Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

إيران ولبنان وصراع سرديات النصر والهزيمة

الفصل بين "حزب الله" وطهران سيجعله مجرداً من أي غطاء أو حليف إقليمي قادر على تأمين الدعم له ومساعدته في الحفاظ على وجوده السياسي

لطهران مصلحة كبرى في الربط بين مسارات التفاوض بينها وبين لبنان (أ ف ب)

ملخص

بكثير من الواقعية السياسية، يمكن القول إن إعلان وقف إطلاق النار على الجبهة اللبنانية، وبغض النظر عن كيفية وآلية إخراجه ومسرحته، أسس لحقائق جيوسياسية واستراتيجية قد تكون في مجملها لمصلحة النظام الإيراني على المستوى الإقليمي، وتصب في سياق تعزيز موقعه وتأكيد دوره ونفوذه على هذه المساحة الجغرافية المتفجرة وغير المستقرة.

كثيراً ما يدور سؤال لدى معظم المتابعين للأحداث والتطورات التي شهدتها منطقة غرب آسيا جراء الحرب الأميركية -الإسرائيلية على إيران، سواء في العلن أو خلف الكواليس، عن أسباب تمسك إيران بشرط التوصل إلى وقف إطلاق نار متزامن على الجبهتين الإيرانية واللبنانية.

بكثير من الواقعية ومن خلال رصد تصاعد المواقف بعد إنهاء جولة المفاوضات المباشرة الأولى بين واشنطن وطهران برعاية باكستانية في إسلام آباد، وبعيداً من صراع السرديات والروايات التي تتبناها الدولة اللبنانية مقابل ما تتبناها طهران وحليفها اللبناني "حزب الله"، صراع قد يهيمن على خطاب الأيام المقبلة بين هذه السرديات بصورة كبيرة مع دخول وقف إطلاق النار الموقت على الجبهة اللبنانية بين إسرائيل و"حزب الله" حيز التنفيذ. فإن طهران، أو القيادة الإيرانية، أظهرت إصراراً غير مسبوق لتحقيق هذا الهدف. وكانت على استعداد لخسارة ما توصلت إليه من تفاهم -موقت أيضاً- مع الإدارة الأميركية لوقف الحرب والمسار التفاوضي المباشر وتعطيل الجولة الثانية له، إذا ما رفضت أو امتنعت واشنطن عن شمول لبنان بهذه التفاهمات.

وبكثير من الواقعية السياسية أيضاً، يمكن القول إن إعلان وقف إطلاق النار على الجبهة اللبنانية، وبغض النظر عن كيفية وآلية إخراجه ومسرحته، أسس لحقائق جيوسياسية واستراتيجية قد تكون في مجملها لمصلحة النظام الإيراني على المستوى الإقليمي، وتصب في سياق تعزيز موقعه وتأكيد دوره ونفوذه على هذه المساحة الجغرافية المتفجرة وغير المستقرة.

فمن ناحية، ومن خلال الربط بين الجبهة الإيرانية والجبهة اللبنانية، وأيضاً من خلال ما انعكس على الجبهتين العراقية واليمنية، يمكن القول إن طهران استطاعت انتزاع اعتراف أميركي واضح بالنفوذ الإيراني على هذه الساحات، وبالتالي فإن ما كانت تسعى له طهران ونظامها خلال العقود الماضية من سعي للحصول على هذا الاعتراف قد تحقق من خلال الحرب، بعد أن فشل المسار الدبلوماسي في ذلك.

ومن ناحية ثانية، فإن الإصرار الإيراني على ربط مسار الجبهتين – الإيرانية واللبنانية- والتجاوب الذي أبدته الإدارة الأميركية في ذلك، والذي دفع الرئيس دونالد ترمب لإجراء اتصال برئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو وفرض عليه إعلان وقف النار مع "حزب الله" اللبناني، كرس حقيقة أساسية طالما سعت طهران لإثباتها، بأن الإدارة الأميركية هي صاحبة القرار النهائي في أي مسألة تتعلق بغرب آسيا. وبالتالي أعادت تعريف الدور الإسرائيلي في إقليم الشرق الأوسط الذي لا يخرج عن كونه "دوراً وظيفياً" لدى واشنطن، وليس مقرراً أو شريكاً عندما تكون المصالح الأميركية الاستراتيجية على المحك.

فعلى رغم السقوف العالية التي أعلنها نتنياهو في ما يخص الجبهة اللبنانية، وتمسكه بالمسار العسكري حتى حسم الوضع وإنهاء التهديد الذي يشكله "حزب الله" للأمن الإسرائيلي، إلا أن اتصالاً واحداً من البيت الأبيض كان كفيلاً في دفعه لإعلان وقف النار من دون العودة إلى المجلس الوزاري المصغر "الكابينت" المولج في اتخاذ القرارات المصيرية والاستراتيجية، ضارباً عرض الحائط بكل الآليات الديمقراطية التي تحكم إدارة الحكم في إسرائيل. وأن وقف النار جاء من دون تحقيق هذا الهدف، على رغم عدم تطبيق شرط الانسحاب من الأراضي اللبنانية والتهديد باستعادة المبادرة العسكرية في أي وقت تفشل فيه المفاوضات بين واشنطن وطهران.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

في المقابل، فإن استخدام طهران ورقة مضيق هرمز مقابل لبنان، وأيضاً تعليق الجلسة الثانية للمفاوضات على تحقيق هذه التهدئة، لعب دوراً كبيراً في إعادة تثبيت الصورة الإيرانية "الحليفة والمناصرة" للبيئة الشيعية الحاضنة لـ"حزب الله" والتي تحملت الجزء الأكبر من تداعيات وخسائر الحرب.

إضافة إلى ذلك، فإن لطهران مصلحة كبرى في الربط بين مسارات التفاوض بينها وبين لبنان. فحليفها أو ذراعها اللبنانية يشكل "درة" المشروع والدور والنفوذ، وأحد أهم ركائز عمقها الإقليمي والجيواستراتيجي، وبوابة فرض معادلات جيوسياسية جديدة في المنطقة. ما يجعل العلاقة بين طهران وبيروت أكثر عضوية من أي علاقة مع عواصم المحور الذي تقوده في الإقليم وتتجاوز كل الاعتبارات.

فهي علاقة من ناحية ذات بعد أخلاقي، انطلاقاً من حرص طهران وقياداتها الدينية والعسكرية والسياسية على ألا تتهم بالتخلي عن حليفها وبيئته وكل الجماعة الشيعية مقابل مصالحها الخاصة والضيقة. وهي علاقة محورية من ناحية أخرى، لأن إيران من دون "حزب الله" يعني خسارة التأثير الإقليمي وتراجع النفوذ وفقدان القدرة على تحريك الأوراق. بالتالي يؤسس أي تخلٍ عنه لمسار من الانكفاء والتراجع إلى داخل الحدود، حتى مع الاحتفاظ بعلاقة تحالفية مع الساحتين اليمنية والعراقية.

الربط الإيراني بين الجبهتين حاجة مصيرية لدى "حزب الله"، الذي سيجد نفسه من دونها عارياً لجهة الشعور بتخلي الحليف الأكبر عنه، ما يجعله مكشوفاً أمام شركائه المعارضين له على الساحة الداخلية اللبنانية ويضيق الخناق عليه، فضلاً عن تحوله إلى هدف سهل أمام خصومه من الخارج. وبالتالي فإن الفصل بينه وبين طهران سيجعله مجرداً من أي غطاء أو حليف إقليمي قادر على تأمين الدعم له ومساعدته في الحفاظ على وجوده السياسي، ومنع معاقبة جماعته ومحاسبته على ما قام ويقوم به من أعمال عسكرية وفعالية سياسية وأنشطة اجتماعية.

وانطلاقاً من كل هذه المعطيات والأبعاد، فإن صراع السرديات على الساحة اللبنانية سيأخذ حيزاً مهماً في المرحلة المقبلة، بين الخطاب الرسمي للدولة والحكومة التي ستعمل على تثبيت رؤيتها بدور الدبلوماسية في تحقيق الأمن والاستقرار ووقف الحرب، وأن عنوان المرحلة المقبلة لا بد أن يكون مسار تطبيق حصرية السلاح واحتكار قرار السلم والحرب، وضرورة أن يقتنع "حزب الله" بالتخلي عن هذا السلاح لمصلحة تعزيز دور الدولة والعملية السياسية.

في المقابل، فإن الحزب ومعه إيران، سيتمسكان بسردية النصر وأن القوة العسكرية والتصدي أجبرا العدوين الأميركي والإسرائيلي على القبول بخيار وقف الحرب من دون تحقيق أي من الأهداف التي وضعوها لها. تضاف إليها نشوة إيرانية بأن النظام في طهران استطاع فرض إرادته من خلال ما حصل من تفاهمات مع الإدارة الأميركية في إسلام آباد، ورهانه على أن تؤسس لمسار جديد يوصل إلى اتفاقيات تعيد تكريس موقعه على الخريطة الإقليمية ومعادلاتها من جديد.

المزيد من تحلیل