ملخص
حرب الأمير هاري القضائية تحولت إلى مساءلة متأخرة لحقبة من الانفلات المهني في الصحافة البريطانية، بعد دفن الجزء الثاني من تحقيق ليفيسون الذي كان سيمنح القضاء صلاحيات الاستدعاء وكشف الأدلة وكسر ثقافة التسويات الصامتة. تنكشف خلف هذه المعركة منظومة تفادت الشفافية عبر تعويضات وتسويات ضخمة، واعترفت جزئياً بالاستعانة بمحققين خاصين، فيما بقيت أسئلة معلقة عن حذف رسائل وإتلاف أدلة، وسط ضغط سياسي متأخر لفتح تحقيق في احتمال عرقلة الشرطة.
أُهدر كثير من الحبر في محاولة فهم ما الذي يسعى إليه الأمير هاري من خلال هذه الدراما اللافتة على نحو هادئ التي تتكشف فصولها حالياً في القاعة 76 من محاكم العدل الملكية.
هل هي معركة انتقام أم بحث عن عدالة؟ شكوى شخصية أم رغبة في الكشف عن الحقيقة وتبرئة الذات؟ هل يسعى إلى رد اعتبار متأخر لما تعرضت له والدته على يد صحافة الفضائح، أم إلى حماية زوجته ميغان وطفليه من مواجهة القدر المرير نفسه؟
أياً كانت دوافعه، ومهما كانت حقيقة الاتهامات التي يكيلها إلى مجموعة "أسوشيتد نيوزبيبرز" Associated Newspapers، ثمة لمسة أقرب إلى البطولة المتهورة في إصراره العنيد على انتزاع قدر من المساءلة عن حقبة طويلة من الانفلات المهني في الصحافة البريطانية.
لكن خصومه متمرسون أيضاً في الثأر، ومثل دونالد ترمب، لا ينسون بسهولة.
وبطريقة ما، يقوم هاري بمفرده بما لم يسمح للجزء الثاني من تحقيق ليفيسون في شأن سلوك الصحافة وأخلاقياتها أن يقوم به. لقد أذل بالفعل بعض أكبر "الوحوش" في إمبراطوريتَي مردوخ و"ميرور". والآن يوجه أنظاره إلى عناوين "ميل" – وحجم الأخطار، مالياً وعلى مستوى السمعة، هائل.
هل تذكرون مات هانكوك، وزير الصحة ضئيل البنية النشيط الذي وجد نفسه غارقاً في مهمة مواجهة أكبر أزمة صحية عصفت بعصرنا؟ من المرجح أنكم نسيتم أنه شغل لفترة قصيرة منصب وزير الثقافة، وهناك قرر من دون إثارة أي ضجيج تأجيل الجزء الثاني من تحقيق ليفيسون الذي كان من المقرر أن يحقق في الانتهاكات الأوسع داخل منظومة الصحافة البريطانية.
واحتفل رؤساء التحرير وملاك الصحف بالقرار، وأظهروا تقديرهم لاحقاً بنشرهم مقاطع صورتها كاميرات المراقبة لهانكوك ومستشارته جينا كولادانجيلو وهما يتجاهلان بلا تحفظ قواعد التباعد الاجتماعي التي فرضها بنفسه في زمن جائحة كورونا. كانت هذه طريقتهم في التعبير عن امتنانهم له!
لكن هذا الاحتفال كان مبكراً. فصحيح أن السياسيين حسموا أمرهم بأنه ما من جدوى من استفزاز المؤسسة الصحافية، غير أن رجلين تعرضا لإذلال قاسٍ على الصفحات الأولى لم يقبلا بالسكوت - ولم يكُن من السهل ردعهما.
أحدهما كان ماكس موزلي، الرئيس السابق لـ"فورمولا 1" الذي نشرت صحيفة "نيوز أوف ذا وورلد" News of the World عام 2008 تفاصيل فاضحة عن حياته الجنسية على صفحتها الأولى. وبعد نحو عام، توفي ابنه ألكسندر في حادثة يشتبه في أنها جرعة زائدة. وموزلي - المؤثر والمصمم وفوق ذلك الثري - كرس ما بقي من حياته لقلب الطاولة على من لاحقوه، حتى وفاته عام 2021.
والثاني هو الأمير هاري.
ومن اللافت التفكير في ما إذا كان هذان "المنتقمان" سيظلان بهذا الإصرار لو انطلق الجزء الثاني من تحقيق ليفيسون كما كان مقرراً. كان ذلك التحقيق سيمنح القاضي صلاحيات واسعة للتحقيق، وطلب الكشف عن الأدلة وإصدار أوامر استدعاء، مع القدرة على إلزام الشهود الإدلاء بأقوالهم تحت القسم.
ومن المرجح أنهم كانوا سيتوصلون إلى النتيجة نفسها التي خلص إليها القاضي فانكورت خلال متابعة محاولة الأمير هاري لإثبات أن اختراق الهواتف كان شائعاً في صحف مجموعة "ميرور" كما كان في "نيوز أوف ذا وورلد". فقد وجد القاضي أن "هناك أدلة دامغة على أن رؤساء تحرير كل صحيفة كانوا على دراية تامة باستخدام [اختراق الهواتف] بصورة واسعة ومنهجية، وأنهم لم يترددوا في الاستفادة من نتائجه".
وكان ليفيسون سيواصل التحقيق في الأنشطة غير القانونية في صحيفة "ذا صن"، التابعة لمجموعة "نيوز أوف ذا وورلد" نفسها، إذ اضطر جميع المدعين المدنيين الذين تابعوا قضاياهم ضد "ذا صن" إلى التسوية مقابل تعويضات كبيرة، من دون أي كشف علني عما كان يجري داخل غرف الأخبار اليومية.
نجح الأمير هاري في انتزاع اعتذار "كامل وصريح" واعتراف بأن المحققين الخاصين العاملين لمصلحة صحيفة "ذا صن" تصرفوا بطريقة إجرامية. ومع ذلك، كانت مجموعة مردوخ مستعدة لدفع أكثر من مليار جنيه استرليني في صيغة كلف وتعويضات بدلاً من السماح بالكشف الكامل عن وقائع القضية أمام المحكمة.
وكان الجزء الثاني من تحقيق ليفيسون سيتقصى ما إذا كان جميع الشهود في التحقيق الأصلي صادقين (والحقيقة أنهم لم يكونوا كذلك)، وكان سيحاول بلا شك حل لغز حذف ملايين الرسائل الإلكترونية في صحف مردوخ تماماً في وقت بدأت الشرطة بالتحقيق.
ولا يزال هذا اللغز يؤرق رئيس الوزراء البريطاني السابق غوردون براون الذي أمضى 18 شهراً يضغط على قائد شرطة العاصمة لندن، مارك رولي، لفتح تحقيق في ما إذا كانت الشرطة تعرضت للعرقلة وما إذا جرى إتلاف أدلة. وشرطة العاصمة أخبرتني بأن المواد التي قدمها براون في نوفمبر (تشرين الثاني) من عام 2025 "قيد التقييم".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وكان الجزء الثاني من تحقيق ليفيسون سيوجه أيضاً نظرته الدقيقة والحازمة نحو مجموعة "أسوشيتد نيوزبيبرز" التي تأمل حالياً في الحصول على الموافقة لإضافة إصدارات "ذا تلغراف" إلى محفظتها الإعلامية. واعترفت "أسوشيتد نيوزبيبرز" باستخدام محققين خاصين، لكنها نفت بشدة أن يكونوا مكلفين أية أعمال غير قانونية.
ولم يكُن اللورد ليفيسون راضياً عن قرار هانكوك بإلغاء تحقيقه حين بدأ يقترب من جوهر القضية. وكتب في رسالة إلى هانكوك ووزيرة الداخلية آنذاك، آمبر راد، أن "المصلحة العامة تقتضي أن يُكشف عن حجم المخالفات علنياً، ولا سيما أن الصحافة نفسها كانت ستفعل ذلك أولاً لو حدث الأمر في أية مؤسسة أخرى".
وأضاف أنه واثق من أن "تحقيقاً مفصلاً ومستقلاً، يملك صلاحية إلزام الشهود الإدلاء بشهاداتهم، سيقدم أخيراً إجابة عن سؤال: ’من فعل ماذا وبحق من؟’".
ولو كان الضمير التحريري الجمعي صافياً، لما كان هناك ما يخشونه. لكنه لم يكُن كذلك. فلم تقبل المؤسسة الصحافية البريطانية بالخضوع لتحقيق ليفيسون الثاني، وبدلاً من ذلك اضطرت إلى مواجهة سلسلة من الدعاوى المدنية المحرجة، انتهت إلى هذه "الملحمة" القضائية الدائرة الآن في القاعة 76.
تجمّل الصحافة نفسها بألوان الدفاع عن الأخلاق والحقيقة، لكن السلوك الذي كشف عنه الأمير هاري ومطالبون آخرون خلال الأعوام الأخيرة أظهر في كثير من الأحيان أنها منهارة أخلاقياً وإجرامية وغير نزيهة.
وبغض النظر عن نتيجة قضية "أسوشيتد نيوزبيبرز" الحالية، فقد قدم الأمير هاري وحلفاؤه خدمة عامة مهمة - خدمة كان من المفترض نظرياً أن تتحملها الدولة. فالعالم بحاجة ماسة إلى شهود مهنيين وأمناء يراقبون السلطة ويحاسبونها. وللأسف، لم يظهر مسؤولو التحرير الشجاعة والانفتاح والصدق بما يكفي لمواجهة بعض إخفاقاتهم الجسيمة داخل مؤسساتهم.
© The Independent