Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

بونتلاند "وجع صومالي" جديد... هل يشبه سابقه؟

سلطات الإقليم تحظر دخول مسؤولي الحكومة الفيدرالية ومراقبون: لا توجد نيات انفصالية لكن جهات خارجية قد تستغل الخلاف لمصلحتها

تعد بونتلاند خلال تاريخها من أكثر الولايات الصومالية استقراراً، ولها وضعية تعامل خاص مع مقديشو تتسم بـ"الندية" (أ ف ب)

ملخص

ترجع الأزمة بين الدولة الفيدرالية الصومالية في مقديشو وولايتها التابعة بونتلاند إلى خلافات دستورية وأمنية بين حكومتي الطرفين في أعقاب موافقة البرلمان الصومالي الفيدرالي في الـ30 من مارس 2024 على تعديلات دستورية تمدد ولاية الرئيس والبرلمان لعام إضافي، وهو ما اعتبرته حكومة بونتلاند "انقلاباً على الدستور"، بينما رأته حكومة مقديشو إجراءً تقنياً للتحضير لانتخابات "صوت واحد لكل شخص"، بحيث تكون قيمة كل صوت مساوية لقيمة أي صوت آخر من دون محاصصة عشائرية.

ضمن حيثيات عديدة لا يزال الصومال يواجه أخطاراً تمزق نتيجة الخلاف المتكرر بين قيادات سياسية وقبلية. ومن جانب آخر يشكل القدر الجغرافي والسياسي وما تتمتع به الدولة من ثروات محط أطماع إقليمية ودولية تلقي بتأثيراتها السالبة على الواقع. فإلى أين يقود الخلاف الحالي بين ولاية بونتلاند والحكومة الفيدرالية؟ وهل تستغل أطراف خارجية ظروف الخلافات السياسية لإعادة الأزمة الصومالية إلى المربع الأول والدفع بالولاية الفيدرالية نحو الانشقاق؟

يشهد القرن الأفريقي وشرقه قدراً من التحولات المهمة ضمن ظروف سياسية ومنافسات دولية ومستجدات لا تزال تترصد أماكن الضعف لتلقي عليها تبعات التغيير في التوازنات الدولية، فما تعانيه دول وأماكن من حروب أهلية وعدم استقرار، كما يعاني السودان ويتهدد الصومال، سواء بفعل دولي مباشر أو إقليمي تابع لا ينفصل عن واقع الترصد ونقل الأزمات في عملية "الخيار الأنسب" أو "البديل الضحية". ومن ثم يأتي البحر الأحمر وخليج عدن في صميم الاستهداف ضمن المتغيرات المتوقعة في المنطقة، حيث تعطي مؤشرات الأحداث الراهنة دلالة واضحة على التحديات المقبلة التي تتهدد السواحل، على امتداداً من شرق أفريقيا إلى البحر الأحمر وخليج عدن والمحيط الهندي.

بونتلاند العشائر

تقع ولاية بونتلاند في شمال شرقي الصومال، ويحدها من الشمال خليج عدن، ومن الجنوب الشرقي المحيط الهندي، ومن الغرب "أرض الصومال" (التي أعلنت انفصالاً أحادياً - غير معترف به - عن الصومال)، ومن الجنوب الغربي إثيوبيا وولاية غلمدغ الصومالية. وتشكل بونتلاند نحو ثلث مساحة الصومال البالغة 637.657 كيلومتر مربع، ويقدر عدد سكانها ما بين 2.5 و3 ملايين نسمة وفق تقديرات المنظمات الدولية، لكن حكومة بونتلاند من جهتها تقدر السكان بـ4 ملايين نسمة بموجب إحصاء تقول إنه أجري عام 2009، ومن ثم فالتقدير الأقرب إلى الحقيقة أن عدد سكان الإقليم حالياً لا يقل عن 4.5 مليون نسمة وفقاً لعوامل الزمن والنمو السكاني المرتفع في عديد من مدن الإقليم كبوصاصو وغروي وغالكعيو، مع غياب المعلومات الدقيقة عن العرب الرُّحَّل الذين يشكلون نسبة معتبرة من سكان الإقليم.

وتسكن بونتلاند قبائل عدة، وأصول غالبية السكان ترجع إلى عشائر "دارود"، وأهمها قبيلة "ماجرتين" (مجيرتين)، وهي القبيلة الصومالية الكبرى، وتنتشر في معظم الإقليم وفي مدن غروي وبصاصو، وهناك قبيلة "دولبهانتي"، وتنتشر في منطقة سول وبعض أجزاء عين، وقبيلة "ورسنجلي" في بعض مناطق سناج والساحل الشمالي، إلى جانب ذلك هناك عشائر "ليلكاسا" و"دشيشي" و"علي سليبان" و"عثمان محمود" و"عيسى محمود".

 

وتشير الدراسات إلى أن النظام الاجتماعي في الصومال يقوم على بنية عشائرية معقدة، حيث تمثل العشائر في (القبائل الكبرى) الإطار العام، بينما تؤدي الفروع العشائرية الدور الفاعل في الحياة السياسية والاجتماعية. وضمن هذا، يكون التنافس على النفوذ والموارد غالباً بين هذه الفروع. وتعد ولاية بونتلاند مثالاً واضحاً على ذلك، حيث تشكل عشائر "ماجرتين" (مجيرتين) الغالبية السكانية، وتتمتع بنفوذ سياسي واجتماعي كبير.

يعتمد اقتصاد الإقليم على الثروة الحيوانية والثروة البحرية وامتيازات الموانئ، وتمثل مدينة غروي العاصمة السياسية، بينما تعد بوصاصو من أهم مدن الإقليم، وهي ميناء ومركز تجاري حيوي.

تاريخياً ظلت كل من مقديشو وبونتلاند مناطق تتبع كيانات سياسية وتجارية مختلفة، لكن بدأت العلاقة السياسية المباشرة مع قيام الدولة الصومالية الحديثة عام 1960 بعد استقلال الصومال، كعلاقة بين حكومة اتحادية وولاية تابعة، لتشهد تعاوناً أحياناً وخلافات كذلك حول تقاسم الصلاحيات والموارد وبعض الجوانب السياسية كالانتخابات وغيرها.

في عام 1998 أثناء ظروف الحرب الأهلية وانهيار الحكومة المركزية في الصومال أعلنت بونتلاند عن تبنيها نظام الحكم الذاتي لتنعم باستقرار سياسي مقارنة بغيرها من المناطق الصومالية، وتعد بونتلاند خلال تاريخها من أكثر الولايات الصومالية استقراراً، ولها وضعية تعامل خاص مع مقديشو يتسم بـ"الندية" نظراً إلى واقعها التاريخي وقوة نفوذها كولاية ذات نسيج قبلي منسجم ومتعاون، ومن أهم ما يميزها حرصها على وحدة الصومال كدولة فيدرالية مقارنة بجارتها الغربية "أرض الصومال" التي اعلنت استقلالاً من طرف واحد في الـ18 من مايو (أيار) عام 1991.

الجذور والعامل الخارجي

ترجع الأزمة بين الدولة الفيدرالية الصومالية في مقديشو وولايتها التابعة بونتلاند، إلى خلافات دستورية وأمنية بين حكومتي الطرفين في أعقاب موافقة البرلمان الصومالي الفيدرالي في الـ30 من مارس (آذار) 2024 على تعديلات دستورية تمدد ولاية الرئيس والبرلمان لعام إضافي، وهو ما اعتبرته حكومة بونتلاند "انقلاباً على الدستور"، بينما رأته حكومة مقديشو إجراءً تقنياً للتحضير لانتخابات "صوت واحد لكل شخص"، بحيث تكون قيمة كل صوت مساوية لقيمة أي صوت آخر من دون محاصصة عشائرية.

رداً على ذلك أعلنت بونتلاند في الـ31 من مارس 2024، سحب اعترافها بالحكومة الفيدرالية موقتاً، وكذلك أعلنت "استقلالاً إدارياً" إلى حين التوافق على دستور يعرض على استفتاء تشارك فيه بونتلاند.

ازدادت الأزمة تعقيداً عندما اعترفت مقديشو رسمياً بإدارة "أس أس سي – خاتمو" في منطقة سول المتنازع عليها، والتي تطالب بها بونتلاند أيضاً، مما مثل تعكيراً في أسس النظام الفيدرالي.

وعلى رغم التصعيد الحالي غير المسبوق، فإن الانفصال خيار غير وارد، بخاصة لدى السياسيين والزعاماًت الفاعلة، لما تمثله بونتلاند من وزن سياسي وقبلي يهمه في الأساس وحدة الصومال. وعلى رغم الأزمة المتفاقمة أكدت الولاية تمسكها بوحدة البلاد في إطار الخيار الفيدرالي.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

يأتي هذا ضمن ظروف تحث على الحذر من تدخلات أطراف دولية وإقليمية تؤثر في المشهد بأدوار سالبة، في مقدمها دولة الإمارات عبر تمددها في المنطقة، فبينما تسعى الحكومة الفيدرالية لإلغاء اتفاقات الموانئ (بوصاصو، بربرة، كيسمايو) مع الإمارات بدعوى "خرق سيادة الدولة الصومالية"، تتمسك بونتلاند بهذه الاتفاقات وتعتبرها ضرورية لأمنها وتنميتها.

على مستوى آخر، يعد الحضور الإسرائيلي في المنطقة بعد اعتراف إسرائيل بـ"أرض الصومال" الانفصالية في ديسمبر (كانون الأول) 2025 وتبادل السفراء والزيارات لمسؤولي الجانبين، وآخرها زيارة رئيس "أرض الصومال" عبدالرحمن محمد إلى تل أبيب في يونيو (حزيران) الجاري، أمراً مهدداً لا يقتصر خطره على بونتلاند وحدها، بل على وحدة الدولة الصومالية في العموم.

يرى الكاتب المتخصص في قضايا القرن الأفريقي حسن مكي محمد أحمد أن "القرن الأفريقي ليس مجرد منطقة نزاعات، بل حلقة الوصل بين العالم العربي وأفريقيا، لذلك فإن استقراره ينعكس مباشرة على أمن البحر الأحمر والأمن القومي العربي"، مؤكداً أن التنافس الدولي على المنطقة ازداد بسبب موقعها الاستراتيجي، مما جعلها ساحة لصراع النفوذ بين القوى الإقليمية والدولية. ويلفت إلى أن الأزمات الداخلية في دول القرن الأفريقي كثيراً ما تتحول إلى أزمات إقليمية بسبب الترابط الجغرافي والسكاني، مما يشير إلى خطورة الأوضاع".

ذاكرة الصومال

يجمع التاريخ الوسيط على أن منطقة الساحل الصومالي حفلت بحقائق دالة على عراقة هذه المناطق ودورها السياسي والاجتماعي الذي يمثل الحاضر امتداداً له، ويبرز الإنجازات الحضارية والدور الريادي الذي لعبته الصومال، ولا يسقط أيضاً الإخفاقات وحجم التآمر الذي ظلت تتعرض له. فقد تبوأت بلاد الزيلع (الصومال) مكانة ريادية على سواحل البحر الأحمر وخليج عدن منذ القدم، وفي العصر الوسيط (القرنين الرابع والثامن الهجري - العاشر والرابع عشر الميلادي) ازدهرت على طول الساحل الأفريقي مدن إسلامية شبهت بالعقد المنتظم، وضمت كلاً من سواكن وزيلع وبربرة (في الشمال)، ومقديشو (في الجنوب)، ومصوع (في أقصى الشمال).

وزيلع على وجه الخصوص مدينة عريقة، وهي إحدى أقدم الموانئ التاريخية في منطقة القرن الأفريقي، وتقع على ساحل خليج عدن قرب الحدود مع جيبوتي، وكانت عبر قرون طويلة بوابة تجارية رئيسة تربط بين شرق أفريقيا وشبه الجزيرة العربية والهند، وأدت دوراً مهماً في نشر الإسلام في القرن الأفريقي، وذكرت في كتاب "البلدان" للمسعودي، كما مر عليها ابن بطوطة والمقريزي، ولا تزال بلدة زيلع تحتفظ باسمها حتى الآن، وهي ضمن إقليم أودال في المنطقة التي تديرها "أرض الصومال"، وتمثل غالب المدن المشار إليها اليوم ولايات ساحلية صومالية، كما كانت منافذ رئيسة للهجرة والحركة من الجزيرة العربية إلى شرق أفريقيا (القرن الأفريقي)، امتداداً إلى الهضبة الحبشية عبر مناطق قبائل البجة والعفر.

 

وفق ما يشير المؤرخ رجب محمد عبدالحليم، فقد "كان هذا التداخل يتم من طريق الهجرات العربية القادمة من منطقة عمان وحضرموت واليمن وبلاد الحجاز، أو نتيجة للعلاقات التجارية التي لم تنقطع طوال العصور التاريخية بين بلاد العرب ومنطقة القرن الأفريقي وساحل شرق أفريقيا بصفة عامة، وكانت ظروف الدول الإسلامية وأوضاعها السياسية تساعد على تدفق الهجرات العربية إلى منطقة القرن الأفريقي وساحل شرق أفريقيا نتيجة لصراع الأحزاب والجماعات السياسية التي كانت تقاتل بعضها بعضاً كالعلويين والأمويين والزبيريين والعباسيين والخوارج، وكان العرب على علم ببلاد الحبشة ومعرفة بأهلها بسبب العلاقات التجارية والسياسية التي كانت موجودة بينهما قبل الإسلام، وازدادت توثقاً بعد ظهوره".

ويشير عبدالحليم إلى انتشار المراكز الإسلامية (الوجود العربي) في المناطق المحيطة بالهضبة الحبشية، وتطورها إلى ممالك وسلطنات، وما كانت تمتاز به من الحرص على توافر السلام والأمن اللازمين لنشاط التجارة، والغيرة والتنافس مع جهات إقليمية منافسة (في وسط الهضبة وشمالها) نظرت إلى تلك الممالك والسلطنات نظرة خوف وتهديد لها. أدى ذلك إلى اندلاع الصراع بين الفريقين، فكانت حروب بينهما استمرت طوال العصور الوسطى، وسارت الأوضاع في تقلباتها ضمن ظروف تداخلات المصالح وأطماع القوى الخارجية ردحاً من الزمن، لتتجدد الآن في ما يعرف بأزمة القرن الأفريقي، حيث يمثل الصومال حضوراً رئيساً بجميع جوانب التحدي الذي يستهدف المناطق الساحلية.

أبعاد الأزمة

يقول الكاتب الجزائري حفيظ صواليلي "لم يعد القرن الأفريقي مجرد بقعة جغرافية تعاني ويلات الحروب والفقر، بل تحول إلى واحدة من أهم ساحات التنافس الجيوسياسي في العالم، وهو ما يمكن تفسيره بنظرية "الجغرافيا السياسية" التي ترى أن موقع الدولة هو قدرها الاستراتيجي، فمن خلال إشرافه على مضيق باب المندب، وهو أحد أخطر الممرات المائية في العالم، أصبح هذا الإقليم بمثابة "بوابة" تتحكم في تدفق التجارة العالمية والطاقة وليس مجرد "ممر" تعبر منه. هذا التحول يعكس ما يسمى في الأدبيات الاستراتيجية بـ(أهمية النقاط الحرجة)، حيث يتحكم موقع جغرافي ضيق في مصير اقتصادات بأكملها، مما يجعل الإقليم ينتقل من كونه هامشياً إلى محور مهم في المعادلات الدولية. هذا التحول لم يأتِ من فراغ، بل نتاج تقاطع عوامل رئيسة هي: الأهمية الجيواستراتيجية للممرات المائية وربطها بأسواق الطاقة، والهشاشة الداخلية للدول التي تتحكم في هذه الممرات، مما يجعلها ساحة للنفوذ الخارجي والتنافس العالمي والإقليمي المحتدم، الذي يحول الإقليم إلى مسرح للصراعات بالوكالة".

ويضيف "تأتي أهمية القرن الأفريقي من موقعه الفريد كحارس جنوبي للبحر الأحمر، حيث يلتقي المحيط الهندي بالبحر الأبيض المتوسط عبر قناة السويس، ولكن الفارق الجوهري الذي يرفع من قيمة الإقليم هو قدرته على التحكم في هذا الممر وليس فقط المرور منه. فمضيق باب المندب، الذي لا يتجاوز عرضه 30 كيلومتراً، هو بمثابة صمام أمان للاقتصاد العالمي. ويعبر المضيق نحو 12 في المئة من التجارة العالمية، و30 في المئة من حركة الحاويات، إضافة إلى ملايين البراميل من النفط والغاز يومياً. في المقابل، فإن أي اضطراب يؤدي إلى تحويل السفن حول رأس الرجاء الصالح، مما يضيف ما بين 10 أيام و14 يوماً للرحلة، ومليون دولار إضافي من كلف الوقود، من هنا ترتبط مصالح الدول المتقدمة (أوروبا وآسيا) بأمن منطقة نائية وغير مستقرة، وأي هزة في هذا المضيق لا تؤثر في الصومال أو اليمن فحسب، بل تمتد إلى رفوف المتاجر في أوروبا وخطوط الإنتاج في آسيا، مما يجعل تدويل الأزمة أمراً حتمياً، كون الأمن الجماعي يتحقق بتضافر الجهود لحماية المصالح المشتركة".

 

ويتابع "لا يمكن فهم الصراعات في القرن الأفريقي من دون العودة إلى جذورها التاريخية. فوفقاً للنظرية البنائية في العلاقات الدولية، فإن الهويات والمصالح ليست ثابتة، بل تتشكل عبر السياق التاريخي والاجتماعي. وقد أدت الحدود الاستعمارية المصطنعة دوراً رئيساً في تفتيت النسيج الاجتماعي للقبائل والعشائر، مما أنتج دولاً هشة تفتقر إلى الهوية الوطنية الجامعة، ويمثل الصومال النموذج الأكثر دراماتيكية. فالحرب الأهلية وتداعيات حرب أوغادين مع إثيوبيا أدت إلى انهيار الدولة المركزية، وغياب السلطة حول التنافس القبلي التقليدي (على المياه والمراعي) إلى محرك رئيس للاستقطاب والعنف، وحتى النظام الفيدرالي الذي أقر عام 2012، على رغم أنه حل نظري، فإنه عمق الأزمة حين جعل الولايات الإقليمية (القبلية) تتفوق على الحكومة المركزية، ودخلت في اتفاقات أمنية واقتصادية مباشرة مع قوى خارجية كالإمارات وكينيا، وهو ما يسمى (دبلوماسية الولايات) التي تقوض السيادة الوطنية، فضلاً عن بروز قضية الإقليم الانفصالي (صوماليلاند)".

تطورات متصاعدة

الأزمة بين مقديشو وغروي اتخذت في الآونة الأخيرة بعداً أكثر خطراً بعد إعلان سلطات إقليم بونتلاند حظر دخول أو نشاط أي مسؤولين أو قوات أمنية تابعة أو مرتبطة بالحكومة الفيدرالية الصومالية داخل أراضيها، وذلك وفق ما أوردته وسائل إعلام محلية نقلاً عن بيان صادر عن وزارة الأمن في الإقليم.

وقال بيان أصدرته سلطات بونتلاند في الـ24 من يونيو، إن لديها معلومات في شأن ما وصفته بـ"خطة منسقة واسعة يعتقد أنها تضم أطرافاً مرتبطة بالحكومة الفيدرالية وبمشاركة أربع دول أجنبية، وتهدف إلى تسليح مجموعات محلية، من بينهم سياسيون ومسؤولون سابقون، بما قد يسهم في تأجيج التوترات العشائرية وتهديد الاستقرار في الإقليم".

وأضاف البيان أن "هذه التحركات تستهدف، بحسب تقدير سلطات الإقليم، إضعاف الإدارة الإقليمية برئاسة سعيد عبدالله دني، وتقليص نفوذها السياسي في ظل الخلافات المستمرة مع الحكومة الفيدرالية في مقديشو حيال تقاسم السلطة والترتيبات الدستورية وإدارة الموارد".

وفي ظل تصاعد التوتر السياسي والأمني في بونتلاند، أعرب مجلس سياسيي وعلماء الإقليم في بيان "خاص" عن قلقهم إزاء الأوضاع الراهنة، داعياً إلى حماية مؤسسات الدولة والحفاظ على التماسك الاجتماعي والسلم الأهلي. واتهم المجلس إدارة رئيس الإقليم سعيد عبدالله دني بالإسهام في تفاقم الأزمة السياسية والأمنية، مشيراً إلى ما وصفه بإساءة استخدام السلطة ومخالفة الدستور والقوانين المحلية وتغيير الإجراءات القانونية، بما انعكس سلباً على العملية السياسية وأضعف الثقة العامة. ودان المجلس ما وصفه بتدخلات الحكومة الفيدرالية في الشؤون الداخلية للإقليم، محذراً من تداعياتها على الاستقرار.

في المقابل، تعتبر سلطات بونتلاند أن هذه التطورات تعكس استمرار محاولات التأثير في التوازنات السياسية داخل الولايات الفيدرالية.

الفرق بين بونتلاند صوماليلاند

يقول الكاتب المتخصص في القضايا الصومالية فرحان حرسي إن "إقليم بونتلاند ليس انفصالياً، وإنما لديه حضور قوي في مسيرة بناء الدولة الصومالية، إذ تأسس في ظل الاحتراب والفوضى القبلية عام 1998، وعلى أساسه تشكلت بقية الحكومات الولائية التي أقرها الدستور الفيدرالي للجمهورية الصومالية. وعادة ما تكثر المناكفات السياسية بين مقديشو وغروي، وبخاصة في كل فترة رئاسية جديدة، إذ تشتكي الحكومة الفيدرالية من تعاظم دور الولاية وتدخلاتها في الشؤون الفيدرالية التي هي مسؤولية فيدرالية بحتة، لكن بونتلاند ترى أن لها دوراً وازناً يخول لها المشاركة في اتخاذ بعض القرارات، أو أن يكون لها نصيب الأسد في التشكيلة الحكومية أو المشاريع التنموية. فقبل اكتمال بقية الحكومات الولائية كانت بونتلاند تتمتع بدور بارز، وكانت الحكومات الفيدرالية تحسب لها ألف حساب، وكانت الخلافات السابقة بين الولاية والحكومة الفيدرالية تحل سريعاً، لكن الخلاف الحالي امتد لفترتين رئاسيتين من ولاية الرئيس فرماجو إلى الرئيس حسن شيخ محمود".

ويتابع فرحان "في تقديري أن الخلاف الجديد يرتكز على طموح شخصي من سعيد دني، رئيس وقائد الولاية، نتيجة فشله في الترشح للرئاسة الصومالية، إلى جانب الانقسامات بين الزعماء السياسيين في بونتلاند بين الفيدرالية والولاية، فضلاً عن التعديلات الدستورية التي أجراها البرلمان الصومالي على الدستور الانتقالي، مع عامل قرب موعد الانتخابات الرئاسية..".

من جهته، يقول الناشط في المنظمات الإنسانية عادل عبدالماجد إن "بونتلاند فرقها واضح عن صوماليلاند، فموقفها الرسمي يطالب بالانفصال الإداري (فيدرالية حقيقية) وليس الاستقلال، وبيانها في مارس 2024 جاء كورقة ضغط سياسية رداً على التعديل الدستوري، وينص على تعليق التعاون مع مقديشو إلى حين وجود دستور توافقي، وليس إعلان دولة، وحتى إعلامها كان يستخدم عبارة "الانفصال الإداري" لتخويف المركز من دون أن يقطع جسر التواصل معه نهائياً".

 

يؤكد عبدالماجد أن "بونتلاند لن تنفصل فعلياً لأسباب ثلاثة هي: التاريخ والهوية، فبونتلاند هي التي أسست الحكومة الفيدرالية الانتقالية عام 1998، ومشروعها من البداية كان "صومال فيدرالي" وليس دولة جديدة. ثانياً، أي توجه نحو انفصال لن يجد دعماً مباشراً، ولا توجد دولة في العالم تدعم انفصال بونتلاند. ثالثاً، الكلفة الأمنية، فالانفصال يعني نشوب حرب مع مقديشو، ومن ثم فراغ تستغله الجماعات الإرهابية، إضافة إلى خسارة التمثيل الدولي باسم الصومال.

ويتابع "مع ذلك يمكن أن يظل شبح الانفصال قائماً إذا فرضت مقديشو التعديلات الدستورية بالقوة، أو حاولت التدخل العسكري لإسقاط حكومة بوصاصو. وبالتأكيد هناك أطراف خارجية تستغل ظرف "الانفصال الإداري" لبونتلاند لإعادة خلط الأوراق في الصومال، فالخلاف بين مقديشو وبوصاصو يعد بيئة مثالية لأية دولة تبحث عن نفوذ أو قاعدة أو موطئ قدم، وموقع الصومال الاستراتيجي محفز على ذلك، فهي المتحكم في مضيق باب المندب إلى جانب امتلاكها مسافة 3300 كيلومتر على ساحل البحر".

ويضيف أن "من الخطورة بمكان تحويل الأزمة من خلاف دستوري إلى حرب بالوكالة وإطالة أمد الأزمة، فبدلاً من أن يجلس الصوماليون للحل ينتظر كل طرف تعليمات الراعي الإقليمي لإفشال أية وساطة محايدة، فإذا كان الوسيط تركياً أو إماراتياً أو مصرياً فسيشك فيه الطرف الآخر ويعطل الحوار. هذا الاحتمال يجعل (حركة الشباب) و(داعش) أكبر المستفيدين من هذا الصراع، فكلما انشغلت مقديشو ببوصاصو تتمدد (الشباب) في شبيلي الوسطى وجوبا، و(داعش) في جبال بونتلاند"، مؤكداً أن "ما يحدث حالياً في الصومال ليس أزمة عابرة، بل فرصة ذهبية لأطراف إقليمية لإعادة رسم نفوذها في البحر الأحمر، الممر المائي الدولي المهم جداً، إذ يغذي كل طرف خارجي الطرف الصومالي الذي يخدم أهدافه، حتى إذا كان الثمن هو بقاء الصومال بلا دولة موحدة، والسؤال الملح: هل النخب الصومالية قادرة على أن توقف لعبة المحاور قبل أن تتحول بونتلاند من ورقة ضغط إلى دولة أمر واقع؟".

مزيد من التعقيد

الباحث المتخصص في شؤون القرن الأفريقي عمار العركي يذهب إلى أن "الخلاف الحالي بين بونتلاند والحكومة الفيدرالية يقود إلى مزيد من التعقيد في المشهد السياسي الصومالي المعقد أصلاً، لأنه ليس بخلاف عابر يتعلق بملف إداري أو دستوري فحسب، بل يمس جوهر العلاقة بين المركز والأقاليم ومستقبل النظام الفيدرالي. وإذا لم يتم احتواء الأزمة عبر الحوار والتوافق فقد تتجه بونتلاند إلى توسيع مساحة دائرة استقلالية قرارها السياسي والأمني الحالية، من دون أن يصل ذلك التوسع إلى درجة إعلان الانفصال".

ويضيف "في هذه الأجواء يظل احتمال استغلال واستثمار الأطراف الخارجية وارداً بقوة، فمن جهة ثمة بعض الأطراف الخارجية الفاعلة في الخلاف، ومن جهة أخرى أصبح الصومال، من قبل هذا الخلاف، ساحة تنافس إقليمي ودولي بسبب موقعه الاستراتيجي وإطلالته على أهم الممرات البحرية، فضلاً عن أهمية موانئه، بالتالي فإن أية مؤشرات فراغ أو بوادر انقسام داخلي ستوفر الفرصة المنتظرة لبعض القوى الخارجية لتعزيز نفوذها ودعم أطراف بعينها بما يخدم مصالحها خصماً من مصالح ووحدة الصومال، مما قد يؤدي إلى تعميق الأزمة وإعادة إنتاج النسخة السابقة للصومال المأزوم بالحروب بعدما تعافى".

ويعتقد العركي أن "احتواء الخلاف داخلياً بالحوار والتوافق الصومالي يظل الخيار الأكثر أهمية وواقعية للحفاظ على وحدة وتماسك الدولة الصومالية، ومنع توظيف الأزمة الداخلية في صراعات وتنافسات خارجية".

الأستاذة الجامعية المتخصصة في القضايا الأفريقية نجلاء مرعي ترى أن مستقبل الخلاف بين ولاية بونتلاند والحكومة الفيدرالية الصومالية يرتبط بدرجة كبيرة بقدرة الطرفين على إدارة الخلافات السياسية ضمن إطار مؤسساتي بدلاً من تحويلها إلى صراع مفتوح حول الشرعية والنفوذ. فالتصعيد الحالي لا يمثل مجرد خلاف إداري بين حكومة مركزية وإقليم، بل يعكس إشكالية أعمق تتعلق بطبيعة النظام الفيدرالي الصومالي وحدود صلاحيات كل طرف.

وتضيف "من جهة، يحمل استمرار التصعيد أخطاراً حقيقية على وحدة الدولة الصومالية، إذ قد يؤدي إلى تعميق الانقسامات الداخلية وإضعاف الثقة بين الحكومة الفيدرالية والولايات، بخاصة إذا تحولت الخلافات الدستورية والسياسية إلى مواجهة سياسية أو أمنية، إضافة إلى أن استمرار القطيعة بين بونتلاند والمركز قد يخلق فراغاً تستفيد منه القوى المناهضة لبناء الدولة، وعلى رأسها الجماعات المسلحة، التي قد تستغل ضعف التنسيق بين المؤسسات الصومالية لتعزيز نفوذها".

وتتابع "في المقابل، لا يعني ذلك أن الأزمة متجهة بالضرورة نحو الانفصال أو انهيار النظام الفيدرالي، إذ ما زالت فرص الاحتواء قائمة عبر الحوار السياسي والتسوية الدستورية. ويمكن معالجة الخلاف من خلال إعادة تعريف العلاقة بين المركز والأقاليم، وتطوير آليات واضحة لتوزيع الصلاحيات والثروات، وضمان مشاركة الولايات في القرارات الوطنية الكبرى. فالنظام الفيدرالي في الحال الصومالية يحتاج إلى توافق سياسي مستمر أكثر من اعتماده على القرارات الأحادية، بالتالي فإن السيناريو الأكثر احتمالاً يرتبط بقدرة الطرفين على الوصول إلى تسوية، فإذا غلب منطق التفاوض يمكن أن يتحول الخلاف إلى فرصة لإعادة تنظيم العلاقة بين الحكومة الفيدرالية والولايات، أما إذا استمر التصعيد فقد يصبح عاملاً جديداً في إطالة الأزمة السياسية الصومالية".

وتشير الأستاذة الجامعية إلى أنه "لا يمكن فصل الخلاف الداخلي الصومالي عن البيئة الإقليمية والدولية المحيطة، إذ يمثل الموقع الجغرافي للصومال أهمية استراتيجية كبيرة لإشرافه على أحد أهم الممرات البحرية العالمية، إضافة إلى ما يمتلكه من موارد محتملة في مجالات النفط والغاز والثروة البحرية. وقد جعل ذلك البلاد محل اهتمام قوى إقليمية ودولية تسعى إلى تعزيز نفوذها السياسي والاقتصادي والأمني في منطقة القرن الأفريقي. من ثم فإن ضعف الدولة والانقسامات الداخلية قد توفر فرصاً لبعض الأطراف الخارجية للتأثير في مسار الأزمة بما يخدم مصالحها، فضلاً عن أن التنافس الإقليمي في منطقة القرن الأفريقي قد يؤثر في الديناميات الداخلية الصومالية، حيث تسعى بعض الدول إلى حماية مصالحها المرتبطة بالأمن البحري، ومكافحة الإرهاب، والنفوذ الاقتصادي. وقد يؤدي ذلك أحياناً إلى ترسيخ الانقسامات بدلاً من دعم بناء مؤسسات الدولة، إذا تم التعامل مع الأطراف الصومالية باعتبارها أدوات لتحقيق مصالح خارجية".

وتوضح نجلاء "مع ذلك، فإن العامل الخارجي ليس وحده المسؤول عن استمرار الأزمة، فالعامل الأساس يبقى داخلياً ويتمثل في ضعف التوافق السياسي، وعدم حسم العلاقة بين المركز والأقاليم، واستمرار تأثير الانتماءات القبلية في المجال السياسي. فالأطراف الخارجية تستطيع استغلال الانقسامات القائمة، لكنها لا تستطيع خلقها من دون وجود بيئة داخلية تسمح بذلك".

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير