Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

بين القبول والرفض... خطبة الجمعة بلسان أمازيغي في المغرب

مطالب باعتمادها في الخطاب الديني على منابر البلاد ومعارضون يعدونها مزايدة انتخابية لا تخدم اللغة

تستند المطالب الداعية إلى اعتماد الأمازيغية في خطب الجمعة والأعياد في المناطق الناطقة بهذه اللغة المعترف بها دستورياً (وكالة الأنباء المغربية)

ملخص

تلقى في العادة خطب الجمعة والأعياد الدينية باللغة العربية في المساجد والمصليات في جميع أنحاء المغرب، بما فيها المناطق التي تنطق حصراً باللغة الأمازيغية بلهجاتها الرئيسة الثلاث، وهي تشلحيت وتمازيغت وتاريفيت.

أثارت مطالب برلمانيين ونشطاء أمازيغيين باعتماد اللغة الأمازيغية في خطب الجمعة والأعياد والدروس الدينية في المناطق الناطقة بها بالمغرب سجالات ونقاشات ساخنة في شأن الجدوى من مثل هذه الدعوات، ومدى تحقيقها للترسيم الفعلي للأمازيغية، وهل تكفي لإرساء العدالة اللغوية المطلوبة بالبلاد.

وتستند هذه المطالب الداعية إلى اعتماد الأمازيغية في خطب الجمعة والأعياد في المناطق الناطقة بهذه اللغة المعترف بها دستورياً، على ضرورة "كسر احتكار العربية للخطاب الديني داخل المساجد المغربية، وتعزيز التنوع اللغوي والثقافي بالبلاد"، بينما يرى رافضون لهذه المطالب بأن الأمر لا يعدو أن يكون "مزايدة سياسية انتخابية أكثر منها رؤية حقيقية لتنزيل ترسيم الأمازيغية".

خطب الجمعة بالأمازيغية

تلقى في العادة خطب الجمعة والأعياد الدينية باللغة العربية في المساجد والمصليات في جميع أنحاء المغرب، بما فيها المناطق التي تنطق حصراً باللغة الأمازيغية بلهجاتها الرئيسة الثلاث، وهي تشلحيت وتمازيغت وتاريفيت.

وتنتشر تاسوسيت (تشلحيت) بصورة واسعة في مناطق سوس، والأطلس الكبير الغربي، وسهل الحوز، وتعم لهجة تمازيغت مناطق الأطلس المتوسط والأطلس الكبير الشرقي والسهول المجاورة لها، بينما تاريفيت (الريفية) تنتشر بصورة رئيسة في مناطق جبال الريف والشمال الشرقي للمغرب.

وانبرى برلمانيون ونشطاء أمازيغ إلى المطالبة باعتماد الأمازيغية في خطب صلاة الجمعة والأعياد والدروس الوعظية داخل المساجد في المناطق الناطقة بهذه اللغة، التي كرسها الدستور المغربي لغة رسمية للبلاد بمعية اللغة العربية.

وينص الفصل الخامس من الدستور المعدل لعام 2011 على أن "الأمازيغية لغة رسمية للدولة، باعتبارها رصيداً مشتركاً لجميع المغاربة من دون استثناء، مع إقرار قانون تنظيمي يحدد مراحل إدماجها في التعليم والحياة العامة".

البرلمانية خديجة أورهال ذكرت في سؤال مكتوب وجهته إلى وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية محمد التوفيق، بأن الدستور المغربي منح اللغة الأمازيغية صفة اللغة الرسمية إلى جانب العربية، كما نص القانون التنظيمي رقم 26.16 على ضرورة إدماجها تدريجاً في مختلف مجالات الحياة العامة، بما يشمل المرافق والإدارات والمؤسسات العمومية.

وأفادت البرلمانية ذاتها بأن إلقاء خطب الجمعة الموحدة باللغة العربية في مساجد المغرب، بما في ذلك المناطق التي يغلب عليها استعمال الأمازيغية، وضع يحول دون استفادة عدد من المصلين من المضامين الدينية والتوجيهية التي تتضمنها خطب الجمعة، خصوصاً بالنسبة إلى الأشخاص الذين لا يتقنون سوى اللغة الأمازيغية، مما قد يؤثر في تحقيق الأهداف التوعوية والإرشادية لهذه الخطب.

ضرورة اجتماعية وقانونية

من جانبه يرى لحسن أمقران، وهو أستاذ جامعي وباحث متخصص في اللغة والثقافة الأمازيغية، أن "هذه المطالب تتأسس من جهة أولى على تحقيق المقصد الشرعي من الخطبة، وهو الفهم والوعي بالمضمون"، مبرزاً أن "الأهداف الأساسية من خطبة الجمعة هو الوعظ والإرشاد وتوعية المصلين بأمور دينهم ودنياهم".

 

 

وزاد أمقران شارحاً "إذا كان المصلون في منطقة معينة لا يتقنون اللغة العربية الفصحى إتقاناً تاماً، فإن الخطبة تفقد جزءاً كبيراً من تأثيرها وهدفها التوجيهي"، مشدداً على "ضرورة الحديث إلى الناس بلسان يضمن وصول الرسالة الدينية بصورة دقيقة ومباشرة إلى قلوبهم وعقولهم".

من جهة ثانية، وفق المتحدث، من الواجب تنزيل الطابع الرسمي للأمازيغية بصورة فعلية، إذ إنه من الناحية الدستورية والقانونية، يعزز هذا المقترح تفعيل الطابع الرسمي للغة الأمازيغية في المؤسسات والخدمات العمومية، بما فيها الشأن الديني.

ولفت إلى أن "القنوات التلفزيونية والإذاعية الرسمية تبث برامج دينية بالأمازيغية، وبالتالي فإن نقل هذا الأمر إلى منابر المساجد في المناطق ذات الغالبية الناطقة بها يعد خطوة طبيعية ومتناغمة مع المكتسبات الوطنية".

واستطرد أمقران بأنه من جهة ثالثة، من شأن هذه الخطوة تعزيز قيم المواطنة والتعددية الثقافية داخل المجتمع المغربي، فاستخدام الأمازيغية في فضاء روحي جامع مثل المسجد يرفع من مكانتها الرمزية لدى المواطنين، ويشعرهم بأن هويتهم ولغتهم الأم محتضنة ومحترمة من طرف مؤسسات الدولة، مما يسهم في تقوية اللحمة الوطنية والشعور بالانتماء المشترك.

وذهب الباحث إلى أن هذه الخطوة لو تمت، ستكون فرصة لسد الطريق أمام التأويلات الخاطئة والجهل الديني، فتغييب خطبة الجمعة بلغة يفهمها الجميع، قد يدفع بعضهم إلى البحث عن المعرفة الدينية من مصادر غير موثوقة أو عبر الإنترنت، الشيء الذي قد يخلق الفرقة ويهدد الأمن الروحي للمجتمع.

حروب هوياتية

وفي وقت الذي يرى فيه أمقران أن اعتماد الأمازيغية في خطب الجمعة بالمناطق الناطقة بها، لا يعني معاداة أو محاولة إقصاء اللغة العربية، بل هو تكامل وظيفي يحترم التعددية اللغوية والثقافية للمجتمع، فإن متخصص اللغات فؤاد بوعلي، يعتبر هذا المطلب "مزايدة انتخابية أكثر منها رؤية حقيقية لتنزيل ترسيم الأمازيغية وتحقيق العدالة اللغوية المطلوبة".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وأكد بوعلي في هذا الصدد أن توجيه خطب الجمعة والدروس الدينية بالأمازيغية ليس إشكالاً مطروحاً، بل هو إشكال وهمي في أذهان بعض المزايدين بالورقة الهوياتية، إذ اعتاد العلماء والخطباء المنتمون لمناطقهم تبسيط الخطب بحسب طبيعة المتلقين واستعمال العامية أو الأمازيغية بحسب الحاجة.

واسترسل بوعلي قائلاً "في كثير من مناطق المغرب يلجأ الخطيب إلى ترجمة الخطبة بالأمازيغية لتيسير الفهم على كبار السن خصوصاً، كما أنه من المزايدة في زمن التقنية وتوسيع مجالات الوعي والتعلم القول إن هناك فئة لا تفهم اللغة العربية"، قبل أن يتساءل لماذا لا يطرح هذا المطلب في مباريات كرة القدم والكل يتابعها من دون أي إحراج أو ادعاء؟

ورداً على موضوع تحقيق العدالة اللغوية من خلال هذا الإجراء، أفاد بوعلي بأن الإشكال المطروح هو في قدرة الفاعل السياسي قبل استعمال المفاهيم على تأطيرها نظرياً وعلمياً، لأن فكرة العدالة تتأسس في السوسيولوجيا اللسانية على أن الاعتراف بالحق في الوجود لا يعني المساواة في الوظائف والاستعمال.

وأكمل رئيس الائتلاف الوطني من أجل اللغة العربية بأن الاعتراف بأحقية الوجود لا ينافي الاختلاف في فضاءات الاستعمال والتداول، وبناء عليه لا ينبغي أن يكون المنبر فضاء للصراع اللغوي أو التجاذب بين مكونات الهوية الوطنية.

وخلص بوعلي إلى أن للعربية استعمالاتها التي لا يمكن أن تؤدى بغيرها، ومنها المجال الديني، إذ تكفي زيارة لأية مؤسسة دينية في أعماق المغرب لمعرفة التوزيع الوظيفي بين اللغتين العربية والأمازيغية من دون أدنى إشكال، مسجلاً أن "بعض السياسيين يعيشون قضايا وهمية بعيداً من الواقع ومن دون معرفة به، ويريدون أن يفرضوا حروبهم الهوياتية على المغاربة"، وفق تعبيره.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير