ملخص
في الأحوال الطبيعية، تخضع هذه الأكياس لبروتوكول صارم يمنع ملامستها للأرض، إذ تنقل في حاويات صلبة مغلقة إلى أجهزة المايكروويف الحرارية العملاقة لتفتيتها وتعقيمها على درجة حرارة تصل إلى 143 مئوية لقتل الفيروسات.
مخلفات العمليات الجراحية وبتر الأعضاء تحولت من ملف هندسي صارم قبل الحرب، إلى سلاح وبائي فتاك.
انتهت عملية جراحية معقدة داخل غرفة العمليات بمجمع الشفاء الطبي في مدينة غزة لإنقاذ حياة مصاب، وفور مغادرة الأطباء بدأت مباشرة مهمة طواقم الخدمات الصحية والنظافة.
يجمع العامل أنور الذي يفتقر إلى أبسط أدوات الوقاية الشخصية أكياساً بلاستيكية حمراء سميكة، تحمل الشعار العالمي للخطورة البيولوجية، الكيس ممتلئ ببقايا شاش مشبع بالدماء وأنابيب قساطر مستخدمة ومخلفات بتر جراحية.
في الأحوال الطبيعية، تخضع هذه الأكياس لبروتوكول صارم يمنع ملامستها للأرض، إذ تنقل في حاويات صلبة مغلقة إلى أجهزة المايكروويف الحرارية العملاقة لتفتيتها وتعقيمها على درجة حرارة تصل إلى 143 مئوية لقتل الفيروسات.
وتعتمد تلك الإجراءات تمهيداً لدفنها كمسحوق خامل بيولوجياً في خلايا خرسانية معزولة ومبطنة داخل المكبات المركزية الرسمية، لكن اليوم يضطر العامل إلى جر هذه الحاويات عبر ممرات المستشفى المكتظة، ليلقي بها في ساحة المرفق الطبي الخلفية المحاذية مباشرة لخيام النازحين المصنوعة من القماش المهترئ.
ألعاب بيد الأطفال
تتراكم إلى جانب الخيام تلال من النفايات الطبية المعدية التي أتلفتها العوامل المناخية ونهش الحيوانات الضالة، لتكشف عن أحشائها القاتلة من أنابيب غسيل الكلى الملوثة بالسوائل ومئات الإبر والحقن الطبية المستعملة التي تبرز رؤوسها الحادة في الهواء.
على بعد أمتار قليلة يركض الطفل أحمد حافي القدمين بين ممرات المخيم الضيقة، تقع عيناه صدفة على كومة نفايات قريبة، يلمح شيئاً يلمع، إنها حقنة بلاستيكية لا تزال تحتفظ بقطرات دم جافة في أنبوبها، وإلى جوارها شريط أدوية كيماوية منتهية الصلاحية.
بالنسبة إلى أحمد وأقرانه، تحولت هذه المخلفات الطبية السامة والمعدية إلى ألعاب يعيدون اكتشافها وسط غياب المساحات الآمنة، غير مدركين أن وخزة إبرة واحدة من هذه المخلفات التي لم تمر بأية مرحلة تعقيم، كفيلة بنقل فيروسات فتاكة إلى جسده ومنه إلى المخيم بأكمله.
انهيار منظومة النفايات الطبية
تعيش غزة كارثة انهيار منظومة التخلص من النفايات الطبية، حيث تحولت أطنان المخلفات البيولوجية المعدية الناتجة من آلاف العمليات الجراحية، من ملف يدار بأعلى المعايير الهندسية، إلى سلاح بيئي فتاك يهدد بتدمير ما بقي من مياه غزة الجوفية وتحولت مستشفياتها من قلاع للاستشفاء إلى بؤر لتصدير الأوبئة.
قبل الحرب، كان قطاع غزة ينتج ما معدله سبعة إلى 10 أطنان من النفايات الطبية يومياً، تجري معالجتها والتخلص منها بطرق هندسية آمنة عبر محطات الفرز والتعقيم المركزية، بحسب بيانات سلطة المياه والبيئة الفلسطينية.
لكن بسبب العمليات العسكرية وتدفق مئات آلاف الجرحى، قفز معدل توليد النفايات الطبية الخطرة في المستشفيات والمرافق الباقية ليسجل ما بين 10 إلى 15 طناً يومياً، مدفوعاً بآلاف العمليات الجراحية المعقدة وحالات بتر الأعضاء اليومية.
الإنتاج والتخلص
هذا الارتفاع القياسي في إنتاج النفايات الطبية يقابله انهيار موازٍ في القدرة على المعالجة، إذ تشير بيانات المجالس المشتركة لإدارة النفايات إلى أن القدرة الفعلية للطواقم المتخصصة في جمع ومعالجة النفايات الطبية انحدرت لتسجل واحداً إلى 1.5 طن فقط شهرياً.
في المقابل هناك تراكم فعلي يتجاوز 25 طناً من النفايات الطبية شهرياً داخل المستشفيات والعيادات ومراكز الرعاية الأولية، وتعزى هذه الفجوة الحادة، بحسب تقارير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، إلى التدمير الكامل والتعطيل الممنهج لمحطات التعقيم المركزية بالمايكروويف الحراري.
وتعطلت محطة مواصي خان يونس التي كانت تعالج وحدها 25 طناً شهرياً، فضلاً عن منع طواقم البلديات من الوصول إلى مكبي الطمر الصحي الهندسيين الرئيسين في "جحر الديك" و"الفخاري".
وأفضت هذه المعادلة الرقمية الصادمة إلى نتيجة أجمعت عليها منظمات الأمم المتحدة، تفيد بأن أكثر من 90 في المئة من النفايات الطبية الناتجة حالياً في غزة باتت تختلط بالقمامة العادية من دون فرز أو تعقيم.
هذا الانهيار اللوجستي الكامل حوّل أطنان المخلفات البيولوجية والكيماوية من مواد روتينية للمستشفيات، إلى قنابل بيولوجية تتدفق يومياً إلى أكثر من 140 مكباً عشوائياً استحدثت بين خيام ومراكز نزوح السكان.
آليات التخلص وتغيرها بسبب الحرب
كانت إدارة النفايات الطبية في قطاع غزة قبل الحرب تخضع لبروتوكول وطني صارم تشرف عليه وزارة الصحة بالتعاون مع وكالات الأمم المتحدة والمجالس المشتركة لإدارة النفايات الصلبة، وصمم ليكون بمثابة حزام أمان بيولوجي متعدد الطبقات، يهدف إلى عزل الميكروبات والفيروسات القاتلة داخل أسوار المستشفيات ومنعها من التسرب إلى الهواء أو التربة، أو الخزان الجوفي للقطاع.
في زمن البروتوكول، كانت رحلة النفايات الطبية الحادة والمعدية تبدأ من نقطة الصفر، يقول مدير وحدة الإصحاح البيئي والسلامة في وزارة الصحة بقطاع غزة المهندس ماجد زقوت "داخل المستشفيات تبدأ عملية الفرز من المنبع، وبموجب هذا النظام كان يحظر تماماً خلط مخلفات العلاج بالقمامة العادية".
ويضيف أن "المواد الحادة كالإبر والحقن وشفرات الجراحة كانت تسقط فوراً في صناديق كرتونية صلبة ومقاومة للاختراق، بينما تجمع الأنسجة البيولوجية وبقايا الشاش المشبع بالدماء في أكياس بلاستيكية حمراء سميكة تحمل الشعار العالمي للخطورة البيولوجية".
ويتابع زقوت "ثم تُحمل إلى شاحنات صفراء مغلقة ومخصصة بيئياً تنقلها إلى خمس محطات معالجة مركزية بالمايكروويف الحراري والفرم، وتمر بعملية تحول تقني إذ تدخل في غرف ضغط مفرغة وتتعرض لأشعة مايكروويف حرارية للقضاء على الحمض النووي لأخطر الفيروسات".
ويوضح أنه بعد التعقيم، تقوم شفرات عملاقة بفرم وتفتيت هذه المواد لتحولها إلى مسحوق خامل بيولوجياً ويخلو من أية دلالة طبية أو قدرة على نقل العدوى، فيمكن التعامل معه كنفايات منزلية عادية، ثم تنقل إلى خلايا طمر صحي هندسية داخل مكب جحر الديك الرئيس.
ويبيّن زقوت أن النفايات الطبية تُلقى في منشآت هندسية مبطنة بطبقات عازلة من البلاستيك المقوى والخرسانة المسلحة متصلة بنظام أنابيب أرضي لتجميع العصارة السامة وضخها إلى محطات معالجة خاصة.
ويشير إلى أنه جرى تدمير هذا الجدار التقني الواقي كلياً بفعل العمليات العسكرية، إذ هدم القصف المباشر وعمليات التوغل البري للجيش الإسرائيلي محطات التعقيم المركزية الخمس بنسبة 100 في المئة وسحقت آليات الجمع، كذلك أخرجت مكبي الطمر الصحي عن الخدمة وحولتهما إلى مناطق عسكرية مغلقة.
في المحصلة تسببت الحرب في سحق بروتوكول فرز النفايات الطبية، فمع تدفق آلاف الجرحى يومياً قفز إنتاج المخلفات البيولوجية إلى مستويات قياسية، وباتت أطنان النفايات الطبية تخرج من غرف الجراحة بكامل خطورتها.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
أثر على الطواقم الصحية
داخل المستشفيات الباقية في غزة، لم تعُد الحدود الفاصلة بين رعاية المرضى ومصادر العدوى واضحة، إذ تحولت هذه المنشآت إلى مستودعات مفتوحة لأخطر أنواع المخلفات البيولوجية والكيماوية الخطرة.
وأدى انقطاع التيار الكهربائي وشح الوقود اللازم لتشغيل المولدات إلى توقف "أجهزة الأوتوكليف" ومحطات التعقيم الداخلية، ومن ناحية أخرى، تسبب القصف والاستهداف المباشر في تدمير المحارق الطبية الملحقة بالمستشفيات.
يقول رئيس لجنة مكافحة العدوى ناهض أبو طعيمة "الواقع الذي نعيشه يتجاوز القدرة على الاحتمال، فالنفايات الطبية تتكدس بالأطنان في ممرات وساحات المستشفى بانتظار حلول غائبة، وتلقى الإبر الملوثة بالدماء مختلطة بالضمادات المستعملة في العراء، وتتولى العوامل الجوية ونهش الحيوانات الضالة تمزيق الحاويات".
ويضيف "تفتقر الطواقم وعمال النظافة أبسط هذه التدابير الحيوية، إذ يضطر العاملون إلى حمل وجمع هذه المخلفات القاتلة بأيدٍ شبه عارية، مستخدمين قفازات قماشية مكررة الاستخدام أو كمامات واهية، ونسجل إصابات وخز مباشر بالإبر الملوثة بين الممرضين وعمال الإيراد الطبي جراء الاكتظاظ والتكدس في الممرات الضيقة".
ويؤكد أبو طعيمة أن المستشفيات أصبحت عاجزة بيئياً من الداخل، وهذا التراكم للمواد المعدية يفتح الباب على مصراعيه لانتشار وبائي مرعب لن يتوقف عند المرضى والكادر، بل سينتقل إلى آلاف النازحين.
تزحف إلى التجمعات السكنية
لا تتوقف التداعيات الخطرة لانهيار بروتوكولات التخلص من المخلفات الطبية عند عتبات المستشفيات، وتزحف ببطء إلى قلب التجمعات السكنية ومحيط خيام النازحين، وهي مساحات ترابية مفتوحة تفتقر كلياً إلى أية طبقات هندسية عازلة.
وهذا الواقع الجغرافي يعني أن الأطنان المتراكمة من النفايات الطبية تتعرض لعمليات تحلل كيماوي وحيوي تحت تأثير العوامل الجوية والأمطار، يقول الممثل الميداني لمجموعة المياه والإصحاح البيئي التابعة للأمم المتحدة في غزة طارق جاسم "تنتج من هذا التحلل مادة سائلة شديدة السُمّية والخطورة تُعرف بـ’عصارة النفايات الطبية‘ وهي مركب معقد يحوي تركيزات هائلة من الميكروبات المعدية، وتجد هذه العصارة طريقاً للنفاذ والارتشاح إلى باطن الأرض لتصل في نهاية المطاف إلى الخزان الجوفي الساحلي الذي يعتمد عليه السكان".
ويضيف جاسم "على المدى القريب، رصدت طواقمنا الميدانية قفزة وبائية حادة ومرعبة، إذ سجلت بيانات منظمة الصحة العالمية تفشياً غير مسبوق لمرض التهاب الكبد الوبائي الذي زادت معدلات الإصابة به بصورة قياسية لتسجل عشرات آلاف الحالات نتيجة تلوث المياه واختلاطها بعصارة النفايات الطبية والمنزلية".
ويوضح أن العيادات الميدانية تستقبل مئات الحالات اليومية المعقدة من الالتهابات الجلدية والطفح الجلدي الناتجة من الملامسة المباشرة للتربة الملوثة، مشيراً إلى أن المخلفات الطبية لا تختفي من التربة بل تدخل في دورة حياة الإنسان، مما يمهد لارتفاع حاد ومتوقع في حالات الإصابة بأمراض مخيفة.
داخل مخيمات اللجوء تجد الأوبئة الفتاكة ملجأ لها، وتكشف جولة ميدانية في محيط المستشفيات عن حجم المأساة، حيث تقع خيام النزوح على مسافة لا تتجاوز خطوتين من الحاويات الطبية المفتوحة.
النازحة خلود عوض تقع خيمتها على بعد أمتار قليلة من مكب نفايات طبي عشوائي وتقول "الروائح التي تنبعث من هذه الأكوام ليست عادية، إنها رائحة دماء متعفنة ومواد كيماوية تخنق الأنفاس، مع ارتفاع درجات الحرارة تحت قماش الخيمة، يتحول المكب المجاور لنا إلى مصنع للحشرات والذباب الأزرق الضخم".
وتضيف "أطفالي لا يكفون عن الحك وأجسادهم امتلأت بالدمامل والقروح الجلدية الغريبة، الخطر الأكبر هو طفلي أحمد رأيته قبل أيام يمسك مع أطفال المخيم بأنبوب بلاستيكي ملوث بالدم يسيل منه سائل أصفر فأصيب بحمى شديدة وإسهال حاد في اليوم التالي".
وتلقت منظمة الصحة العالمية تقارير ميدانية بالغة الخطورة تفيد باختلاط دماء العمليات والمخلفات الطبية غير المعالجة بالتربة المكشوفة في مناطق النزوح المكتظة، ويقول ممثل المنظمة في الأراضي الفلسطينية المحتلة ريك بيبركورن "سجلت طواقمنا بالفعل طفرة وبائية غير مسبوقة، تخطت الإصابات بالتهاب الكبد الوبائي حاجز الـ 40 ألف حالة، ونخشى من أن غياب العوازل الخرسانية في المكبات العشوائية سيمهد الطريق لتفشي أنماط أخطر من فيروسات الدم".
آليات التخلص الحالية
وأبشع ما في توقف عملية ترحيل النفايات الطبية طريقة التعامل معها، إذ تضطر الإدارات الطبية إلى المفاضلة بين ترك النفايات الطبية البيولوجية لتتراكم في الممرات الضيقة، أو اللجوء إلى الحرق اليدوي باستخدام الديزل شحيح الوفرة.
يقول مدير المستشفيات الميدانية في وزارة الصحة مروان الهمص "نعمل بأساليب بدائية تعود للعصور الوسطى لمواجهة دمار تقني شامل أحدثته الحرب، مع استحالة ترحيل هذه المواد الخطرة بفعل القيود العسكرية وتدمير الآليات، تضطر طواقمنا اللوجستية بالتنسيق مع لجان الإصحاح البيئي إلى حفر مقابر موقتة وعشوائية داخل الساحات الخلفية للمستشفيات لدفن الأعضاء المبتورة والأنسجة البشرية وبلا أية عوازل خرسانية أو طبقات واقية لمنع النفاذ للتربة".
ويضيف "نضطر مجبرين إلى حرق المخلفات البلاستيكية والطبية يدوياً بسكب الديزل في ساحات المستشفى، مما يطلق غاز الديوكسين والغازات المسرطنة التي تملأ الأجواء وتتسبب بحالات اختناق حادة للمرضى والجرحى داخل غرف العناية المركزة".
تبريرات إسرائيل
في المقابل، تقدم إسرائيل تبريرات تبعد منها المسؤولية، ويقول رئيس وحدة تنسيق أعمال الحكومة الإسرائيلية في المناطق يورام هليفي "نلتزم تسهيل وتأمين تدفق المساعدات الإنسانية والمستلزمات الطبية وشاحنات الإصحاح البيئي بانتظام".
ويضيف أن "الادعاءات التي تروج لفرض إسرائيل قيوداً تعجيزية على مستلزمات الإصحاح البيئي تتناقض تماماً مع الواقع على الأرض، فمنذ تشغيل آليات التنسيق المشتركة، وافقنا على دخول أكثر من 22 ألف شاحنة إصحاح بيئي، لكن لم يجرِ إدخال إلا 10 في المئة منها بسبب عجز مؤسسات الأمم المتحدة عن توزيع الموارد".
أما حول تضرر البنية التحتية للمستشفيات والمحارق الطبية الملحقة بها، فيشير هليفي إلى أن الفصائل الفلسطينية المسلحة اتخذت من المجمعات الطبية الكبرى والمناطق المحيطة بها أقساماً للقيادة. وبحسب هذا الموقف، فإن الاستهدافات العسكرية لم تكُن موجهة ضد المنشآت الصحية بحد ذاتها، بل طاولت البنى العسكرية الكامنة فيها، مما أدى بصورة غير مباشرة إلى تضرر النظم اللوجستية الملحقة بها كالمحارق نتيجة الانفجارات الثانوية وتكتيكات القتال داخل الأحياء السكنية.