Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

تركيا ولبنان... ماذا يريد كل منهما من الآخر؟

الرئيسان عون وسلام حريصان على سياسة "الحياد" وعلى أن العلاقات الإقليمية تمر عبر الدولة

تقول مصادر مقربة من الرئيس عون ورئيس الحكومة سلام إن الزيارات الرسمية والانفتاح على تركيا يندرجان ضمن خطة لبناء علاقات متوازنة مع دول المنطقة (اندبندنت عربية)

ملخص

في ظل التحولات الجيوسياسية التي تعيد رسم موازين القوى في الشرق الأوسط، برز تصريح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بأن الأمن القومي التركي يبدأ من بيروت وحلب ودمشق، مما أثار تساؤلات حول حقيقة الدور الذي تسعى أنقرة إلى أدائه في لبنان. 

في وقت يعاد فيه تكوين المنطقة، وتعمل كل دولة على تثبيت موقعها داخل التوازنات الجديدة خشية أن تتحول إلى ضحية لها، برز تصريح للرئيس التركي رجب طيب أردوغان وضع لبنان مباشرة داخل دائرة الأمن القومي التركي.

فحين أعلن أردوغان قبل فترة قصيرة أن أمن تركيا "لا يبدأ من هاتاي، بل من حلب ودمشق وبيروت"، لم يكن يتحدث فقط عن تضامن سياسي مع دول الجوار، بل كان يرسم نطاقاً جغرافياً واسعاً للمصالح الأمنية التركية، يمتد من الحدود الجنوبية لبلاده إلى قلب المشرق وشرق البحر المتوسط.

وجاء كلام أردوغان في سياق تحذيره من التطورات العسكرية والسياسية في سوريا ولبنان، ومن محاولات فرض وقائع جديدة في المنطقة. غير أن وضع بيروت إلى جانب حلب ودمشق أثار تساؤلات تتجاوز مضمون الخطاب نفسه: لماذا أصبحت العاصمة اللبنانية جزءاً من التصور الأمني التركي؟ وماذا تريد أنقرة من لبنان في المرحلة الجديدة؟ وهل تسعى إلى بناء شراكة مع الدولة اللبنانية، أم إلى توسيع نفوذها في المساحة التي خلفها تراجع المشروع الإيراني؟

هذه الأسئلة ازدادت حضوراً بعد زيارة رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام إلى إسطنبول يوم الجمعة الماضي، ولقائه أردوغان في قصر وحيد الدين خلال عشاء عمل رسمي. وأعلنت الرئاسة التركية أن اللقاء تناول العلاقات الثنائية والقضايا الإقليمية، فيما كانت دائرة الاتصال في الرئاسة التركية قد أوضحت قبل الزيارة أن البحث سيشمل دعم تركيا لوحدة لبنان وسيادته واستقراره. 

وبحسب معلومات سياسية ودبلوماسية متقاطعة، لا يمكن فصل الزيارة عن ثلاثة ملفات أساسية، وهي أمن سوريا وانعكاسه على لبنان، محاولة تركيا ضمان حضورها في ترتيبات شرق المتوسط الجديدة، والبحث في فرص التعاون الاقتصادي والطاقة وإعادة الإعمار.

 

تتجاوز العلاقات الثنائية

في الشكل، جاءت زيارة سلام في إطار الاتصالات الرسمية بين بيروت وأنقرة. إلا أن توقيتها أعطاها أبعاداً تتجاوز مسألة تطوير العلاقات الدبلوماسية التقليدية.

فلبنان يمر بمرحلة إعادة ترتيب علاقاته الخارجية، بالتوازي مع التطورات المتصلة بالجنوب، وإعادة بناء مؤسسات الدولة، والعلاقة الجديدة مع سوريا، والبحث عن دعم سياسي واقتصادي يساعده على الخروج من تداعيات الحروب والأزمات المتلاحقة.

أما تركيا، فتتعامل مع التحولات الجارية باعتبارها فرصة لإعادة تثبيت موقعها كلاعب مركزي في المشرق. وبخاصة أنها لا تريد أن تبقى خارج أي ترتيبات تتصل بمستقبل لبنان وسوريا أو بأمن شرق المتوسط، وخصوصاً في ظل اتساع التنافس الإقليمي على الممرات الاقتصادية وخطوط الطاقة ومناطق النفوذ.

وقد وضع الجانب اللبناني على طاولة المحادثات إمكان تطوير التعاون الاقتصادي والتجاري، والاستفادة من القدرات التركية في مجالات الإنشاءات والبنية التحتية والنقل والطاقة، إضافة إلى البحث في الدعم السياسي الذي يمكن أن تقدمه أنقرة للبنان في المرحلة المقبلة.

في المقابل، ركز الجانب التركي على أهمية استقرار لبنان، وضبط العلاقة اللبنانية–السورية، ومنع تحوله إلى مصدر اضطراب أمني لسوريا الجديدة أو إلى نقطة انطلاق لتحركات يمكن أن تؤثر في المصالح التركية.

 

العلاقات تمر عبر الدولة

تقول مصادر مقربة من رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام إن الزيارات الرسمية والانفتاح على تركيا يندرجان ضمن خطة لبناء علاقات متوازنة مع دول المنطقة عبر مؤسسات الدولة اللبنانية، وليس عبر الأحزاب أو الطوائف أو الزعامات المحلية.

وتوضح المصادر أن المقاربة التي يعمل عليها الرئيسان تقوم على منع قيام علاقات مباشرة بين دولة إقليمية وطرف لبناني يتولى تمثيل مصالحها داخل البلاد، بعدما أظهرت تجربة العقود الماضية خطورة تحول العلاقات الخارجية لبعض المكونات اللبنانية إلى ارتباطات سياسية وأمنية تتجاوز الدولة.

ناهيك عن أن لبنان يسعى إلى اعتماد سياسة خارجية متوازنة، تمهد لتحييده قدر الإمكان عن صراعات المحاور، بحيث تكون علاقاته مع تركيا وإيران والدول العربية وسائر القوى الإقليمية قائمة على أساس المصالح المشتركة بين الدول، وليس على أساس الاستثمار في الانقسامات الطائفية أو بناء شبكات نفوذ محلية.

ومن هذا المنطلق، تقول المصادر إن زيارة سلام هدفت إلى وضع أسس تعاون سياسي واقتصادي رسمي مع أنقرة، وإرساء اتفاقات يمكن متابعتها من خلال الحكومتين والمؤسسات المختصة، بعيداً من أي قنوات موازية.

وتضيف المصادر أن الرئاسة اللبنانية لا تقرأ تصريح أردوغان على أنه إعلان بأن لبنان دخل رسمياً ضمن مجال النفوذ التركي، لكنها تتعامل بجدية مع المضمون الأمني للكلام. فضعف الدولة اللبنانية وغياب الرقابة الفعلية على الحدود يسمحان باستخدام لبنان منصة لمصالح قوى إقليمية، سواء كانت منسجمة مع المصالح التركية أو معارضة لها.

وترى المصادر أن أحد التفسيرات الممكنة لعبارة أردوغان هو أن أنقرة لا تريد أن تصبح بيروت أو الأراضي اللبنانية نقطة تهديد لسوريا الجديدة، في ظل العلاقة الوثيقة بين تركيا والسلطات السورية بقيادة الرئيس أحمد الشرع.

أمن دمشق

منذ التحولات التي شهدتها دمشق، بات استقرار النظام السوري الجديد يشكل أولوية تركية مباشرة. وترى أنقرة أن أي انهيار أمني جديد في سوريا قد يعيد فتح ملف النزوح، ويمنح التنظيمات المسلحة والقوى الانفصالية فرصة لإعادة تنظيم صفوفها، وقد يسمح بعودة النفوذ الإيراني من بوابات غير مباشرة.

فيما تنظر تركيا إلى الحدود اللبنانية–السورية باعتبارها إحدى الثغرات المحتملة. فخلال الأعوام الماضية، استخدمت هذه الحدود لنقل السلاح والأموال والمقاتلين، ونشأت عبرها شبكات تهريب واسعة استفادت من ضعف مؤسسات الدولتين.

وفي هذا السياق، لا تريد أنقرة بقاء لبنان مساحة مفتوحة أمام إعادة تشكيل بنية عسكرية أو أمنية مرتبطة بإيران على الحدود الغربية لسوريا. وتخشى من أن تتحول مناطق لبنانية إلى مراكز دعم لقوى تناهض السلطات السورية الجديدة أو تعمل على زعزعة الاستقرار داخلها.

وتكتسب هذه المخاوف أهمية إضافية بعد اتفاق لبنان وسوريا في مطلع يوليو (تموز) الجاري على إنشاء لجنة عليا مشتركة لتطوير التعاون السياسي والاقتصادي والأمني، بما يشمل ملفات الطاقة والنقل والتجارة وأمن الحدود. 

وراثة إيران؟

على رغم الطابع الرسمي للزيارة، يخفي متابعون لبنانيون هواجسهم من احتمال أن تسعى تركيا إلى ملء جانب من الفراغ الناتج من تراجع النفوذ الإيراني.

وتستند هذه المخاوف إلى التاريخ اللبناني، فغالباً ما أدى ضعف الدولة إلى تحويل الطوائف والأحزاب إلى مداخل لنفوذ الدول الإقليمية. لكن يتوقف هؤلاء في الوقت عينه عند فروقات كبيرة بين أدوات المشروع الإيراني وأسلوب التحرك التركي. فإيران بنت نفوذها في لبنان من خلال تنظيم عقائدي مسلح، يملك بنية عسكرية وأمنية ومالية واجتماعية تتجاوز سلطة الدولة. أما تركيا، فتعتمد بصورة أساسية على العلاقات الاقتصادية والمساعدات والمؤسسات الثقافية والتعليمية والتعاون مع البلديات والجمعيات إضافة إلى التواصل السياسي.

وهذه النقطة تحديداً تفسر إصرار عون وسلام على تنظيم العلاقة مع تركيا عبر الدولة. فالمشكلة، لا تكمن في وجود علاقة قوية مع أنقرة، بل في تحول هذه العلاقة إلى ارتباط مباشر مع فئة لبنانية بعينها.

بينما اختبار النيات التركية لن يكون في التصريحات المتعلقة بسيادة لبنان، بل في طبيعة الاتفاقات التي ستنشأ، والجهات التي ستتولى تنفيذها، وما إذا كانت أنقرة ستتعامل مع الحكومة والمؤسسات الشرعية أو ستواصل بناء قنوات موازية مع القوى المحلية.

ترتيبات ما بعد إيران

في المقابل تنظر تركيا إلى المرحلة الحالية باعتبارها مرحلة إعادة توزيع للأدوار في المشرق، بعد تراجع قدرة إيران على إدارة شبكة نفوذها السابقة، وتبدل المعادلات السياسية والعسكرية في سوريا ولبنان، وهي لا تريد أن يملأ الفراغ الإيراني نفوذ إسرائيلي واسع يمتد من جنوب سوريا إلى لبنان وشرق المتوسط. ولا تريد أن تنفرد الدول العربية أو القوى الغربية بصياغة النظام الإقليمي الجديد من دون مشاركة تركية.

ولبنان على رغم صغر حجمه، يتمتع بموقع يتجاوز مساحته. فهو يقع على الساحل الشرقي للمتوسط، ويملك حدوداً مباشرة مع سوريا، ويشكل ساحة تقاطع للمصالح العربية والإيرانية والتركية والغربية والإسرائيلية.

ومن هذه الزاوية، لا تبحث تركيا بالضرورة عن السيطرة على لبنان، لكنها لا تريد تركه بالكامل داخل نفوذ خصومها، أو السماح بأن يتحول الساحل اللبناني إلى جزء من ترتيبات إقليمية تستبعدها.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

نفوذ "الطاقة"

إلى جانب الاعتبارات الأمنية، يظهر ملف الطاقة والممرات الاقتصادية كأحد العناوين غير المعلنة للاهتمام التركي بلبنان.

فتركيا تسعى منذ أعوام إلى تثبيت موقعها مركزاً إقليمياً لتجميع الغاز وتخزينه ونقله إلى الأسواق الأوروبية. وتستند هذه الاستراتيجية إلى موقعها الجغرافي بين روسيا والقوقاز وآسيا الوسطى والشرق الأوسط من جهة، والاتحاد الأوروبي من جهة أخرى.

وبحسب خبراء في شؤون الطاقة، ازدادت أهمية الدور التركي بعد الحرب الروسية–الأوكرانية، وما نتج منها من بحث أوروبي عن مصادر ومسارات جديدة للغاز. وأعادت التحولات السورية فتح النقاش حول إمكان إنشاء خطوط نقل وممرات تجارية تربط الخليج والعراق بتركيا وأوروبا عبر الأراضي السورية.

ولا يزال لبنان خارج مرحلة الإنتاج الفعلي للغاز، لكن موقعه البحري ومرافئه وقربه من سوريا تجعله جزءاً محتملاً من ترتيبات الطاقة والنقل المستقبلية.

وأنقرة تتابع باهتمام خطوات لبنان في ملف ترسيم الحدود البحرية، والتعاون مع قبرص، ومشاريع الربط الكهربائي في شرق المتوسط. وهي لا تريد أن يتحول لبنان إلى جزء حصري من محور اقتصادي يضم إسرائيل وقبرص واليونان ويعمل على تجاوز تركيا في نقل الغاز والطاقة إلى أوروبا.

وقد فتحت زيارة سلام الباب أمام مناقشة مجالات التعاون الممكنة في الطاقة والنقل والبنية التحتية، من دون أن تصل المحادثات بعد إلى اتفاقات تنفيذية كبرى.

إعادة إعمار سوريا

يمثل ملف إعادة إعمار سوريا نقطة تقاطع إضافية بين المصالح اللبنانية والتركية.

فالشركات التركية تمتلك قدرات واسعة في الإنشاءات والكهرباء والنقل والصناعة، وتنظر إلى السوق السورية باعتبارها إحدى أبرز الفرص الاقتصادية في المرحلة المقبلة. أما لبنان، فيملك مرافئ قريبة وخبرات في الخدمات والمقاولات والتعليم والصحة، ويمكنه أن يؤدي دوراً لوجيستياً ومالياً في عملية إعادة الإعمار.

غير أن تحويل لبنان إلى منصة لإعادة إعمار سوريا يحتاج إلى اتفاقات واضحة بين بيروت ودمشق، وإلى ضبط الحدود وتنظيم حركة الترانزيت إضافة إلى وجود تمويل عربي ودولي.

وتريد تركيا أن يكون لها موقع في هذه المعادلة، سواء من خلال شركاتها أو عبر إنشاء شبكات نقل تربط مرافئ المتوسط بالداخل السوري وتركيا. ولذلك، ينظر بعض الخبراء أيضاً إلى زيارة سلام على أنها محاولة أولية لتحديد موقع لبنان في الخريطة الاقتصادية الجديدة المحيطة بسوريا.

التنافس التركي–الإسرائيلي

يبقى العامل الإسرائيلي حاضراً في خلفية التحرك التركي، وإن لم يكن العنوان المعلن للزيارة، فالعلاقات التركية–الإسرائيلية تشهد تنافساً متصاعداً على شكل النظام الإقليمي الجديد، وخصوصاً في سوريا وشرق المتوسط. وتنظر أنقرة بقلق إلى التوسع العسكري الإسرائيلي داخل سوريا، وإلى محاولات إنشاء مناطق أمنية أو فرض ترتيبات تقلص قدرة الدولة السورية على استعادة سيادتها.

في المقابل، تراقب إسرائيل النفوذ التركي المتنامي في سوريا، وتخشى من تحول الوجود السياسي والأمني التركي إلى عامل يحد من حرية تحركها العسكري.

ولبنان يمكن أن يتأثر بهذا التنافس، وخصوصاً إذا سعت تركيا إلى أداء دور مباشر في ترتيبات الأمن اللبناني أو في المفاوضات المتعلقة بالجنوب.

وكان أردوغان قد أبلغ الرئيس عون في اتصال جرى نهاية عام 2025 استعداد تركيا للمشاركة في أي آلية دولية يمكن إنشاؤها لدعم أمن لبنان، وفق ما أوردته السفارة التركية لدى بيروت في عرضها للعلاقات الثنائية.

 

شراكة أم ساحة؟

تخلص المعطيات المتوافرة إلى أن تركيا تريد من لبنان مجموعة من المصالح المتداخلة: دولة مستقرة لا تستخدم أراضيها لتهديد سوريا الجديدة، حضوراً سياسياً في ترتيبات المشرق، موقعاً في مشاريع الطاقة والنقل وإعادة الإعمار، ومنع قيام معادلة في شرق المتوسط تستبعدها لمصلحة إسرائيل وقبرص واليونان.

وفي المقابل، تحاول الرئاسة اللبنانية والحكومة وضع إطار مختلف للعلاقة: تعاون اقتصادي وسياسي مع تركيا، لكن عبر الدولة حصراً، ومن دون قيام قنوات نفوذ مباشرة مع أطراف أو طوائف لبنانية. وهذه السياسة التي يراد تثبيتها لا تخص تركيا وحدها، بل يفترض أن تشمل جميع الدول الإقليمية. فلا تكون لإيران علاقة عسكرية مستقلة مع فريق لبناني، ولا لتركيا علاقة سياسية خاصة مع مكون آخر، ولا لأي دولة عربية أو أجنبية شبكة نفوذ تتجاوز المؤسسات.

العقيدة التركية

يرى مفوض الحكومة السابق لدى المحكمة العسكرية في لبنان القاضي بيتر جرمانوس أن لبنان بات يحتل موقعاً مختلفاً في العقيدة الجيوسياسية التركية الجديدة، إذ لم يعد يُنظر إليه بوصفه دولة عربية صغيرة على شاطئ البحر المتوسط، بل أصبح جزءاً من منظومة الأمن الإقليمي التي تعدها أنقرة امتداداً مباشراً لأمنها القومي. ويشير إلى أن هذه الرؤية تستند إلى المفهوم الذي عبّر عنه أردوغان عندما أكد أن أمن تركيا يبدأ من بيروت، في إطار مقاربة ترى أن استقرار المشرق، الممتد من حلب ودمشق إلى بيروت، ينعكس مباشرة على الأمن التركي.

ويرى جرمانوس أن زيارة سلام إلى تركيا تأتي في مرحلة تعيد فيها أنقرة صياغة حضورها في شرق المتوسط، مستفيدة من نفوذها المتنامي في سوريا، ومن موقعها داخل حلف شمال الأطلسي، ومن سعيها إلى توسيع شبكة علاقاتها الاقتصادية والأمنية مع دول المنطقة. ويلفت إلى أن إعلان الرئاسة التركية أن المحادثات تناولت مختلف جوانب العلاقات الثنائية، مع التشديد على دعم سيادة لبنان ووحدة أراضيه، يعكس إدراكاً تركياً متزايداً لأهمية لبنان في الحسابات الإقليمية.

ويؤكد أن لبنان يمثل بالنسبة إلى تركيا أكثر من مجرد شريك دبلوماسي، فهو يقع في قلب شرق المتوسط، ويشرف على أحد أكثر الممرات البحرية حساسية، ويشكل نقطة التقاء بين المشرق العربي والبحر المتوسط، مما يجعل استقراره السياسي والاقتصادي عاملاً مؤثراً في مشاريع الطاقة وحركة التجارة وأمن الملاحة والتوازنات الإقليمية.

ويخلص جرمانوس إلى أن مستقبل الدور التركي في لبنان سيظل مرتبطاً بقدرة الدولة اللبنانية على استعادة مؤسساتها وتعزيز سيادتها، وبكيفية تفاعل القوى الإقليمية والدولية مع التحولات الجارية في سوريا وشرق المتوسط. ويرى أن المؤشرات الحالية تدل على أن لبنان عاد ليحتل موقعاً متقدماً في الحسابات الاستراتيجية الإقليمية، وأن أنقرة باتت تنظر إليه بوصفه حلقة أساسية في منظومة التوازنات الجديدة التي تتشكل في شرق المتوسط.

الرؤية التركية

من جهتها، تؤكد الباحثة والأكاديمية التركية الدكتورة طوبى يلدز أن زيارة المسؤولين اللبنانيين إلى أنقرة تكتسب أهمية خاصة بالنسبة إلى لبنان، معتبرة أن البلاد تحتاج في هذه المرحلة إلى دعم سياسي وعسكري حقيقي بعد التطورات التي شهدتها المواجهة بين إسرائيل و"حزب الله". وترى أن تركيا مرشحة للعب هذا الدور، في ظل التحول الذي طرأ على سياستها الخارجية تجاه الشرق الأوسط.

وتوضح يلدز أن أنقرة لم تعد تتعامل مع المنطقة بوصفها ملفاً واحداً، بل باتت تعتمد مقاربة تقوم على التعامل مع كل دولة وفق خصوصيتها وأهميتها الاستراتيجية. وتشير إلى أن لبنان أصبح يحظى اليوم بمكانة متقدمة في الحسابات التركية، بعدما كان الاهتمام يتركز بصورة أكبر على ملفات أخرى في المنطقة.

وتضيف أن تركيا تسعى في المرحلة الأولى إلى بناء علاقة سياسية وثيقة مع الدولة اللبنانية، على أن يتطور هذا التعاون لاحقاً إلى مستوى الشراكة العسكرية، لافتة إلى أن أحد أوجه هذا التعاون قد يتمثل في تقديم الدعم للجيش اللبناني، سواء على مستوى التسليح أو التعاون العسكري، انطلاقاً من قناعة تركية بأن تعزيز قدرات الجيش اللبناني ينعكس مباشرة على قوة الدولة اللبنانية واستقرارها السياسي.

وفي قراءتها للرؤية الاستراتيجية التركية، تشير يلدز إلى أن مفهوم الأمن القومي التركي ينطلق من استقرار الشرق الأوسط، معتبرة أن أمن المنطقة يبدأ من بيروت ودمشق، اللتين تصفهما بأنهما "جسران يربطان تركيا بالشرق الأوسط". وتخلص إلى أن استقرار العاصمتين اللبنانية والسورية يشكل، من وجهة النظر التركية، عنصراً أساساً في حماية الأمن والاستقرار داخل تركيا نفسها.

التموضع الاستراتيجي

ويرى الأكاديمي والباحث الاستراتيجي الدكتور عماد رزق أن زيارة نواف سلام إلى تركيا لا يمكن قراءتها بوصفها زيارة بروتوكولية وحسب، بل تحمل رسائل سياسية واستراتيجية عدة. ويرى أن اختيار قصر دولما بهجة لاستقبال رئيس الحكومة اللبنانية وزوجته لم يكن تفصيلاً بروتوكولياً، بل رسالة سياسية مقصودة تستحضر البعد التاريخي للدولة العثمانية في شرق المتوسط وتعكس ما يصفه بـ"الصدمة الاستراتيجية التركية" التي ينتهجها الرئيس أردوغان لإعادة تثبيت الحضور التركي في الإقليم.

ويشير رزق إلى أن القيادة التركية تعتمد سياسة إيصال الرسائل الصامتة عبر البروتوكول السياسي، ولذلك فإن هذا اللقاء لم يكن عادياً، بل يندرج في إطار إعادة ضبط العلاقات اللبنانية – التركية بعد أعوام من الفتور الذي نشأ نتيجة الاعتقاد بأن تركيا لا تمتلك دوراً أو مصالح مباشرة في لبنان، بينما تنطلق الرؤية التركية، بحسب قوله، من اعتبار لبنان جاراً لتركيا بالمعنى الجيوسياسي المرتبط بشرق المتوسط والملف القبرصي.

ويرى أن مجيء الزيارة بعد أيام من انتهاء قمة حلف شمال الأطلسي، وبعد المحادثات التي جمعت الرئيس أردوغان بالرئيس الأميركي دونالد ترمب، يحمل دلالة واضحة على دخول تركيا شريكاً أساساً في ترتيبات المنطقة، وليس بديلاً من إيران كما يروّج البعض. ويوضح أن أنقرة تتحرك ضمن إطار تنسيق إقليمي يضم السعودية ومصر وباكستان، ويعمل على ملفات تمتد من إيران إلى لبنان وسوريا وإعادة الإعمار.

ويكشف عن أن أحد أبرز الملفات التي تعمل عليها أنقرة يتمثل في التنسيق ضمن الرباعية الإقليمية التي تضم تركيا والسعودية ومصر وباكستان، لمعالجة ملف السلاح في المنطقة، بدءاً من إيران والسلاح الفلسطيني والتنظيمات المسلحة الخارجة عن سلطة الدولة، وصولاً إلى سلاح الحزب في لبنان. ويؤكد أن تركيا ستكون شريكاً في إعادة صياغة المشهد الأمني ضمن إطار الاتفاق الذي تقوده الولايات المتحدة، لا بهدف تهميش أي طرف، بل لإرساء توازنات جديدة.

ويخلص رزق إلى أن تركيا تدخل اليوم إلى شرق المتوسط ليس بوصفها منافساً لإسرائيل أو بديلاً من إيران، وإنما باعتبارها طرفاً يسعى إلى تطبيق التفاهمات الدولية وتعزيز الاستقرار الإقليمي، انطلاقاً من رؤية أردوغان القائمة على تحقيق التوازن والردع، لا التوسع أو الهيمنة. ويرى أن هذا التوجه سيفتح الباب أمام مرحلة جديدة في العلاقات اللبنانية – التركية، لا سيما مع التحضير، وفق معلوماته، لزيارة مرتقبة لرئيس الجمهورية جوزاف عون إلى أنقرة، تتزامن مع التحضير لزيارته إلى واشنطن، بما يجعل المرحلة المقبلة محطة لإعادة ترتيب موقع لبنان في المنطقة ومستقبل الاستقرار الإقليمي.

الدور المحوري

بدوره يكشف الكاتب السياسي أحمد الأيوبي أن نائب رئيس الحكومة طارق متري سمع من مسؤولين أتراك استعداد أنقرة للقيام بدور وساطة مع إيران في ملف سلاح "حزب الله"، انطلاقاً من دعم الدولة اللبنانية في تنفيذ مبدأ حصرية السلاح بيد الشرعية.

ومن الناحية الجيوسياسية، يرى الأيوبي أن تركيا أصبحت عملياً على حدود لبنان بعد سقوط نظام الأسد، وتنظر باهتمام إلى خرائط وخطوط نقل الطاقة في شرق المتوسط، معتبراً أن هذه المسألة تمثل نقطة تباين مع رئيس الجمهورية جوزاف عون، الذي انضم، بحسب توصيفه، وبدفع فرنسي، إلى مشروع خط الهند – اليونان – قبرص – لبنان – إسرائيل، وهو خيار أثار، وفق رأيه، قلقاً تركياً في ظل التوتر القائم بين باريس والرئيس أردوغان.

ويختم الأيوبي بالإعراب عن اعتقاده بأن زيارة رئيس الحكومة نواف سلام إلى تركيا، إلى جانب استجابة عون لدعوة الرئيس أردوغان إلى زيارة أنقرة، من شأنهما أن يفتحا باب الحوار بين البلدين، ويبددا هواجس المرحلة السابقة، ويمهدا لفتح صفحة جديدة في العلاقات اللبنانية – التركية.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير