ملخص
قرار مفاجئ من "فيفا" بإيقاف تنفيذ عقوبة فولارين بالوغون أعاده إلى تشكيلة أميركا قبل مواجهة بلجيكا، وسط انتقادات حادة وتساؤلات متزايدة في شأن العدالة والحوكمة ونزاهة كأس العالم.
جاء القرار كالصاعقة إلى درجة أن كثيراً من لاعبي المنتخب الأميركي وأفراد جهازه الفني لم يكونوا على علم إطلاقاً بما كان يحاك خلف الأبواب المغلقة صباح أمس الأحد. وقد اعترف المدافع الأميركي كريس ريتشاردز، قائلاً "ظننت في البداية أنه خبر مولد بالذكاء الاصطناعي".
ويعني القرار الاستثنائي الذي اتخذه الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) بـ"تعليق" تنفيذ إيقاف فولارين بالوغون لمباراة واحدة، إثر طرده أمام البوسنة والهرسك، أن أميركا ستستعيد مهاجمها الأبرز في مواجهة بلجيكا ضمن دور الـ16، في وقت أكدت فيه بلجيكا أنها "مندهشة" من هذا القرار. وقبل 32 ساعة فقط من انطلاق المباراة في سياتل، تلقى المدرب ماوريسيو بوتشيتينو دفعة هائلة في مساعيه إلى بلوغ الدور ربع النهائي.
تحركات سياسية وتمهيد للقرار المثير للجدال
ويعد القرار استثنائياً لأن القضية بدت محسومة، إذ أكد (فيفا) عقب مباراة البوسنة أن المنتخب الأميركي، سواء اتفق الجميع مع القرار أم لا، لا يملك أي أساس للاستئناف على قرار الطرد أو العقوبة. لكن أول المؤشرات إلى أن تحركات ما كانت تجري على مستويات أعلى ظهرت الجمعة الماضي.
وعندما سئل وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو عن الفوز على البوسنة، قال "كان أمراً رائعاً. لكنهم تعرضوا للظلم بتلك البطاقة الحمراء. يجب أن تكون هناك آلية للاستئناف على مثل هذه الحالات. لكن ربما فات الأوان".
وكان محقاً، فقد فات الأوان بالفعل، ولا توجد آلية للاستئناف. ومع ذلك، ها نحن أمام هذا القرار. واللافت أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الذي غاب تماماً عن مباريات كأس العالم حتى الآن ولم يحضر أي مواجهة، كتب عبر منصة "تروث سوشال" عقب قرار أمس "شكراً لـ(فيفا) على فعل ما هو صائب وتصحيح ظلم أميركي كبير".
وكانت علاقة ترمب برئيس (فيفا) جياني إنفانتينو موضع حديث واسع قبل انطلاق البطولة، لكن في حين تعرض إنفانتينو لانتقادات بسبب حضوره مباراتين يومياً أياً كانت الكلفة البيئية، كان غياب ترمب لافتاً.
ومن المقرر أن يسلم الرئيس الأميركي كأس العالم للمنتخب الفائز في المباراة النهائية في الـ19 من يوليو (تموز) الجاري، لكنه حتى الآن لا يبدو مرشحاً لحضور أي مباراة قبل ذلك. وعلى عكس التوقعات، ظل حضوره محدوداً للغاية. أما الآن وبعد مرور 24 يوماً على انطلاق البطولة، فقد دخل ترمب أخيراً إلى مشهد كأس العالم.
اللائحة التأديبية وسابقة رونالدو تعيدان الجدل
وعلى رغم الجدل الواسع في شأن البطاقة الحمراء، وغياب الاتساق في تطبيق بروتوكولات حكم الفيديو المساعد، كما ظهر في عدم معاقبة ليونيل ميسي على تدخل يكاد يكون مطابقاً، كان الاعتقاد السائد أن أميركا ستضطر إلى التعامل مع غياب بالوغون. أليس كذلك؟ في الواقع، اتضح أن الإجابة هي: لا.
وتنص المادة الـ27 من اللائحة التأديبية لـ(فيفا)، وعنوانها "تعليق تنفيذ العقوبات التأديبية"، على أن "الهيئة القضائية يجوز لها أن تقرر تعليق تنفيذ العقوبة التأديبية كلياً أو جزئياً". وتضيف "يؤدي تعليق تنفيذ العقوبة إلى إخضاع الشخص المعاقب لفترة اختبار تمتد من عام إلى أربعة أعوام".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وبعبارة أخرى، هذا ما حصل عليه بالوغون الآن: عقوبة مع وقف التنفيذ. وهناك سابقة بارزة لذلك، إذ سبق أن علقت آخر مباراتين من عقوبة الإيقاف لثلاث مباريات التي فرضت على كريستيانو رونالدو بعد طرده أمام إيرلندا في تصفيات كأس العالم خلال نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، مما أتاح لقائد البرتغال المشاركة منذ بداية البطولة.
وقد تعرض (فيفا) آنذاك لانتقادات واسعة بسبب ذلك القرار، لكنه يبدو أنه لم يستخلص الدروس. فما جدوى الإيقاف إذا كان بالإمكان التراجع عنه بهذه السهولة؟ وما السابقة التي يرسخها ذلك للمستقبل؟
بلجيكا تحتج ومخاوف متزايدة على نزاهة البطولة
وعلى أرض الملعب، قد يجعل هذا القرار الأمور أكثر تعقيداً بالنسبة إلى بوتشيتينو ولاعبيه. فقد حظي المنتخب الأميركي بإشادة واسعة بسبب مستوياته وروحه الإيجابية، لكنه الآن قد يصبح الفريق الأقل شعبية بين المتأهلين، لا سيما إذا سجل بالوغون هدفاً غداً الثلاثاء.
من جانبها، أصدرت بلجيكا رداً رسمياً أكدت فيه أنها "مندهشة" من القرار.
وانتقد الاتحاد الملكي البلجيكي لكرة القدم لجوء (فيفا) إلى المادة الـ27 من لائحته التأديبية، قائلاً "يتعارض هذا القرار بصورة مباشرة مع أحكام لوائح بطولة كأس العالم 2026، كما وردت في المادة 10.5".
وأضاف الاتحاد البلجيكي "من أجل صون الحقوق المشروعة لجميع المنتخبات المشاركة، وحماية المبادئ الأساسية للعب النظيف في رياضتنا، سواء في كأس العالم الحالية أو في النسخ المقبلة من البطولة، فإن الاتحاد يدرس جميع الخيارات المتاحة".
وفي غرفة ملابس المنتخب البلجيكي، من المرجح أن يسهم هذا الموقف في توحيد اللاعبين، ويعزز لديهم عقلية "الحصار"، سعياً إلى الرد على ما يعدونه ظلماً من خلال أدائهم في الملعب.
تساؤلات حول الحوكمة وازدواجية "فيفا"
وعلى نطاق أوسع، وبعد كل الجدل الذي دار حول طريقة التعامل مع المنتخب الإيراني، وتأثير فترات التوقف لشرب المياه، وهي الآلية التي شدد إنفانتينو على أنها فُرضت لأسباب رياضية، فإن هذه الأزمة الجديدة تثير مزيداً من التساؤلات حول نزاهة المنافسات في هذه البطولة.
لكن ربما يكون أكثر ما يلفت الانتباه هو ازدواجية (فيفا). ففي وقت يكرر فيه دعواته إلى ترسيخ الحوكمة الرشيدة داخل الاتحادات الأعضاء، بل إنه يمتلك برنامجاً يحمل اسم "برنامج (فيفا) التنفيذي في الحوكمة"، فإنه لا ينجح في تبديد الشبهات المتعلقة بوجود ممارسات غير نزيهة داخل أروقته. وفي هذه القضية، بدا أن كل ما تطلبه الأمر هو "ظلم أميركي كبير".
© The Independent