Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

قصر بين عصرين: جدران عراقية شاهدة على السياسة والفنون

بصمة المعماري البريطاني كوبر ممتدة من تصميم منزل نوري باشا السعيد إلى كلية الهندسة ومعهد الفنون الجميلة خلال الثلاثينيات

لا تزال بغداد تحتفظ بلمسات معمارية جمالية تبدو وكأنها لوحة فنية (اندبندنت عربية)

ملخص

يرى الباحث والمصمم الأكاديمي معتز عناد غزوان أن عمارة البيوت البغدادية خلال مطلع ثلاثينيات القرن الماضي، ولا سيما في منطقتي الباب المعظم والوزيرية، ارتبطت بأسلوب معماري مميز حمل بصمة المعمار البريطاني جون بريان كوبر.

للمدن ذاكرة لا تحفظها الكتب وحدها، بل تحفظها الجدران والنوافذ والأروقة التي شهدت تعاقب الأزمنة وتحولات البشر. وبعض الأبنية لا تكتفي بأن تكون حجارة صامتة، بل تتحول إلى نصوص مفتوحة يقرأ فيها كل جيل حكاية جديدة.

ففي الوزيرية ببغداد، يقف البيت الذي شيد عام 1935 لرئيس الوزراء العراقي الراحل نوري باشا السعيد، وفق تصميم المهندس البريطاني جون براين كوبر، شاهداً على مرحلة مهمة من تاريخ العراق الحديث، غير أن الزمن لم يتركه أسير وظيفته الأولى، بل منحه حياة أخرى أكثر رحابة، حين أصبح جزءاً من أكاديمية الفنون الجميلة، ليغدو فضاءً يفيض بالموسيقى والرسم والمسرح والإبداع.

القيمة المعمارية لمنزل الباشا

يرى الباحث والمصمم الأكاديمي معتز عناد غزوان أن عمارة البيوت البغدادية خلال مطلع ثلاثينيات القرن الماضي، ولا سيما في منطقتي الباب المعظم والوزيرية، ارتبطت بأسلوب معماري مميز حمل بصمة كوبر.

ولم يقتصر إسهام كوبر على تصميم منزل رئيس الوزراء العراقي خلال العهد الملكي نوري باشا السعيد عام 1935، بل امتد ليشمل تصميم مبنى كلية الهندسة عام 1936، فضلاً عن مبنى معهد الفنون الجميلة خلال العام نفسه، مما جعله أحد أبرز المعماريين الذين أسهموا في تشكيل ملامح العمارة الحديثة في بغداد خلال تلك الحقبة.

ويشير غزوان إلى أن معماريي ثلاثينيات القرن الـ20 حرصوا على توظيف حلول إنشائية تتلاءم مع طبيعة البيئة والمناخ البغدادي، فاعتمدوا الجدران السميكة والأروقة الممتدة أمام النوافذ والفتحات الهوائية العلوية التي تسهم في خلق تيارات هوائية طبيعية لتجديد الهواء داخل المبنى. وتظهر هذه السمات بوضوح في منزل نوري السعيد الذي يشغل اليوم مبنى عمادة كلية الفنون الجميلة، حيث صُممت الفتحات الهوائية بشكل مسقف يضمن تهوئة المبنى بصورة مستمرة، إضافة إلى انتشار المرازيب الخارجية المخصصة لتصريف مياه الأمطار.

ويؤكد أن من أبرز الخصائص التي تميز المبنى أيضاً اعتماده على مبدأ التناظر بين أجزائه، وهي سمة تتكرر في معظم المباني التي صممها كوبر، مما يضفي على البناء توازناً بصرياً وانسجاماً معمارياً واضحاً. ويتسم المبنى أيضاً بطابع من الهيبة والوقار، تجسده قاعات الاستقبال الواسعة التي تضم مواقد للنار، فضلاً عن الزخارف التي اشتهرت في العمارة البغدادية خلال العهد الملكي.

ويوضح غزوان أن بيوت بغداد في العهد الملكي لم تكُن مجرد مبانٍ سكنية، بل كانت تعكس مستوى الرقي العمراني والقيم الاجتماعية والطبقية التي سادت منذ تأسيس الدولة العراقية عام 1921 وحتى نهاية العهد الملكي في الـ14 من يوليو (تموز) عام 1958، إذ ارتبطت منطقة الوزيرية آنذاك بطبقة رجال الدولة، حتى اكتسبت اسمها من الوزراء ورؤساء الوزراء الذين اتخذوا منها مقراً لإقامتهم، لقربها من البلاط الملكي في منطقة الكسرة على ضفاف نهر دجلة، حيث يقع اليوم مبنى نادي الضباط (القادة سابقاً).

ويشير إلى أن منزل نوري باشا السعيد لم يكُن الوحيد في تلك المنطقة، بل كان جزءاً من نسيج عمراني ضم مساكن أبرز الشخصيات السياسية والعسكرية في العراق آنذاك، من بينها منزل رئيس الوزراء الفريق ياسين الهاشمي ومنزل وزير المعارف ضياء جعفر، وكذلك منزل العقيد محمود سلمان، أحد أبرز ضباط حركة مارس (آذار) عام 1941 الذي أُعدم عقب فشل الحركة خلال مايو من العام نفسه.

ويضيف أن هذا التجاور بين مساكن كبار رجال الدولة لم يكُن مصادفة، بل كان يعكس طبيعة التنظيم العمراني والاجتماعي في تلك الحقبة، فتشكلت الوزيرية بوصفها إحدى أرقى مناطق بغداد وأكثرها ارتباطاً بالمركز السياسي للدولة، مما منح مبانيها قيمة تاريخية ومعمارية مضاعفة، وجعلها شاهداً على مرحلة مفصلية من تاريخ العراق الحديث.

فكرة تأسيس أكاديمية الفنون الجميلة

بدأت فكرة تأسيس أكاديمية الفنون الجميلة العليا التي تبناها الفنان التشكيلي خالد الجادر (1922-1988)، عندما تبنتها وزارة التربية في العام الدراسي 1958-1959، وكانت تضم قسمين فقط هما السينما (وتدرس فيه فنون السينما والمسرح) والرسم (وتدرس فيه فنون الرسم والنحت) وكانت تمنح شهادة الديبلوم العالي وتستغرق مدة الدراسة فيها ثلاثة أعوام تقويمية عندما كانت تابعة إلى وزارة التربية.

وتعاقب على إدارة الأكاديمية كل من الدكتور خالد الجادر للمدة ما بين أعوام 1961 و1963، ثم جاسم العبودي (رائد مسرحي) للمدة ما بين 1963 و1967. وخلال عام 1967 انضمت الأكاديمية إلى جامعة بغداد برئاسة الدكتور عبدالعزيز الدوري وأصبحت الدراسة فيها أربعة أعوام على أن يجري فيها امتحان قبول وتمنح شهادة البكالوريوس. وعُيّن حافظ الدروبي (فنان تشكيلي 1914-1991) عميداً لها خلال الفترة ما بين أعوام 1967 و1973 وكان بارعاً في إدارة الكلية .

من دار للسكن إلى دار للتخيل والإبداع

تتذكر الممثلة التلفزيونية هند كامل أول ذكرى استحضرتها في المكان الذي لم يكُن مجرد موقع للدراسة بل له هيبة، قائلة "هذا المبنى لا يبدو كجدران عادية إنه يحمل طبقات من الزمن كان بيتاً خاصاً، ثم صار بيتاً للفن".

وتتابع، "نعم، أثّر المكان في تجربتي الفنية... ذلك أن المكان نفسه كان درساً بصرياً وجمالياً. المعمار والممرات والسلالم والنوافذ والضوء الداخل من الجهات المختلفة، كلها تمنح الفنان إحساساً بأن الفن لا يُدرس داخل قاعة الدراسة فقط، بل يولد أيضاً من علاقة الجسد بالمكان. علمني هذا المبنى أن الفضاء يمكن أن يكون شريكاً في التكوين الفني، وليس مجرد خلفية محايدة"، وتضيف أن "هناك فضاءات في الكلية تبدو كأنها تحفظ وجوه من مروا بها، وكأنها أرشيف حي لا يكتب بالحبر بل بالحضور".

 

وتمضي الممثلة العراقية في حديثها، "أقول للأجيال المتعاقبة أنتم لا تدرسون في مبنى عادي، بل في مكان له ذاكرة. احترموا هذه الذاكرة، ولا تنظروا إلى الجدران على أنها حجارة فقط، بل على أنها شاهدة على تحولات كثيرة، من بيت خاص إلى مؤسسة تصنع الفنانين. على الأجيال الجديدة أن تدرك أن الفن يبدأ حين نصغي إلى المكان، وحين نفهم أن كل زاوية فيه يمكن أن تتحول إلى سؤال، وكل أثر قديم يمكن أن يصير مادة للإبداع".

القصر من الحكم إلى الحلم

أما الفنان التشكيلي ثامر الناصري، فيرى أن "الجدران لا تتكلم، لكنها تهمس همساً عمره 100 عام... بقيت السقوف العالية التي تعلمت أنا ورفاقي ونحن طلاب أن نرفع أبصارنا إليها قبل أن نرفع فرشاتنا. لأن الفن، مثل هذا السقف، لا يُنجز وأنت تنظر إلى الأرض. بقيت رائحة الطين القديم الممزوج برائحة التربنتين (مذيب عضوي أساسي للرسم بالألوان الزيتية). رائحة قصر الحكم الذي تحول إلى قصر الحلم. فهنا كان نوري السعيد يوقع قرارات الدولة، وهناك كنا نحن نوقع أول لوحة في حياتنا. الحبر نفسه تقريباً، لكن قراراً مختلفاً، قرار أن نصنع جمالاً بدلاً من أن ندير صراعاً".

ويحكي الناصري أن "تاريخ المبنى علمني أن الفن العراقي لا يبدأ من فراغ، بل من تحويل قصر بُني للسياسة إلى مكان حولناه إلى قصر للروح، وهذه هي رسالة العراق عبر 7000 سنة من تحويل الطين إلى زقورة، وتحويل القصر إلى كلية، وتحويل الألم إلى لوحة".

ويقول "حين أقف أمام اللوحة وأنا أرسم، أتذكر أن هذه الغرفة شهدت اجتماعات رُسمت بها خرائط ’سايكس بيكو‘. فأقرر أنا أن أرسم بها خريطة جديدة... خريطة لإنسان عراقي جديد، التاريخ هنا لم يكُن عبئاً، كان تحدياً يقول لي الجدار ’هنا حكم العراق بالقرار‘... فأجيبه بفرشاتي ’وهنا سيُحكم العراق بالجمال‘".

الفضاء التاريخي وتكوين الفنان

يشير الناقد الفني رياض موسى سكران إلى أن "الفنان العضوي يتفاعل مع فضاءات بيئته ليبدع عمله الفني الذي تتجلى من خلاله رؤيته الجمالية ومقاربته الفنية"، مضيفاً "قامت الأمكنة عبر التاريخ بدور محوري في تمييز الأعمال الفنية وإثرائها، من خلال ما أتاحته للفنان من إمكانات تعبيرية كشفت عن عمق رؤيته ومستوى ثقافته وقدرته على بناء تفاعل خلاق بين خطابه الفني والفضاء التاريخي الذي ينتمي إليه أو يستلهمه".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويقول سكران "يتجلى هذا التحول عندما يصبح المبنى عنصراً فاعلاً في تشكيل جماليات العمل الفني عبر استحضار مفرداته وخصائصه المعمارية وما ينفرد به من قيم جمالية على المستويين الشكلي والمضموني. فقد تكون هذه القيم طرازية ومادية تتمثل في تفاصيل البناء وتكويناته، وقد تكون وجدانية ومعنوية ترتبط بالشخصيات والأحداث التي منحت ذلك المبنى قيمته الرمزية ودلالاته الاعتبارية. وهكذا ترتبط هذه القيم بثقافة المجتمع وشعوره بالانتماء وإحساسه بالزمان والمكان ومدى ارتباطه بتاريخه وهويته. ومن هنا يحقق المبنى أثره المباشر وغير المباشر في إلهام الفنان وصياغة رؤيته الجمالية، عبر ما يثيره من صور بصرية وذكريات وإيحاءات".

مصنع للفن العراقي الجديد

في الوقت نفسه، يرى عميد كلية الفنون الجميلة مضاد عجيل الأسدي أن "كلية الفنون الجميلة اليوم واقفة على مفترق مهم جداً. فهي لا تمثل مؤسسة تعليمية وحسب، بل تجسد أحد مسارات التحول الثقافي في العراق، حيث لم يعُد دور الكلية يقتصر على منح الشهادات، بل أصبح يتمثل في الإسهام بصناعة هوية بصرية عراقية معاصرة، تستجيب لتحولات المجتمع وتطلعاته وتفصح عن حاجتنا إلى فنان مسرحي يعالج قضايا مجتمعنا، ومصمم يصدر إلى العالم خطنا العربي، وسينمائي يحكي للعالم قصة دجلة والفرات".

وعن أبرز إنجازات الكلية خلال العقود الماضية، يوضح الأسدي أن "التطور التقني هو النقلة الأكبر، فالفنان اليوم لا يملك فرشاة فقط، بل يملك ’موبايل‘ وبرنامجاً وذكاء اصطناعياً. وإذا استمرت الكلية في تعليم الفن اليدوي فقط، فسنخسر. أما إذا جمعنا بين أصالة اليد وحداثة الرقمي، فسنصنع فناناً عراقياً ينافس فناني العالم ومن داخل هذا المبنى".

ويقول الأسدي "نحن اليوم نجلس في دار (نوري السعيد) التاريخية التي جرى تأهيلها وتطويرها بصورة كاملة عام 2023 وتحت إشرافنا. وفي ظل التحديات الحالية أجد من الخطر أن تبقى الكلية متحفاً، في وقت تملك الفرصة لأن تتحول إلى معمل إبداع. وأؤمن بأن هذا المبنى الملكي، بعد تأهيله، سيكون مصنعاً للفن العراقي الجديد"، ورأى أن كلية الفنون الجميلة داخل قصر نوري السعيد هي الدليل المادي أن "مستقبل الفن" لا يُصنع في مبانٍ زجاجية حديثة فقط، بل حين يتصالح الماضي مع الحاضر.

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة