ملخص
تركز بريطانيا في إستراتيجيتها الدفاعية الجديدة على التقنية والأنظمة ذاتية القيادة، بدلاً من الأسلحة التقليدية الكبيرة والقوات البشرية، ويعود الأمر بصورة رئيسة لأزمة مالية تضيق خيارات المملكة المتحدة في الإنفاق الدفاعي، لكن الرهان على نجاح هذا التحول قد لا يكون مضموناً، في ظل جملة من التحولات الداخلية والخارجية.
في مشهد يلخص التحول العميق الذي يجتاح المؤسسة العسكرية البريطانية، أعلنت الحكومة استثماراً غير مسبوق يتجاوز 5 مليارات جنيه إسترليني في المسيّرات والأنظمة الذاتية التشغيل، في إطار خطة يفترض أنها تترجم رؤية "المراجعة الإستراتيجية للدفاع" الصادرة في يونيو (حزيران) 2025.
لكن خلف هذا الرقم اللافت تختبئ أزمة سياسية ومالية عميقة أطاحت بوزير الدفاع نفسه، وأسهمت لاحقاً في استقالة رئيس الوزراء كير ستارمر، وسط اتهامات بأن المملكة المتحدة تتراجع عن التزاماتها أمام حلفائها في الـ "ناتو."
وتقوم الإستراتيجية الجديدة على مبدأ أساس وهو مزج المنصات المأهولة التقليدية بأعداد كبيرة من الأنظمة الآلية الأرخص كلفة والأسرع إنتاجاً، فبدلاً من التركيز حصراً على عدد محدود من السفن والطائرات والدبابات الباهظة، تتجه وزارة الدفاع نحو الجمع بين قدرات متطورة محدودة العدد، وأسراب من الأنظمة الذاتية القابلة للاستهلاك، وهذا التحول يشمل مجالات القوات المسلحة الثلاثة، فقد أعلنت الحكومة برنامجاً وطنياً جديداً لتطوير مقاتلات جوية ذاتية التشغيل، تطير جنباً إلى جنب مع المقاتلات، على أن يظهر نموذج تجريبي بحلول عام 2030، وكذلك تسعى القوات الجوية الملكية إلى إدخال نظام "ستورم شراود"، وهو مسيّرة حرب إلكترونية غير مأهولة، إلى الخدمة هذا العام.
أما برياً، فيراهن مشروع "نيكس" على تزويد قوات الجيش بعدد من الطائرات المسلحة ذاتية التشغيل، والتي تعمل بالتنسيق مع مروحيات "أباتشي"، إضافة إلى برنامج جديد للمركبات البرية غير المأهولة، وستحصل قوات الصواريخ المضادة للدروع على دعم إضافي عبر برنامج "رابستون" لتوفير مسيّرات استطلاع وهجوم من طراز "أف بي في".
أما في القوات البحرية فتبرز أكثر التحولات جذرية في الإستراتيجية البريطانية الجديدة، وهي التخلي عن مشروع المدمرة المستقبلية الكبرى لمصلحة أسطول يجمع سفناً حربية مأهولة بمركبات وغواصات ذاتية التشغيل، وتعد الغواصة الذكية "إكسكاليبر"، والتي كشف عنها نهاية العام الماضي في مدينة "بورتسموث" شمال شرقي البلاد، أحد أبرز رموز هذا التوجه، إذ تشكل جزءاً من برنامج "أتلانتيك باستيون" الذي يهدف إلى مواجهة الأسطول الروسي.
وفي سياق تطوير القوات البحرية أيضاً، ستتحول حاملات الطائرات البريطانية إلى ما تصفه الحكومة بأنه أول "جناح جوي هجين" أوروبي، يجمع مقاتلات "إف-35 بي" المأهولة مع منصات ذاتية التشغيل ومسيّرات أحادية الاستخدام، ووفق ما أعلنته الحكومة فإن هذا التحول مستوحى مباشرة من دروس حرب أوكرانيا، حيث تستخدم كييف نحو 200 ألف مسيرة شهرياً في دفاعها عن أراضيها، بينما شهدت ذروة الحرب مع إيران إطلاق نحو 700 مسيّرة هجومية يوميا من إيران، وهذه المعطيات دفعت وزارة الدفاع إلى القول إن دورات الابتكار العسكري باتت تقاس بالأسابيع لا بالأعوام.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
من الناحية المالية خصصت الحكومة أكثر من 5 مليارات جنيه إسترليني (6.6 مليار دولار) على مدى أربعة أعوام لتحويل المسيّرات، ضمن خطة استثمار دفاعي إجمالية تقدر بأكثر من 19 مليار دولار على الفترة نفسها، وكذلك رصدت وزارة الدفاع مبلغ 6.6 مليارات دولار على خمسة أعوام للأنظمة الذاتية وأسلحة الليزر، منها 5.4 مليار للأنظمة غير المأهولة، ومليار لتقنيات الليزر.
وأنشأت الحكومة أيضا هيئة "ابتكار الدفاع البريطاني" (UKDI) بموازنة سنوية لا تقل عن 534 مليون دولار، استثمرت منها أكثر 189 مليون دولار في عامها الأول في تقنيات المسيّرات ومكافحتها، شملت دعماً للغواصة "إكسكاليبر"، وطائرة هليكوبتر ذاتية القيادة كاملة الحجم لحاملات الطائرات المستقبلية.
ولا تلغي هذه الأرقام حقيقة وجود أزمة مالية إستراتيجية تحاصر خطط الدفاع البريطانية، ففي الـ 11 من يونيو الماضي، استقال وزير الدفاع جون هيلي من منصبه احتجاجاً على ما اعتبره تقاعس ستارمر ووزارة الخزانة عن تخصيص الموارد الكافية لحماية البلاد، في ظل تصاعد التهديدات، وفي رسالة استقالته حمّل هيلي الحكومة مسؤولية عدم القدرة على توفير التمويل اللازم لتنفيذ رؤية المراجعة الإستراتيجية للدفاع بالكامل، وفي اليوم نفسه تبعه في الاستقالة وزير القوات المسلحة آل كارنز، الذي عبّر عن مخاوف مماثلة إزاء المشهد الأمني المتزايد خطورة، وقد وصفت الاستقالتان بأنهما ضربة موجعة لحكومة ستارمر، في وقت كانت أصلاً تواجه أزمة قيادة داخل حزب العمال، منذ نتائج الانتخابات المحلية الكارثية في مايو (أيار) الماضي.
وتقدر الفجوة التمويلية بين ما تحتاجه وزارة الدفاع لتنفيذ خططها وما تتيحه وزارة الخزانة فعلياً، خلال عقد من الزمن، بنحو 37 مليار دولار، ويرجح أن يكون الحل لهذه الفجوة تمويلاً جزئياً يحمي البرامج النووية ويعزز الذخائر والمسيّرات، مع تأجيل أو تقليص المعدات التقليدية وأعداد الأفراد العسكريين، وهو ما قد يدفع الجيش البريطاني نحو الاعتماد أكثر على الأنظمة الذاتية، كبديل رخيص عن نقص القوى البشرية المدربة.
ولم تتوقف التداعيات السياسية لأزمة التمويل العسكري عند وزارة الدفاع، فبعد أسابيع من استقالة هيلي أعلن ستارمر في الـ 22 يونيو الماضي تنحيه عن قيادة حزب العمال، ليبقى رئيساً لحكومة تصريف أعمال حتى اختيار خليفة له، وهو ما يترك مستقبل خطة الاستثمار الدفاعي وتفاصيل تمويلها معلقاً في مرحلة انتقالية حساسة.
تفضح الأرقام جانباً آخر للأزمة، إذ تحتل المملكة المتحدة المرتبة الثالثة عالمياً في الإنفاق الدفاعي داخل حلف شمال الأطلسي (ناتو) بنحو 84 مليار دولار سنوياً، لكن حصتها من الناتج المحلي الإجمالي تروي قصة مختلفة، فبحسب أحدث تقديرات الـ "ناتو" فقد تراجع إنفاق بريطانيا الدفاعي إلى نحو 2.31 في المئة من ناتجها الإجمالي، وهي نسبة تقل عن متوسط الحلف البالغ 2.77 في المئة، بل وتقل أيضاً عن متوسط دول أوروبا وكندا.
وتتقدم على بريطانيا في هذا المضمار 13 دولة عضواً في الـ "ناتو"، بينها دول البلطيق المتاخمة لروسيا مثل إستونيا (3.42 في المئة) ولاتفيا (3.74 في المئة) وليتوانيا (4 في المئة)، إضافة إلى بولندا التي تتصدر التصنيف بنحو 4.5 في المئة من ناتجها المحلي، وتجاوزت ألمانيا، التي كانت تاريخياً أقل إنفاقاً بسبب القيود المفروضة عليها بعد الحرب العالمية الثانية، كلاً من بريطانيا وفرنسا من حيث نسبة الإنفاق إلى الناتج المحلي، بعدما رفعت حصتها من 1.16 في المئة عام 2014 إلى 2.4 في المئة عام 2025.
وتعهدت الحكومة البريطانية برفع الإنفاق إلى 2.6 في المئة من الناتج المحلي بحلول عام 2027، عبر إدراج جزء من موازنة الاستخبارات ضمن مخصصات الدفاع، وصولاً إلى هدف الـ "ناتو" الجديد البالغ 3.5 في المئة بحلول عام 2035.
لكن بعض التحليلات تشير إلى أن خطط الإنفاق الحالية، حتى مع نمو الناتج المحلي، تضع بريطانيا في مسار يقترب من 2.46 في المئة بحلول عام 2027، أي أقل من الالتزام الرسمي، وهو ما يستدعي تعديلات مالية إضافية، واستناداً إلى ذلك فيبدو الاعتماد المتنامي على الأنظمة العسكرية الذاتية ليس فقط خياراً إستراتيجياً، مستوحى من دروس أوكرانيا، بل أيضاً استجابة اضطرارية لضيق الموارد المالية، إذ توفر المسيّرات والمركبات غير المأهولة بديلاً أقل كلفة عن الأفراد والمنصات التقليدية باهظة الثمن، في وقت تعاني القوات المسلحة أصلاً نقصاً حاداً في الأفراد المدربين.
وفي المحصلة تكشف الإستراتيجية الدفاعية الجديدة عن مفارقة لافتة، وهي أن المملكة المتحدة التي تتحدث عن ثورة في اعتمادها على المسيّرات والغواصات الآلية والمقاتلات ذاتية التشغيل، تفعل ذلك في ظل أزمة موازنة أطاحت بوزير دفاعها ثم برئيس وزرائها، وفي وقت تتراجع نسبياً عن حلفائها الأوروبيين من حيث حصة الإنفاق الدفاعي من الناتج المحلي الإجمالي، وبين الطموح التكنولوجي والقيود المالية يبقى السؤال مفتوحاً: هل يكفي الرهان على الأنظمة الذاتية لتعويض فجوة تمويلية تقدر بمليارات الجنيهات؟ أم أن بريطانيا تسير نحو جيش هجين أصغر حجماً مما كانت تطمح إليه أصلاً؟