية للاقتصاد غير النفطي. وخلال السنوات الأخيرة، احتلت إيران مكانة بين أكبر 10 منتجين للصلب الخام في العالم، بإنتاج سنوي تجاوز 30 مليون طن، فيما استحوذ مجمعا مباركة للصلب في أصفهان وفولاذ الأحواز على حصة كبيرة من الإنتاج والصادرات، فضلاً عن توفير المواد الأولية للصناعات التحويلية.
ومن هذا المنطلق، فإن استهداف هذين المجمعين لا يقتصر على كونه خسارة صناعية، بل يمتد تأثيره إلى الصادرات، وسوق العمل، وقطاع البناء، وصناعات السيارات، والأجهزة المنزلية، فضلاً عن الإيرادات بالعملة الأجنبية.
وتشير التقارير إلى أن مجمعي مباركة للصلب في أصفهان وفولاذ الأحواز كانا من أبرز الأهداف الصناعية خلال الهجمات، وينتج مجمع مباركة وحده أكثر من 7 ملايين طن من الصلب سنوياً، ويعد أكبر منتج للصفائح الفولاذية في إيران. كما يلبي احتياجات قطاعات السيارات، والأجهزة المنزلية، والنفط، والغاز، والبتروكيماويات، ومواد البناء، فضلاً عن كونه أحد أبرز المصدرين غير النفطيين في البلاد.
ووفقاً للتقارير المنشورة، حقق المجمع عائدات تصديرية بلغت نحو 860 مليون دولار خلال الفترة الممتدة بين مارس (آذار) 2025 ويناير (كانون الثاني) 2026، مما يعني أن أي تراجع في طاقته الإنتاجية سينعكس مباشرة على الإيرادات الإيرانية من النقد الأجنبي.
ويرى الاقتصادي حسن منصور أن الخسائر المباشرة الناجمة عن هذه الهجمات قد تتراوح بين 5 و6 مليارات دولار، لكنه يؤكد أن الأضرار التي ستلحق بالاقتصاد الوطني ستكون أكبر بكثير، نظراً إلى امتداد آثارها إلى قطاع البناء، والإنتاج الصناعي، وطيف واسع من الصناعات التحويلية المرتبطة بقطاع الصلب.
ويذهب عدد من محللي صناعة الصلب إلى أن الخطر الأكبر لا يتمثل بالضرورة في تدمير الأفران، بل في تعطل البنية التحتية للكهرباء والغاز وأنظمة التحكم. فإنتاج الصلب يعتمد بصورة كبيرة على استقرار إمدادات الكهرباء، ولذلك فإن تعرض محطة كهرباء أو محطة فرعية مخصصة للمصنع لأضرار قد يؤدي إلى توقف الإنتاج بالكامل لأسابيع أو حتى أشهر، حتى وإن بقيت خطوط الدرفلة والصهر سليمة.
ولهذا السبب، لا تقتصر كلفة إعادة الإعمار على شراء المعدات الجديدة، بل تشمل أيضاً إعادة تأهيل شبكات الطاقة، وأنظمة التحكم، والبنية التحتية الخاصة بنقل الكهرباء والخدمات المساندة.
وفي ما يتعلق بالمدة اللازمة لإعادة تشغيل المنشآت، تختلف التقديرات بين الجهات المختصة. فقد أعلن معاون التشغيل في شركة فولاذ الأحواز أن إعادة تشغيل الوحدات المتضررة بالكامل، في ضوء الأضرار التي لحقت بوحدات الإنتاج وأفران صناعة الصلب، ستستغرق ما بين ستة أشهر وعام.
غير أن خبراء مستقلين يؤكدون أن هذه التقديرات تفترض توافر قطع الغيار والمعدات والتمويل من دون عوائق، في حين قد تؤدي العقوبات وصعوبة استيراد المعدات المتخصصة إلى إطالة أمد عمليات إعادة الإعمار.
وتشير دراسة صادرة عن مؤسسة "إيران أوبن داتا" (Iran Open Data) إلى أن مجمعي مباركة للصلب وفولاذ الأحواز كانا ينتجان مجتمعين نحو نصف إنتاج إيران من الصلب. وتحذر الدراسة من أن استمرار تعطل هذين المجمعين قد يؤدي إلى نقص في المعروض داخل السوق المحلية، وتراجع ملاحظ في الإيرادات بالعملة الأجنبية.
كما قدرت الدراسة مساهمة صناعة الصلب بنحو خمسة في المئة من الناتج المحلي الإجمالي لإيران، فيما يوفر هذا القطاع أكثر من 1.2 مليون فرصة عمل بصورة مباشرة وغير مباشرة.
ويرى كثير من الخبراء أن أخطر تداعيات استهداف صناعة الصلب لا تكمن في الانخفاض الموقت للإنتاج، بل في إضعاف إحدى الصناعات التصديرية القليلة التي تمكنت، على رغم العقوبات، من ترسيخ حضورها في الأسواق الإقليمية على مدى العقدين الماضيين.
ويحذر هؤلاء من أنه إذا واجهت عمليات إعادة الإعمار نقصاً في التمويل، أو استمرار القيود على استيراد المعدات، أو هجرة الكفاءات والخبرات الفنية، فقد تخسر إيران جزءاً من أسواقها التصديرية لمصلحة منافسين مثل تركيا وروسيا والصين ودول الخليج العربي، وهي أسواق قد يكون استعادتها أمراً بالغ الصعوبة حتى بعد اكتمال إعادة الإعمار.
البتروكيماويات... استهداف البنية التحتية المشتركة
تعد صناعة البتروكيماويات أحد أهم مصادر الصادرات غير النفطية في إيران، فضلاً عن كونها المزود الرئيس للمواد الأولية لعشرات القطاعات الصناعية. ولم تقتصر الهجمات التي استهدفت منشآت البتروكيماويات في معشور، وبندر الإمام، وعسلوية على إلحاق أضرار مباشرة ببعض المجمعات، بل طاولت أيضاً البنية التحتية المشتركة والخدمات المساندة، بما في ذلك مرافق إنتاج الكهرباء والبخار، وشبكات المياه الصناعية، وخطوط نقل المواد الأولية، ومنظومات الطوارئ.
وتكمن أهمية هذه البنية التحتية في أن تعرض إحدى الوحدات الخدمية لأضرار قد يؤدي إلى توقف أو تقييد عمل عدد من المجمعات المجاورة، حتى وإن لم تكن خطوط إنتاجها الرئيسة قد تعرضت للاستهداف المباشر.
وتشير التقارير الرسمية إلى أن المرافق الخدمية التابعة لصناعة البتروكيماويات في منطقة معشور تعرضت لهجمات في الرابع من أبريل (نيسان) 2026، فيما استهدفت منشآت مماثلة في منطقة عسلوية في السادس من أبريل، كما أعلن مسؤولون في الأحواز أن خمسة خطوط إنتاج أو مجمعات بتروكيماوية في منطقة معشور تعرضت لأضرار. وفي تقارير منفصلة، أعلن أيضاً تعرض شركتي بتروكيماويات كارون وبتروكيماويات أمير كبير لأضرار، إلى جانب إصابة عدد من الوحدات الأخرى في المنطقة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ومن أبرز التقديرات المالية التي أعلنت في شأن كلفة إعادة الإعمار، ما كشف عنه محمد شريعتمداري، الرئيس التنفيذي لـ"مجموعة الخليج الفارسي القابضة"، إذ أكد أن إعادة تأهيل وتحديث الوحدات المتضررة من الحرب التي استمرت 40 يوماً تتطلب استثمارات تتراوح بين 5 و7 مليارات دولار.
ولا يقتصر هذا التقدير على إصلاح الأضرار الظاهرة، بل يشمل أيضاً تحديث المنشآت، واستبدال بعض المعدات، والاستفادة من قدرات الشركات المعرفية المحلية. ولذلك، ينبغي النظر إلى هذا الرقم باعتباره الكلفة الإجمالية لبرنامج واسع لإعادة الإعمار والتحديث، وليس قيمة المعدات التي دمرت خلال الهجمات فحسب.
وسارت عملية إعادة تأهيل قطاع البتروكيماويات على مستويين، تمثل الأول في إعادة المجمعات التي لم تتعرض لأضرار مباشرة، لكنها توقفت بسبب انقطاع الخدمات أو المواد الأولية أو لأسباب تتعلق بإجراءات السلامة، إلى دائرة الإنتاج تدريجاً. أما المستوى الثاني، فشمل إزالة الأنقاض، وتقييم الأضرار، وإعادة إعمار المنشآت التي تعرضت للقصف بصورة مباشرة.
وفي هذا السياق، أعلن الرئيس التنفيذي للشركة الوطنية الإيرانية للصناعات البتروكيماوية أن الأولوية بعد الهجمات انصبت على تأمين احتياجات الصناعات المحلية، وتوفير المنتجات الأساسية للصناعات التحويلية.
ولا تقتصر تداعيات الأضرار التي لحقت بصناعة البتروكيماويات على النتائج المالية للشركات الكبرى، إذ تمثل منتجات هذا القطاع المواد الأولية لصناعات البلاستيك، والتغليف، والسيارات، والأجهزة المنزلية، والمنسوجات، والمنظفات، والدهانات، والأسمدة الكيماوية، والمعدات الطبية، ومواد تغليف الأدوية. ومن ثم، فإن أي تراجع في الإنتاج أو ارتفاع في تكاليف إعادة الإعمار قد يؤدي إلى نقص في المواد الأولية، وارتفاع أسعار المنتجات البوليمرية، وزيادة تكاليف الإنتاج في مئات المنشآت الصناعية التابعة.
ولهذا، فإن إعطاء الأولوية لتلبية احتياجات السوق المحلية يعكس محاولة للحد من انتقال آثار الأضرار التي لحقت بالصناعات الأساسية إلى مجمل شبكة الإنتاج في البلاد.
خسائر طاولت شبكة الإنتاج وسلاسل الإمداد
على خلاف قطاعي الصلب والبتروكيماويات، اللذين حظيا باهتمام واسع نظراً إلى أهميتهما الاقتصادية ودورهما التصديري، اكتسبت الأضرار التي لحقت بقطاع الأدوية والمدن الصناعية أهمية خاصة، ليس من حيث الخسائر المالية التي تكبدتها الشركات فحسب، بل أيضاً لما تنطوي عليه من تهديد لأمن الإمدادات الأساسية، وفرص العمل، واستمرارية نشاط المنشآت الصغيرة والمتوسطة.
وتشير التقارير الرسمية إلى أن الهجمات لم تقتصر على المصانع الكبرى، بل طاولت أيضاً مستودعات الأدوية، ومراكز التوزيع، وشركات المعدات الطبية، والمدن الصناعية، ومئات المنشآت الإنتاجية الصغيرة في محافظات مختلفة، وهو ما أسهم، بحسب خبراء، في إلحاق أضرار تراكمية بشبكة الإنتاج في البلاد.
وفي أول تقييم أجرته منظمة الغذاء والدواء الإيرانية، أعلن أن 24 منشأة تعمل في مجالات الأدوية، والمعدات الطبية، وسلاسل التوزيع، في محافظات طهران وأصفهان وهمدان وقم وقزوين والأحواز وبندر عباس، تعرضت لأضرار. كما أشار التقييم إلى مقتل عدد من العاملين في قطاع الأدوية، مؤكداً في الوقت ذاته أن المخزون الاستراتيجي والطاقة الإنتاجية للمصانع الأخرى حالا دون حدوث نقص واسع في الأدوية داخل البلاد.
ومع استكمال عمليات التقييم، أعلن مسؤولون في وزارة الصحة ومنظمة الغذاء والدواء أن نطاق الأضرار كان أوسع مما أشارت إليه التقديرات الأولية، وأن عدد الشركات والمراكز المتضررة في قطاعات الأدوية، والمعدات الطبية، والتوزيع ارتفع لاحقاً. ويعزى هذا التفاوت في الإحصاءات إلى أن جانباً من الأضرار لم يكن بالإمكان حصره في الأيام الأولى، كما أضيفت لاحقاً شركات توزيع ومستودعات ومنشآت مساندة إلى قائمة المتضررين.
ويرى خبراء في قطاع الأدوية أن حجم الخسائر لا ينبغي أن يقاس بعدد المصانع المتضررة فقط، إذ إن إعادة تشغيل أي خط لإنتاج الأدوية تتطلب تركيب المعدات، واعتماد عمليات الإنتاج، وإجراء اختبارات مراقبة الجودة، والحصول على موافقات منظمة الغذاء والدواء، وإتمام الفحوص الفنية المتخصصة. ولذلك، حتى إذا أعيد ترميم مبنى المصنع خلال بضعة أشهر، فإن استعادة مستويات الإنتاج التي كانت قائمة قبل الحرب قد تستغرق وقتاً أطول.
إلى جانب قطاع الأدوية، كانت المدن الصناعية من أكثر القطاعات تضرراً، فإلى جانب المنشآت الصناعية الكبرى التي حظيت بتغطية إعلامية واسعة، تعرضت مئات المنشآت الصغيرة والمتوسطة داخل المدن الصناعية في محافظات مختلفة لأضرار متفاوتة. وتوفر هذه المنشآت قطع الغيار، ومواد التغليف، والخدمات الهندسية، والمواد الأولية، والمعدات التي تعتمد عليها الصناعات الكبرى، مما يجعل توقفها عن العمل ينعكس بصورة متسلسلة على مجمل القطاع الإنتاجي.
وفي محافظة أصفهان، أعلنت السلطات المحلية أن أكثر من 1700 منشأة صناعية وتعدينية وحرفية تعرضت لأضرار بدرجات متفاوتة، وأن مئات المنشآت الواقعة داخل المدن الصناعية أصبحت بحاجة إلى أعمال صيانة أو إعادة إعمار.
وفي محافظة أذربيجان الشرقية، أفاد مسؤولون محليون بتضرر 240 منشأة إنتاجية وصناعية، كما تحدثت تقارير عن أضرار لحقت بمنشآت داخل المدن الصناعية، في محافظات الأحواز والبرز وطهران وباكدشت وكرمانشاه.
ويرى اقتصاديون أن أهمية المدن الصناعية تكمن في احتضانها آلاف المنشآت الصغيرة والمتوسطة، التي تمتلك في الغالب موارد مالية محدودة. وعلى خلاف الشركات الكبرى القادرة على الاعتماد على احتياطاتها المالية أو الحصول على تسهيلات مصرفية، فإن كثيراً من هذه المنشآت يواجه خطر الإغلاق الدائم إذا توقف الإنتاج فيها لأشهر عدة.
ومن هذا المنطلق، فإن الخسائر الحقيقية للحرب لا تقتصر على تدمير المباني والمنشآت، بل تشمل أيضاً فقدان رأس المال العامل، وارتفاع معدلات البطالة، واضطراب سلاسل الإمداد، وهي جميعها تمثل جزءاً أساسياً من الكلفة الاقتصادية للحرب.
وتخلص التقارير الرسمية والدولية إلى أن قطاعات الأدوية، والمعدات الطبية، والمدن الصناعية، وإن لم تتكبد خسائر رأسمالية بحجم تلك التي لحقت بقطاعي الصلب والبتروكيماويات، فإن دورها الحيوي في توفير فرص العمل، وضمان أمن الإمدادات، ودعم الصناعات الكبرى، جعلها تسهم بصورة ملموسة في تفاقم الخسائر التراكمية التي تكبدها الاقتصاد الإيراني.
ولهذا يرى الخبراء أن إعادة تأهيل هذه القطاعات لا ينبغي أن ينظر إليها بوصفها مجرد مشروع لإعادة الإعمار، بل باعتبارها برنامجاً متكاملاً لإحياء سلاسل الإنتاج، وتوفير التمويل اللازم للمنشآت الصغيرة والمتوسطة، ومنع خروجها النهائي من السوق.
نقلاً عن "اندبندنت فارسية"