ملخص
نايجل فاراج يخوض انتخابات فرعية في "كلاكتون" بعد تنحيه عن مقعده النيابي وسط اتهامات مالية، محاولاً تحويل الأزمة إلى مواجهة بين "الشعب" و"المؤسسة الحاكمة". الصورة القديمة للسياسي المرح الذي صنع "بريكست" تتراجع أمام نسخة أكثر غضباً وانتقامية، تجعل مستقبل حزب "ريفورم" واليمين الشعبوي في بريطانيا معلقاً بشخصه.
كثيراً ما أحب نايجل فاراج الدراما. فبعدما حشر في زاوية سياسية بسبب اتهامات تتعلق بأمواله، وتحقيق تجريه جهة الرقابة البرلمانية، لجأ زعيم حزب "ريفورم" إلى الخيار النووي وتنحى عن مقعده النيابي. وتفرض هذه الخطوة إجراء انتخابات فرعية في دائرته "كلاكتون-أون-سي"، سيخوضها فاراج بنفسه.
وفي كلمته التلفزيونية، محاطاً بأعلام المملكة المتحدة ومن دون حضور الصحافة، أعلن أن هذه ستكون "انتخابات فرعية بين الشعب والمؤسسة الحاكمة". وهنا يحاول فاراج تقديم نفسه باعتباره واحداً من "الشعب"، وهي جرأة لا تخلو من وقاحة، بالنظر إلى أن الاتهامات الموجهة إليه تتعلق بعدم إفصاحه عن تبرعات وهدايا تبلغ قيمتها ملايين الجنيهات الاسترلينية من رائدي أعمال في مجال العملات المشفرة، أحدهما مدان بالاحتيال.
وينفي فاراج ارتكاب أي مخالفة، وسيعلق التحقيق الآن، على أن يستأنف في حال إعادة انتخابه. لكن ما قد يكون أهم من أي نتائج لاحقة هو ما كشفه هذا الأسبوع بالفعل عن طباعه. فهذا هو الأسبوع الذي فقد فيه فاراج أعصابه.
فعندما حاول مراسل "سكاي نيوز" طرح سؤال عن تلك الاتهامات، صار فاراج شرساً في رده. واتهم الشبكة بمضايقة عائلته، بينما تقول "سكاي" إنها لم تتواصل مع أسرته. ولوح بإصبعه نحو الكاميرا، متوعداً بوجود "عواقب وخيمة".
شتان بين هذه الشخصية السلطوية سريعة الغضب وبين الصورة المعهودة لـ"فاراج": الرجل الذي يبتسم وهو يحتسي الجعة ممسكاً بسيجارة، ذلك الرجل الشعبي ذو النزعة التحررية والبشوش. لا شك أن فاراج هو السياسي الأكثر تأثيراً في بريطانيا خلال القرن الـ21 – إذ لولاه لما حدثت "بريكست" – لكنه بدا أيضاً، حتى الآن، الأكثر سعادة، وهاتان السمتان ليستا بمعزل عن بعضهما بعضاً.
استطاع فاراج تسويق أفكاره (التي كانت في بداياته تقع على أقصى هوامش الخطاب السياسي البريطاني)، لأنه يمتلك موهبة في جعل معسكره يبدو الطرف المرح الذي يرغب الناس في الانضمام إليه. وينبع جزء كبير من جاذبيته من أنه كثيراً ما بدا شخصاً يحب السياسة والتعامل مع الجمهور بصدق، وهي سمة لا يشاركه فيها إلا عدد قليل على نحو يثير الدهشة من السياسيين.
كان كير ستارمر يعطي دائماً انطباعاً بأن إدارة البلاد أمرٌ قبله على مضض، تحت وطأة ظروف مريرة. ولا تبدو كيمي بادينوك مستمتعة إلا حين تخوض سجالاً ثقافياً محتدماً. وحتى الشعبويون الآخرون لا يملكون متعة فاراج في السياسة، فعند مواجهة الاعتراض، سرعان ما يتحول جيريمي كوربين إلى النزق والتبرم.
في غضون ذلك، قابل فاراج صيحات الاستهجان بابتهاج، إذ بدا مسروراً بوجود من يجادلونه. ولم يبد أن عادة المتظاهرين الشائعة آنذاك، والمتمثلة في رشقه بمشروبات الـ"ميلك شيك"، قد أربكته أو عطلت مساره (وإن كانت قد حدت في نهاية المطاف من قدرته على القيام بحملته الانتخابية). وحين تعرض لحادثة تحطم طائرة خفيفة عام 2010، نجا وخرج من الحطام دون إصابات تذكر، باستثناء جرح نازف في الرأس.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ومنذ الانتخابات العامة عام 2024، التي فاز فيها فاراج بمقعد "كلاكتون"، ازدهر حزب "ريفورم" وظل يتصدر استطلاعات الرأي بوصفه الحزب الأكثر شعبية في البلاد. وعلى رغم أنه لا يملك سوى ثمانية نواب في البرلمان، فإنه يعامل فعلياً بوصفه المعارضة. غير أن هذا الصعود السلس نحو الهيمنة اصطدم بعثرة في الانتخابات الفرعية بدائرة "ماكرفيلد".
كان هذا المقعد، نظرياً، قابلاً للفوز بالنسبة إلى "ريفورم". أما عملياً، فقد دفع الحزب بمرشح محرج لم يتمكن من ترك أي أثر يذكر في مواجهة آندي بيرنهام. وكان حضور فاراج في الحملة باهتاً على نحو لافت. ربما قدر أن "ريفورم" يتجه إلى الخسارة وفضل ألا يرتبط بالفشل، أو ربما كان كونه في الـ62 من عمره، مع إفراطه في الكحول والتدخين، غير متوافق ببساطة مع جدول مكثف من جولات طرق أبواب الناخبين.
وفي الحالتين، لن تكون الانتخابات الفرعية في "كلاكتون" نزهة سهلة، بعدما تحولت إلى استفتاء على فاراج نفسه. ولن يكون اليسار وحده من يتمنى سقوطه، بل أيضاً كثر في معسكر اليمين ممن خاصموه على مر الأعوام.
فتاريخ فاراج مليء بزملاء سابقين من حملة "صوتوا للمغادرة" وحزب استقلال المملكة المتحدة "يوكيب"، لا يتحدثون عنه إلا بأسنان مصطكة من الغيظ. وبالنسبة إلى الذين يرون أنهم تضرروا بسببه، فهو انتهازي مراوغ لا يؤتمن، ولا يسعى إلا لمصلحته الشخصية. لكن حتى أكثر رفاقه السابقين إحباطاً منه يقرون، في المجمل، بأنهم ما كانوا ليحققوا ما حققوه من دونه. فالشعبوية اليمينية البريطانية هي صنيعة فاراج.
أزل فاراج من المشهد، وسيبدو "ريفورم" أقل شبهاً بمشروع مناهض للمؤسسة الحاكمة، وأقرب إلى ملجأ لمحافظين فاشلين. وقد يقول أنصار "ريفورم" إنهم سيصوتون للحزب حتى من دون فاراج، لكن يصعب تصديقهم. ويكفي النظر إلى خطاب الأحزاب الواقعة إلى يمين فاراج، مثل "ريستور بريتن"، لندرك مدى العناية التي ضبط بها فاراج نهجه لتفادي التطرف.
لكن ذلك كان فاراج القديم. ففي هذا العام، ظهرت نسخة مختلفة منه: فاراج الانتقامي، فاراج الذي دعا إلى "غضب بارد خالص" رداً على مقتل هنري نواك، وفاراج الذي أخذت البشاشة تنسحب بوضوح من ملامحه. وإذا اختار الناخبون هذه النسخة من فاراج، فسيكون المستقبل عاصفاً.
© The Independent