ملخص
ترافق استخدام مصطلح "حرية التنقل" مع إنشاء "برنامج الخروج الطوعي الموسع لسكان غزة"، إذ صممت الصياغة الجديدة لترتدي ثوباً حقوقياً يتماشى مع أدبيات المواثيق الدولية.
عقب اجتماعات طارئة لمجلس الأمن القومي الإسرائيلي، أقرت تل أبيب رسمياً استبدال مصطلح "الهجرة الطوعية" بـ"خطة حرية التنقل" في جميع المداولات الرسمية والاستدعاءات الدبلوماسية، إذ ترى في هذه التسمية صيغة مقبولة لدى المجتمع الدولي.
ويقول رئيس مجلس الأمن القومي الإسرائيلي شموئيل بن عزرا "رفعت أجهزة استخباراتية تقارير تؤكد فشل المساعي الدبلوماسية السابقة في إقناع دول غربية أو أفريقية باستقبال مواطني القطاع علناً، نظراً إلى رفض تلك الدول التعامل مع مشروع يصنف قانونياً كتهجير قسري".
خلال أعوام الحرب كانت إسرائيل تحاول تهجير الغزيين، لكن جميع خططها لاقت رفضاً دولياً، إذ كانت عندما تسوق للفكرة تظهرها كأسلوب تهجير، لذلك اعتمدت مصطلح "حرية التنقل" لتسهيل ترويج أفكارها.
يرى المراقبون السياسيون أن إعادة صياغة المخطط تحت لافتة "حق الحركة والعبور" تهدف بالدرجة الأولى إلى تجاوز التحفظات القانونية والدبلوماسية الدولية، عبر إضفاء طابع حقوقي وإنساني على عمليات نقل الغزيين.
وتحاول إسرائيل عند استخدام مصطلح "حرية التنقل" إيجاد صيغة تعاون مقبولة مع الدول التي توافق على استقبال الفارين من العمليات الحربية، وبهذا تكون حققت خطتها في تفريغ أرض غزة من سكانها.
مراحل تطور مصطلحات التهجير
لم تكُن فكرة تهجير الغزيين وليدة اندلاع شرارة الحرب، بل هي خطة متأصلة في أفكار اليمين الإسرائيلي، لكن الخطاب السياسي والدبلوماسي الساعي إلى تنفيذ المخطط مر بمراحل كثيرة شهدت تغييرات متعددة للمصطلحات.
فخلال مرحلة ما قبل الحرب ساد في أدبيات اليمين الإسرائيلي لعقود مفهوم "الترانسفير" التقليدي (النقل الجماعي)، وظل حبيس الأدبيات من دون تبنٍّ حكومي رسمي شامل نظراً إلى رفضه دولياً باعتباره تطهيراً عرقياً صريحاً.
ومع بدايات الحرب، تحول الطرح إلى سلوك رسمي مباشر عبر أوامر إخلاء عسكرية لشمال القطاع، رافقتها الوثيقة الرسمية المسربة لوزارة الاستخبارات الإسرائيلية التي أوصت بـ "إجلاء السكان المدنيين من غزة إلى سيناء بصورة دائمة".
وتبلور هذا لاحقاً في خطة حكومية حملت اسم "عربات جدعون" التي علق عليها وزير المالية والوزير في وزارة الدفاع بتسلئيل سموتريتش علناً بقوله إن "إسرائيل ستسيطر في النهاية على قطاع غزة بالكامل، ولن يكون هناك مفر من تهجير السكان إلى مناطق أخرى".
أما في منتصف الحرب وأواخرها، وبعدما وجدت خطط التهجير القسري رفضاً إقليمياً ودولياً، فحاولت تل أبيب تلطيف الخطاب عبر تسويق مسمى "الهجرة الطوعية"، وترجم هذا التوجه تصريح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو حين قال "مشكلتنا هي العثور على دول مستعدة لاستقبال الغزيين، ونحن نعمل على حل هذه المسألة"، لكن هذا المصطلح واجه معارضة قانونية دولية رأت أن تدمير شروط الحياة ينفي صفة الطوعية.
أما خلال المرحلة الحالية، وبعد فشل المقترحات السابقة في كسب غطاء دولي، استقر صناع القرار في تل أبيب على الصياغة المتمثلة في "خطة حرية التنقل".
وترافق استخدام مصطلح "حرية التنقل" مع إنشاء "برنامج الخروج الطوعي الموسع لسكان غزة"، إذ صممت الصياغة الجديدة لترتدي ثوباً حقوقياً يتماشى مع أدبيات المواثيق الدولية.
يقول الباحث السياسي أحمد سلمي "تستهدف هذه الهندسة اللغوية الجديدة العواصم الغربية والمؤسسات الدولية بالدرجة الأولى، فمن الناحية السياسية يصعب على الدول الأوروبية أو الإدارة الأميركية دعم مشروع يسمى ’تهجيراً‘".
ويؤكد ذلك وزير الشؤون الاستراتيجية الإسرائيلي رون ديرمر الذي أوضح أن "العالم الغربي لن يتقبل مصطلحات مثل الترحيل، لكنه سيتعامل بمرونة مع برامج تمنح الأفراد حق اختيار مستقبلهم وتسهل حركتهم نحو مجتمعات توفر لهم الاستقرار".
ويضيف أن "إعادة تقديم المشروع كتسهيل لحق الحركة يمنح الأطراف الدولية مبرراً للتعاطي مع المقترحات من دون حرج سياسي، وتحويل الجريمة الديموغرافية إلى ملف إدارة إنسانية لأزمة لجوء".
أهداف إسرائيل الخفية
وراء مصطلح "حرية التنقل" تُدار داخل المطبخ السياسي والأمني الإسرائيلي المصغر الخطط، إذ تكشف كواليس اجتماع طارئ عقده مجلس الأمن القومي الإسرائيلي برئاسة شموئيل بن عزرا، عن أن تغيير المسمى جاء كتوصية أمنية مباشرة ومحاولة متأخرة لإنقاذ قنوات الاتصال السرية التي تضررت بفعل التصريحات الفجة لوزراء اليمين.
ووفقاً لتحليلات مراكز الأبحاث السياسية ومواقف قادة اليمين الإسرائيلي، لا يرتبط الإصرار على خطة التهجير برغبة تكتيكية عابرة، بل يتقاطع مع أربعة أهداف استراتيجية عليا صاغتها النخب الحاكمة.
وأول هذه الأهداف إنهاء العبء الديموغرافي، إذ يمثل قطاع غزة بكثافته السكانية العالية هاجساً مزمناً للمؤسسة الإسرائيلية، بينما الهدف الثاني هو بسط السيطرة الأمنية المطلقة، أما الهدف الثالث فهو تفريغ غزة من الحاضنة الشعبية والمدنية للفصائل الفلسطينية، لكن الهدف الأخير تصفية القضية الفلسطينية.
وخلال تحليل لهذه الأهداف، يقول الكاتب الإسرائيلي جدعون ليفي "ما تصفه الحكومة بـ’حرية التنقل‘ ليس سوى رغبة قديمة ومتجددة في طرد الفلسطينيين من أراضيهم. تل أبيب تريد الأرض بلا سكان والتنصل من مسؤولياتها كقوة احتلال عبر تسويق الاقتلاع على أنه خيار طوعي للأفراد".
من جانبه يرى الباحث السياسي إبراهيم بركات أن "تغيير لغة الخطاب يهدف إلى عزل غزة عن سياقها السياسي كقضية تحرر وطني، وتحويلها إلى مجرد تجمع سكاني يبحث أفراده عن مخرج فردي، مما يدركه الشارع الفلسطيني الذي يربط بين مخططات التهجير وتصفية الحقوق الوطنية".
محاولات سابقة
لم تظل خطة ترحيل الغزيين من أراضيهم حبيسة الأدراج، إذ اتخذت تل أبيب خطوات عملية. ففي مطلع العام الماضي، أقر المجلس الوزاري السياسي والأمني رسمياً إنشاء "مديرية الانتقال الطوعي لسكان غزة" التابعة مباشرة لوزارة الدفاع، بهدف التنسيق مع دائرة الهجرة الإسرائيلية لتمهيد المسارات البرية والجوية لنقل الغزيين باتجاه دول ثالثة.
لكن هذه المديرية تعثرت بسبب اصطدامها بالرفض الدولي، وحينها لجأت إسرائيل إلى تسيير رحلات جوية عبر مطار رامون في أراضيها لنقل مئات الغزيين نحو وجهات مثل جنوب أفريقيا وإندونيسيا كحالات إنسانية طارئة.
ويقول الباحث في الشؤون الإسرائيلية أنس أبو عرقوب "الغاية من هذه التسمية الجديدة للهجرة هي إيجاد ثغرات صغيرة في جدار المنع الدولي واستغلال حال العوز الطبي والمعيشي الكارثي للناس داخل غزة لدفعهم نحو التوقيع على المغادرة، إذ يجري توظيف هذه الحالات الفردية كبالونات اختبار ميدانية يمكن البناء عليها وتوسيعها لاحقاً، إذا ما تراخت الضوابط الإقليمية أو الدولية".
بيئة طاردة بالأرقام
في ميدان غزة تنكشف الحقيقة إذا كانت الخطة "حرية تنقل" أو تهجير، ولغة الأرقام هي الإثبات الوحيد، إذ تشير الأمم المتحدة إلى أن إسرائيل لديها استراتيجية واضحة تعتمد على هندسة بيئة طاردة تجعل من البقاء في قطاع غزة أمراً أقرب إلى المستحيل.
وتورد البيانات الهندسية الملتقطة عبر الأقمار الاصطناعية لمركز الأمم المتحدة أن الحرب أدت إلى تدمير 80 في المئة من إجمال الوحدات السكنية في غزة، وهناك نصف مليون إنسان بلا مأوى. كذلك خرج 30 مستشفى من أصل 36 عن الخدمة بالكامل، وأيضاً تعاني غزة عجزاً يتجاوز 90 في المئة في الأدوية والمستلزمات الطبية الأساسية.
وتشير إحصاءات "اليونيسكو" إلى تدمير أكثر من 85 في المئة من المدارس والمقار الجامعية في القطاع، مما تسبب في حرمان أجيال كاملة من حقهم في التعليم للعام الدراسي الثالث على التوالي.
وتوثق التقارير الصادرة عن برنامج الأغذية العالمي ومنظمات مراقبة الجوع الدولية أن قطاع غزة يسجل مستويات كارثية من انعدام الأمن الغذائي الحاد، إذ يواجه ما يزيد على 90 في المئة من السكان شبح المجاعة الحقيقية وسوء التغذية الحاد.
يقول المستشار الاقتصادي ماهر الطباع "هذه الأرقام تمثل جوهر عملية الإكراه غير المباشر التي تمارسها إسرائيل لإفراغ غزة، عندما تمنع دخول مواد البناء وتحظر إدخال المعدات الطبية وتمنع الكهرباء والماء والتجارة، فهي تغلق الأبواب الحياتية كافة أمام السكان"، مضيفاً أن "الأرقام تثبت أن الخروج من غزة تحت وطأة هذه المعطيات لا يمكن تسميته حرية تنقل، وهذا يسقط الشرعية الأخلاقية والقانونية عن المصطلح الجديد".
من جانبها تشرح الباحثة في القانون الدولي الإنساني مروة الخضري أن "المحاكم الدولية تمتلك محددات صارمة تمنع إسرائيل من التذرع بالمصطلحات الالتفافية، بموجب المادة السابعة والثامنة من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، فإن جريمة التهجير القسري لا تتطلب بالضرورة استخدام القوة العسكرية المباشرة لطرد السكان، بل تتحقق عندما تقود التدابير القسرية التي تفرضها القوة المحتلة مثل التجويع ومنع الرعاية الطبية وتدمير البيوت، إلى خلق بيئة طاردة تعدم فيها الخيارات الحرة. بالتالي فإن كل من يغادر غزة تحت هذه الظروف يصنف قانونياً كمهاجر قسري".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
رفض شعبي للخطة في غزة
لم يغير تبديل المصطلحات من الموقف الشعبي القاطع في غزة والرافض للتهجير، ويقول الحاج مهدي "عشت النكبة في كلام أبي، واليوم يحاولون إقناعنا بأن الخروج عبر المطارات أو السفن هو حرية حركة، نحن نعلم أن الطائرة التي ستقلع بنا لن تعود أبداً، البقاء في خيمة فوق ركام بيتي أهون آلاف المرات من صعود طائرة تسلبني وطني".
من جانبه يؤكد رئيس المكتب الإعلامي الحكومي إسماعيل الثوابتة أن "أكثر من 70 في المئة من سكان غزة هم لاجئون أصلاً، والمعادلة التاريخية المطبوعة في ذهن كل عائلة غزية هي أن المغادرة تعني خسارة الهوية والأرض للأبد".
ويضيف أن "إسرائيل تحاول استغلال معاناة الناس لتمرير نكبة ثانية بثوب إنساني، لكن وعي المواطن الفلسطيني أحبط هذه المساعي، فالجميع يدرك أن الهدف من هذه الخطط ليس إنسانياً بل هو تفريغ ديموغرافي".
وتعبيراً عن رفض المخططات الإسرائيلية، خرجت مسيرات تحذر من التعاطي مع أية جهة تروج للرحيل، ويقول المنسق العام لتجمع عائلات وعشائر غزة عاكف المصري "لقد اتخذت عشائر وعائلات غزة قراراً حاسماً برفع الغطاء العشائري والقانوني عن أي فرد أو مكتب يتساوق مع مخططات إسرائيل أو يعمل كسمسار لمصلحة منظمات مشبوهة، وإذا كانت إسرائيل تروج لعملية النقل بأسلوب مقبول دولياً، فإن الشارع الغزي يرفضها بأسلوب وطني قاطع".
مواقف الأطراف
تدافع الحكومة الإسرائيلية عن "حرية التنقل" باعتبارها مبادرة لحماية المدنيين في غزة وتوفير بدائل إنسانية لهم، ويقول المتحدث باسم الحكومة ديفيد مينسر "لا نمارس أي تهجير قسري، خطة ’حرية التنقل‘ جاءت لتوفير ممرات آمنة وخيارات اختيارية للأفراد الراغبين في البحث عن مستقبل أفضل ومجتمعات مستقرة خارج نطاق العمليات العسكرية، وهي خطوة تتسق مع القوانين الدولية التي تحمي حق الأفراد في الهجرة والتحرك".
في المقابل، ترى حركة "حماس" في هذا المصطلح تلاعباً علنياً بالمفردات، ويقول المتحدث باسمها جهاد طه "ما يسمى خطة ’حرية التنقل‘ ليس سوى غطاء دبلوماسي زائف لمواصلة جريمة التطهير العرقي والتهجير القسري التي تفشل إسرائيل في فرضها بقوة السلاح. نُعد أي تساوق دولي مع هذه المكاتب والواجهات الاستخبارية مشاركة مباشرة في حرب الإبادة وتصفية القضية الفلسطينية".
أما الولايات المتحدة، فإنها تحافظ على موقف حذر يحاول موازنة الدعم لإسرائيل مع تجنب الصدام المباشر مع القانون الدولي، ويصرّح المتحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية ماثيو ميلر بأن "الولايات المتحدة ترحب بأية جهود تضمن سلامة المدنيين وحريتهم الشخصية، لكننا أبلغنا الجانب الإسرائيلي بصورة واضحة أننا نرفض أية إعادة تشكيل ديموغرافي لقطاع غزة أو تقليص لمساحته، وأن أية برامج للانتقال يجب أن تضمن حق العودة الطوعي والآمن للسكان فور توقف العمليات العسكرية، ولا يمكن قبول أية خطة تؤدي إلى لجوء دائم يهدد استقرار المنطقة".
إلا أن الأمم المتحدة ترفض المناورات اللغوية، فأعلن المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك أن "أية خطة لنقل السكان تحت مسمى ’حرية الحركة‘ تفقد شرعيتها القانونية تماماً عندما تحدث في بيئة محكومة بالحصار الجوعي وتدمير البنية التحتية والمستشفيات، والمجتمع الدولي ينظر إلى الأفعال على الأرض لا إلى المسميات السياسية، وما دام أن خيار البقاء داخل غزة مهدد بالموت، فإن أي انتقال إلى الخارج يظل تحت طائلة التهجير القسري الممنوع بموجب ’اتفاقية جنيف الرابعة‘".