ملخص
تشهد الأسواق عامة، في الأعوام الأخيرة، توسعاً في نصيب المستثمرين الأفراد فيها لأسباب كثيرة، منها سهولة التداول التي توفرها تطبيقات على الهواتف من دون الحاجة إلى سمسار في البورصة.
أعلنت أكبر بورصة للمشتقات الاستثمارية في العالم، مجموعة سوق شيكاغو التجارية، عن طرح عقود نفط آجلة بنحو 10 براميل فقط، يمكن للمتعاملين الأفراد شراؤها وبيعها.
وهو ما عدته صحيفة "فاينانشيال تايمز"، في تقرير لها بالعدد الأسبوعي، "تحول سوق النفط إلى الديمقراطية" نتيجة حرب إيران، التي جعلت من أخبار النفط عنواناً مهماً في الأخبار طوال الوقت.
نتيجة تكرار أخبار النفط بصورة شبه يومية على مدى الحرب، زاد اهتمام الأفراد بسوق النفط كمجال للاستثمار والمضاربة، وبخاصة من صغار المتعاملين الأفراد في الأسواق.
وزاد الإقبال على أسهم شركات الطاقة أو أسهم صناديق التداول التي تتعامل في النفط بصورة كبيرة، إلا أن أسواق العقود الآجلة ظلت، إلى حد كبير، شبه مقصورة على المستثمرين المؤسساتيين من شركات كبرى ومصافي النفط وصناديق الاستثمار والبنوك التي تتعامل في أسواق السلع، والتي يمكنها شراء أو بيع تلك العقود المستقبلية للخام والمشتقات.
تشهد الأسواق عامة، في الأعوام الأخيرة، توسعاً في نصيب المستثمرين الأفراد فيها لأسباب كثيرة، منها سهولة التداول التي توفرها تطبيقات على الهواتف من دون الحاجة إلى سمسار في البورصة، وإغراءات المكاسب التي تفوق بكثير عائد الادخار في البنوك أو غيرها، والاستثمار في الأسهم، على رغم أخطاره العالية للمستثمرين الأفراد، يوفر فرصة تسييل المحافظ في أي لحظة.
يرجع بعض المعلقين والمتابعين لتطورات السوق استمرار الارتفاع المضطرد في مؤشرات الأسهم في الأعوام الأخيرة إلى نمو عدد المتداولين الأفراد في الأسواق.
عقود النفط الصغيرة
بنهاية أغسطس (آب) المقبل، ستطرح مجموعة سوق شيكاغو عقوداً آجلة للنفط يمكن لمتداولي التجزئة التعامل فيها بالبيع والشراء، ويكون العقد في حدود 10 براميل، أي بقيمة حالية نحو 700 دولار. جاءت خطوة المجموعة بعدما بدأت منصات تداول العملات المشفرة، مثل "هايبر ليكويد" و"بينانس"، طرح التداول في السلع للمتعاملين عليها بصورة فورية ودائمة على مدى 24 ساعة يومياً، طوال سبعة أيام في الأسبوع.
تعطي العقود الآجلة للنفط الخام والمشتقات فرصة للمتعاملين للشراء أو البيع بسعر محدد لفترة ما، بعد شهر أو أكثر (مدة التسليم)، وغالباً ما تستخدمها شركات الطاقة ومصافي النفط وشركات الطيران للتحوط في مواجهة تغيرات الأسعار، بمعنى أن تشتري عقوداً آجلة اليوم للتسليم بعد شهر أو أكثر بسعر اليوم، بغض النظر عن ارتفاع الأسعار في الفترة المستقبلية حتى موعد العقد.
في الوقت الحالي، فإن العقد الآجل للنفط والمشتقات في بورصة شيكاغو للسلع حجمه 1000 برميل، وإن كان هناك "عقد آجل مصغر" بحجم 100 برميل. ومع طرح العقود الصغيرة الجديدة بحجم 10 براميل، سيصبح التداول في سوق العقود الآجلة متاحاً للمتعاملين الصغار ومتداولي التجزئة، مما يوسع قاعدة الداخلين إلى سوق النفط.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
لكن بعض المستثمرين، ومنهم صناديق التحوط، تستخدم التداول في العقود الآجلة للمضاربة وتحقيق أرباح كبيرة (أو خسائر، طبعاً)، حسب توقعها لتحرك الأسعار في فترة العقد.
ولطالما حذر كثير من المحللين من أن التقلبات في أسعار النفط والمشتقات غالباً ما تكون نتيجة المضاربات في السوق على العقود الآجلة أكثر منها بسبب أساسيات سوق النفط من معادلة العرض والطلب.
من شأن عقود النفط الصغيرة تلك، التي ستطرح لمتداولي التجزئة من المتعاملين الأفراد، أن تزيد من تقلبات سوق النفط والتذبذب الكبير في الأسعار.
توسيع سوق تداول النفط
على رغم المخاوف من زيادة الاضطراب نتيجة توسيع سوق تداول عقود النفط الآجلة، فإن القائمين على السوق يرون في ذلك توفيراً للفرص لصغار المستثمرين من الأفراد للاستفادة من النشاط الهائل في أسواق الطاقة حالياً.
يقول رئيس قسم الطاقة في مجموعة سوق شيكاغو للسلع، بيتر كيفي، إن عدد المتعاملين في العقود المصغرة (100 برميل) ارتفع في مارس (آذار) بنحو 11 ضعفاً عن الشهر ذاته من العام الماضي 2025. وذلك، طبعاً، بسبب اضطراب سوق النفط نتيجة حرب إيران واحتلال أسعار النفط الخبر الأول يومياً. ويضيف كيفي، مبرراً طرح العقود الصغيرة، أن "هناك سعة إضافية هائلة لزيادة كبيرة (في عدد المتعاملين)، كما هو واضح".
أما محلل شؤون الطاقة المستقل ورئيس معهد أوكسفورد لدراسات الطاقة، بول هورسنل، فيقول إن هناك بالفعل "كثيراً من أموال التجزئة الإضافية" تدخل السوق النفطية. ويرى هورسنل أن ذلك ربما لعب دوراً في هبوط أسعار النفط في الأسابيع الأخيرة، على رغم استمرار أخطار الشحن في الشرق الأوسط.
ويضيف أن عقوداً بحجم 10 براميل ستكون "وجبة سائغة وسهلة" لتجار التجزئة، تسمح لهم بالانكشاف المباشر على تقلبات أسعار النفط بدلاً من شراء أسهم شركات النفط أو صناديق تداول الأسهم التي تتابع أسعار النفط.
أعلنت غالبية منصات التداول الإلكترونية، التي تتيح التعامل في السلع لعملائها، ارتفاعاً كبيراً بعدد المتداولين في النفط خلال الأشهر الأخيرة منذ بدء الحرب على إيران. تقول مجموعة "آي جي غروب" إن عدد تعاملات النفط على منصتها ارتفع بنحو سبعة أضعاف في أشهر الحرب، مقابل الفترة ذاتها من العام الماضي. وبحسب بيانات المجموعة، فإن تداولات عقود النفط شكلت نسبة 13 في المئة من إجمال التداولات على منصتها في الفترة من مارس (آذار) إلى مايو (أيار).
وفق ما ذكره كبير محللي السوق في "آي جي"، كريس بيوشامب، فإنه "مع وجود النفط في الأخبار بقوة، كان ضرورياً أن يزيد الاهتمام به".
أما منصة التداول "إي تورو"، فذكرت أن عدد عمليات تداول النفط في الأشهر الثلاثة من الحرب ارتفع بنحو 16 ضعفاً مقارنة بالعام السابق، إذ زادت المضاربات في شأن طول مدة الصراع واحتمالات نقص الإمدادات، في المقابل، تراجع التداول في الذهب على المنصة بنسبة 36 في المئة في تلك الفترة.
مع ذلك، هناك مخاوف لدى البورصات ومنصات التداول من أن يتراجع ذلك الاهتمام من المستثمرين الأفراد مع خفوت الاهتمام بالنفط وعدم احتلاله مقدمة الأخبار، إلا أن طرح العقود الصغيرة الحجم الجديدة سيفتح باباً لتوسيع قاعدة المتعاملين في النفط، ومن ثم زيادة المضاربات والتقلبات.