ملخص
اكتمل أخيراً عدد أعضاء البرلمان مع إعلان قائمة الثلث المكمل الخاص بالرئاسة، ومعه يولد أول برلمان بعد سقوط حقبة النظام السابق، ومن المنتظر انعقاد الجلسة الأولى للمجلس في السادس من يوليو الجاري لأداء القسم وانتخاب رئيس له.
"الموافقون بالإجماع" عبارة شهيرة التصقت بالبرلمان أو مجلس الشعب السوري خلال عقود طويلة من زمن حكم عائلة الأسد، كدلالة على موافقة أعضائه المتكررة وانصياعهم لما تقرره الطبقة الحاكمة والمتنفذة في ذلك الوقت. وحين يستذكر السوريون تلك العبارة فإنها تأتي مصحوبة بالتندر، والسخرية من سلطة تشريعية ابتغى أصحابها الوصول إلى هذه المناصب طمعاً في الحصانة، أو في مكاسب لا حدود لها، وظل مجلسهم مجرد ديكور آخر همه مصلحة المواطن.
واكتمل أخيراً عدد أعضاء البرلمان مع إعلان قائمة الثلث المكمل الخاص بالرئاسة، ومعه يولد أول برلمان بعد سقوط حقبة النظام السابق، ومن المنتظر انعقاد الجلسة الأولى للمجلس في السادس من يوليو (تموز) الجاري لأداء القسم وانتخاب رئيس له.
جاء هذا التطور وسط جدل عمَّ الأوساط الشعبية. فمع بروز أصوات هللت مرحبة بولادة مجلس يمثلهم خير تمثيل ويضم وجوهاً قارعت الظلم وقاست الأمرَّين بعد اندلاع ثورة عام 2011، منها شخصيات عملت في الشأنين السياسي والعسكري، لنيل التحرر من حكم الديكتاتورية لأعوام طويلة، ارتفعت أصوات انتقدت بشدة طريقة اختيار ممثلي الشعب، بلا صناديق اقتراع يحتكم إليها الناس.
المجلس والممثلة
ولم تقتصر الانتقادات حول أسلوب التعيين كطريقة لاختيار ممثلي الشعب في مجلسهم، بل طاولت الشخصيات ذاتها أيضاً، ولا سيما التمثيل الضئيل للنساء بنسبة 21 في المئة (15 امرأة من أصل 70 عضواً)، وهكذا يرتفع عدد ممثلات مجلس الشعب إلى 22 امرأة. ومن أبرز الوجوه عائشة الدبس التي شغلت منصب مسؤولة مكتب شؤون المرأة في الإدارة السورية الجديدة، وهي أول امرأة تشغل منصباً رسمياً حينها، مثيرة جدلاً وانتقادات لتصريحاتها حول المرجعية الشرعية المرتبطة بعمل ودور المرأة، إذ صنف ناشطون وناشطات حديثها تحجيماً للمرأة السورية.
وإزاء ذلك، ومع ما أثير من انتقاد لتعيين الدباس ممثلة للشعب، كان الانتقاد الأوفر من حظ تعيين روزينا لاذقاني، والتي تتحدر من مدينة حماة وتعمل ممثلة درامية، واشتهرت في مسلسلات مثل "الهيبة" و"مربى العز" و"أولاد بديعة"، كما أنها أدت دوراً محورياً في مسلسل "غرابيب" الذي يحكي عن نساء "داعش".
وأثار تعيين الفنانة روزينا لاذقاني استغراباً حيال تاريخها السياسي والنضالي، ومدى استحقاقها مقارنةً بفنانات سوريات يمتلكن خبرة سياسية أكثر منها، مثل يارا صبري وريم العلي وغيرهما، فيما أرجع متابعون الأمر إلى اختيارها كوجه جديد لإثراء التنوع، "وكي لا يبقى المجلس بلون واحد، أو بهيمنة ذكورية" وفقاً آراء ناشطين. وعلى رغم ذلك، تبقى نسبة تمثيل النساء في المجلس 10 في المئة، لتحتل سوريا المرتبة الـ162 عالمياً من حيث مشاركة النساء برلمانياً.
في المقابل لم تخف لاذقاني، بعد الجدل الذي دام لساعات في أعقاب إعلان اسمها ضمن قائمة الثلث (المكمل)، شعورها بالقلق حيال هذه المهمة الجديدة. وقالت في لقاء تلفزيوني "كوني معيَّنة ولست منتخبة لدي كثير من الخوف والحذر لوجودي في هذه المؤسسة، وأتمنى أن أقدم ما يهم الناس".
وأضافت الفنانة السورية "في ما يخص العمل على العدالة الانتقالية وحرية المرأة والحريات العامة، سأحاول إيصال صوت الشعب وجيلي، لأنني أمام مسؤولية تستحق الدعاء أكثر من المباركة، وأتمنى أن أترك أثراً إيجابياً".
بداية المشوار
في غضون ذلك، يركز البرلمانيون الجدد على قضايا تشريعية تبدو في غاية الأهمية، ومنها تعديل المراسيم والقوانين القديمة في عهد عائلة الأسد. وترجح مصادر لـ"اندبندنت عربية" أن المجلس من المحتمل بقاؤه في حال انعقاد شبه دائم خلال فترة ولايته الممتدة لـ30 شهراً، وأن يكثف من جلساته. وعلى رغم عدم وضوح أية خطط أو برامج واضحة حتى الآن فإن الأولوية في بداية مشواره ستُعطى لإقرار تشريعات تتعلق بالعدالة الانتقالية، وكذلك قضايا المفقودين وعائلات الجرحى والقتلى.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ومع هذا، يظهر غياب أي برامج سياسية للأعضاء الجدد، ومرد ذلك إلى اللون الواحد للمجلس الذي يخلو من تمثيل شامل، دون ضم أصوات معارضة لحكومة السلطة الجديدة. ويعزو ناشطون حقوقيون غياب برامج الانتخاب التقليدية إلى التعيين الذي حدث للبرلمانيين من دون صناديق اقتراع وانتخابات مباشرة تعطي الشارع الحق في ترشيح أصحاب الكفاءة وانتخاب من يراه الأصلح لأداء هذه المهمة، علاوة عن غياب مشاركة الأحزاب السياسية.
ويؤدي حظر عمل الأحزاب السياسية بعد سقوط بشار الأسد وعدم ولادة منصات سياسية جديدة أكثر تنوعاً إلى تقييد العمل السياسي وجعله حكراً على فئة محصورة من الموالين للسلطة. ومع تعيين البرلمان، استعاد الوسط الشعبي ذاكرة كيف كانت تُجرى الانتخابات التي كان يديرها حزب "البعث" منذ عام 1963 عبر إصدار قائمة تسمى "قائمة الجبهة الوطنية التقدمية"، وهي عبارة عن تكتل مجموعة أحزاب اشتراكية تضمن لمرشحيها النجاح، ودارت أحاديث لعقود من حكم الأسد عن فساد ومحسوبيات بانتقاء أسماء تلك القائمة.
في المقابل لفت الكاتب السوري حسين الشرع النظر إلى المهام الصعبة لمجلس التشريع عبر إعادة النظر في القوانين والمراسيم، ولا سيما القوانين الاقتصادية والاستثمارية، إلى جانب إعلاء صوت القانون وتسيده ليكون في خدمة المجتمع. وأضاف في منشور له عبر حسابه الرسمي "يجب ألا يكون المجلس سوطاً مسلطاً على بعض الناس والتعالي عن الوسائل القديمة، وبخاصة موضوع متابعة القضايا الشخصية، والانزلاق نحو أدوات السقوط الحضاري وهما الرشوة والمحسوبيات".
انتخابات اللون الواحد
ويُرجع الفريق الموالي للسلطة هذه الاختيارات بأنها جاءت لتراعي كل الفئات والخلفيات العرقية والطائفية والدينية وبصورة تقدم تمثيلاً حقيقياً لهم، بينما عبر آخرون عن رغبتهم في وجود برلمان يشبههم ويلبي طموحاتهم، بعد صراع مسلح استمر لعقد ونصف العقد من الزمن.
وتبدي الحقوقية سهى العوض ارتياحها بعد انتهاء عهد مجلس "التصفيق"، بحسب وصفها، في إشارة إلى برلمان النظام السابق. وأضافت قائلة "لابد للمجلس الجديد أن يكون على مستوى المسؤولية لأننا ننتظر منه كثيراً، ويجب أن يكون هناك أثر واضح، على قدر آمال الشعب. الحاجة ملحة اليوم إلى إقرار قوانين وتعديلات أخرى".
ويتزامن انعقاد المجلس الذي يضم 210 نواب مع زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، كأول زيارة رسمية لرئيس دولة أوروبية منذ سقوط نظام الأسد قبل توجهه إلى قمة حلف الأطلسي المنعقد في تركيا. ومن اللافت للانتباه عقد الجلسة الأولى للبرلمان مع زيارة ماكرون، في رسالة على انطلاقة الدولة الجديدة.
ويصف زياد العزام هذا المجلس بـ"مجلس الشرع" وليس "مجلس الشعب" بحسب وصفه، إذ يرى أن "الشعب السوري لم يدل بأصواته بل الرئيس عيَّنه وليس منتخباً"، بينما تناقلت وسائل إعلام ما قالته الفنانة السورية الفلسطينية شكران مرتجى "مجلس الشعب السوري لا يمثل الشعب، لأنه لم يُنتخب، ولا يوجد فيه أي ممثل للجالية الفلسطينية في سوريا".
وأعلن رئيس اللجنة العليا للانتخابات محمد طه الأحمد في الأول من يوليو الجاري قائمة تعيينات الرئيس السوري أحمد الشرع التي تضم 70 عضواً، منهم 55 رجلاً و15 امرأة، بينهم خمسة من ذوي الحاجات الخاصة، إضافة إلى 13 معتقلاً سابقاً. وتوزعت القائمة المكملة بين 47 من الكفاءات العلمية، و23 عضواً من الأعيان، وحصلت محافظة حلب على أعلى تمثيل بالقائمة متضمنة 14 اسماً ضمن المحافظات الـ14 السورية، وأقلها محافظتا طرطوس والسويداء ولكل منهما عضوان.