ملخص
لا يمكن الحديث عن النسخة السورية الجديدة من مسرحية "قصة حديقة الحيوان" إلا مع الأخذ بالاعتبار الشرط الفني الجديد للعرض، تحديداً الاقتباس الحر الذي أجراه الشقيقان أحمد ومحمد ملص عن نص الكاتب الأميركي إدوارد ألبي (1928-2016).
عمد الشقيقان ملص، مخرجا العرض وبطلاه إلى إنجاز إسقاط لافت على واقع بلادهما، فللعام الثاني على التوالي بعد سقوط نظام الرئيس السابق بشار الأسد، يعود الشقيقان السوري من مكان إقامتهما في باريس لإحياء "مسرح الغرفة". التجربة التي أطلقاها عام 2009 من بيتهما في حي العدوي في دمشق، ما زالت تشهد إقبالاً منقطع النظير بعيداً من رقابة المسارح الرسمية.
تتناول "قصة حديقة الحيوان" كما بات معروفاً، حياة كل من شخصيتي "بيتر" و"جيري". الأول يمثل رجل الطبقة الوسطى الذي يعيش حياته بهدوء مع زوجته وابنته، برفقة قطة وببغاء، ويرتاد الحديقة لقراءة الكتب. أما الثاني فيجسد قصة معقدة لشاب متشرد تمتلئ حياته بخيبات متتالية، منذ أن وجدوا جثة والدته ملقاة في مكب للنفايات. في النسخة السورية التي حملت عنوان "حديقة الحيوانات" ينقلب بيتر إلى يسار (محمد ملص) وجيري إلى عبدالناصر (أحمد ملص). الرجلان اللذان يلتقيان عند مقعد حديقة من حدائق دمشق، يجهدان في إيجاد تواصل تزيده اللغة صعوبة وتشويشاً.
نلاحظ هذا التمايز بينهما منذ اللحظة الأولى، فيسار كاتب مسرحي كان قد تعرض للاعتقال في عهد الأسدين الأب والابن، وقضى سنوات طويلة في سجن تدمر العسكري. أما الثاني فيعيش حياة شاب متشرد بعد انفصال أبويه، تزوج والده الذي يعمل في الاستخبارات من راقصة في ملهى ليلي، ثم قضيا معاً في حادثة سيارة مفخخة، فيما طردته والدته طفلاً إلى الشارع، وتزوجت هي الأخرى من ضابط، لتجدهما الشرطة بعد فترة من الزمن مقتولين في شقتهما.
تعرف عبدالناصر الذي يكره اسمه وأبويه، إلى يسار عبر مسرحية من تأليف عبدالناصر الأخير، أتت بعنوان "من سرق القمر". حدث ذلك في مدينة مونبيلييه، كان النص الذي كتبه المناضل السوري عام 1983 بين جدران زنزانته قد أمسى حينها مثار جدل واسع في أوساط النقاد الفرنسيين. في تلك الفترة هرب عبدالناصر من سورية بعد أن تم استدعاؤه لأداء الخدمة الإلزامية، واستطاع عبر شبكات التهريب الوصول إلى فرنسا وطلب اللجوء الإنساني هناك. بعد سقوط النظام البعثي في ديسمبر (كانون الأول) عام 2024 سيعود الشاب لموطنه، ويلتقي من طريق المصادفة بكاتبه المفضل وهو يقضي بعد الظهر على مقعد في حديقة دمشقية. يقرأ الكتب وينقح نصوصه، ويستمع إلى أغنيات محمد عبدالوهاب عبر حاسوبه الشخصي.
المواجهة بين البطلين
استفزازات الشاب المتسكع للرجل الستيني تزيد من حدة المواجهة بينهما، فعبدالناصر يريد أن يلعب لعبة الخيال مع يسار، لكن هذا الأخير يجد في ذلك ضرباً من الجنون، بعد أن اختار أن يعيش حياة هادئة ولا يتدخل في شؤون السياسة. يلح عبدالناصر عليه بالأسئلة، وينتقل به عبر فقرات غنائية راقصة إلى أزمنة متعددة. أزمنة تقترحها لعبة الخيال لتأخذ كلاً من الشاب والكهل في رحلات تشبه السفر عبر آلة الزمن. مرة في استحضار أرواح شخصيات سورية راحلة من مثل المخرج حاتم علي والممثل خالد تاجا، ومرات في قضاء ما يشبه نزهة المشتاق في أرجاء بلاد موحدة، بلاد لا تفرق بين مواطنيها تبعاً للطوائف والأعراق.
رحلة متخيلة يقطعها يسار وعبدالناصر بين سواحل اللاذقية وطرطوس، ثم نحو ضفاف نهر الفرات، ومنها إلى سهول حوران وجبل العرب، وصولاً إلى حمص وحماة وحلب وعفرين في أقصى الشمال السوري. يحتفلان معاً بانتصار الثورة وعيد النيروز الكردي، سواء بسواء مع عيدي الصليب والفطر السعيد.
وإن كان النص الأصلي يرصد مرحلة صعود الطبقة الوسطى في فترة رئاسة دوايت أيزنهاور للولايات المتحدة الأميركية (1953-1961)، فإن العرض السوري يتجه نحو محاولة تشخيص طبيعة المفارقات التي خلفها سقوط نظام البعث، وما تركه هذا الانهيار من آثار في مناضلي الأمس وثوراه الأوائل. تجسد شخصية يسار محنتها من خلال اعتبار النظام الجديد له بأنه من فلول النظام السابق، فقط لأنه كان موظفاً لدى الدولة، فيما تم شطب كل تضحياته والسنوات الطويلة التي قضاها في سجون الأسدين.
يذعن الرجل الستيني لواقعه الجديد، لكن لحظة اللقاء بعبدالناصر تفتح بوابة الماضي الذي يحاول عبثاً نسيانه. فالرجل لا يؤيد الصيغة السياسية الجديدة في البلاد، لكنه في الوقت ذاته يتهرب من تاريخه النضالي. في تلك اللحظة يفاجئه عبدالناصر بقصة حب جمعته في المنفى مع بتول، الشابة السورية التي تعرف إليها في فرنسا، التي آمنت بأهداف الثورة السورية، وابتهجت وهللت لانتصارها. لكنها وبعد أشهر قليلة من زوال حكم الطاغية، تفقد أفراد عائلتها في أحداث الساحل في مارس (آذار) من عام 2025. الأمر الذي يتسبب لها بصدمة تودعها على سرير في مستشفى من مستشفيات باريس، حيث تفيض روحها هناك قهراً وكمداً على مصير ذويها.
السكين في الخاصرة
تترك حادثة موت بتول أثراً كبيراً في نفس عبدالناصر، فيقرر العودة لسورية هرباً من ذكرياته المشتركة معها في العاصمة الفرنسية. مقهى "نحو السماء" كان شاهداً على تحولات قصة الحب، مثلما كانت فناجين القهوة وملاعق السكر مع أخبار المجازر الآتية من البلاد. في تلك اللحظة ترتفع حدة النقاش بين يسار وعبدالناصر، ويقرر الأول أخذ مكانه على مقعد الحديقة، لكن الثاني يدافع بشراسة غير معهودة عن مكان اعتاد منذ سنوات طويلة، أن يقضي سحابة نهاره على قضبانه الخشبية.
وأخيراً يشهر الشاب سكيناً ويناولها للرجل الستيني، ويطلب منه أن يدافع عن حقه في الجلوس على مقعده الأثير، ويقول له: "هيا أرني كيف ستدافع عن مكانك، عن ابنتك وقطتك وعن ثورتك ومبادئها". عبارة تستفز يسار، وما هي سوى لحظات حتى يقذف عبدالناصر بنفسه نحو السكين في يد رفيقه، فينغرز نصلها الحاد في خاصرة يسار، ويتدفق الدم من فمه نحو مقاعد الجمهور.
خاتمة العرض قد تتطابق مع نهاية هذا اللقاء العابر على مقعد من مقاعد حديقة السنترال بارك في نيويورك، لكنها هنا تتخذ سياقاً مغايراً في جس نبض اللحظة السورية. فالشاب المتسكع ذو الوشم على يده يشكر المناضل القديم على الخدمة التي أسداها له، فبموته يستطيع الآن أن يلتحق بدرب السماء الذي سلكته روح حبيبته. أما الشاعر والكاتب المسرحي فيصرخ صرخات مدوية مصدوماً مما اقترفت يداه، إنه من هذه اللحظة وصاعداً لن يكون هو ذاته، ولن ينفعه الحياد بعد اليوم مما يجري، فقد أضيفت للتو جريمة قتل إلى سجله العدلي. حادثة كان قد استعاد قبلها قصته هو الآخر بزوجته، التي رفضت أن تكمل حياتها معه احتجاجاً على لامبالاته وتخشب مشاعره. من هنا تمثل "حديقة الحيوانات" البشرية في إشارة إلى مفارقة قديمة جديدة، فكيف للحيوانات أن تتعايش ضمن أقفاص، ويصعب على البشر ذلك؟
منذ البداية كان نقاش الشخصيتين يشي عن اضطراب عام، فالشاب يقترح قلي كل البيض الموجود في العالم وتسميمه وإطعامه للبشرية كي تموت، ومن ثم تأكل الحيوانات جثث البشر المتفسخة فتموت هي الأخرى. إلا الأبقار، فهي تبقى على قيد الحياة. يتساءل عبدالناصر: "هل رأيت بقرة روسية تقتل بقرة أخرى فقط لأنها أوكرانية، وهل هناك بقرة من التوتسي قتلت بقرة فقط لأنها من الهوتو؟". أسئلة يردفها بعبارة قاسية يوجهها للرجل الستيني: "القتل يبدد الملل في هذا البلد الطائفي". في المقابل لا يمكن اعتبار "حديقة الحيوانات" في جانب من معالجتها الجديدة، إلا بمثابة محاكمة لجيل كامل من مثقفين سوريين فضلوا الصمت إزاء مجازر قديمة - جديدة. يتوضح ذلك عبر عبارات الشاب المتشرد ورغبته في استفزاز الكاتب المسرحي، وانتزاعه من حياده المزمن.
في البيت داخل الغرفة
وبالنظر إلى الشرط الفني للعرض داخل غرفة منزل الأخوين ملص، يمكن ملاحظة ملامح مسرح طليعي نزع غلالة الغموض عن تقنيات المسرح كجهاز فني وعملية فنية. فتخلى عن كل زخارف المسرح التجاري، مفضلاً عليها أساليب إخراج لا تسعى إلى الإيهام. وكذلك تخلى عن مكونات مرئية في المنظر المسرحي تحمل دلالات سياسية مثل اللافتات والمنشورات والممثلين المندسين وسط الجمهور خفية لتوجيه انفعالاته وردود أفعاله. كما كان لكسر الحاجز التقليدي المتمثل في البرواز المسرحي، ميزة إضافية في عروض الشقيقين، إذ كان بمثابة تعبير عن رفض المسرح البرجوازي القائم على نزعة الإيهام.
ويوفر الشرط الجديد للعرض داخل حجرة منزل، استحداث طرق جديدة لجعل الجمهور جزءاً من العملية الإبداعية. فلا شباك تذاكر هنا، لا موظفين لاستقبال المتفرجين عند باب المسرح، بل الممثلان هما يقومان بهذه الوظيفة. لا كواليس أيضاً هنا تحجب المؤديين في غرف الملابس، كل شيء يحدث أمام المتفرج منذ اللحظة لدخول الجمهور على هيئة ضيوف منزل وليس كمجموعة غرباء لا يعرف بعضهم بعضاً.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
25 شخصاً (الجمهور) يتدبرون أمرهم في الجلوس على كراسي بلاستيكية، إزاء شرفة تطل نوافذها على الشارع العام. هذا في الأقل ما كان جلياً من التوجهات البسيطة التي أفصح بها بطلاً – ومخرجاً - "حديقة الحيوانات" حين قالا لزوارهما: "التقطوا الصور الفوتوغرافية ومقاطع الفيديو وانشروها على حساباتكم في فيس بوك وإنستغرام، أنتم جمهورنا وإعلامنا معاً. نحن تجربة مستقلة، هناك مظاريف على الكراسي. يمكنكم وضع المبلغ الذي ترونه مناسباً كثمن تذكرة، ومن لا يستطع، فليدع لنا ورداً أو ياسميناً دمشقياً عوضاً من المال، أو يكتب لنا رسالة حب أو شتائم، أو ما يحلو له".
وإذا كان الدارسون والنقاد يعتبرون أن العرض المسرحي يبدأ من منزل المتفرج، بل منذ اللحظة التي يقرر فيها التوجه إلى الصالة، فإن تجربة المسرح المنزلي للأخوين ملص، أبدلت الكيفية التي يتجمع بها الجمهور ويدخل مكان العرض أو يغادره، إذ تكمن حقيقة العرض المسرحي في "مسرح الغرفة" في فعل الأداء ذاته. فالمتفرج هنا ليس بحاجة إلى التدخل أثناء العرض لمنع جريمة قتل، كما يفعل ذلك مضطراً في الحياة العادية. ومرجع هذا أن العنف فوق الخشبة هو عرض في واقع الأمر، وهذا لا يجعل العنف أقل واقعية، ولكنه يجعله حقيقة من نوع آخر. ربما هذا ما يفسر أداء المشهد الأخير من المسرحية، وفق أسلوب الغروتيسك (ظاهر مرح وباطن مأسوي).
ويوضح أسلوب المسرح المنزلي الجوانب التي يسهم من خلالها الجمهور في اللعبة، مما يضفي تعقيداً على النظرة التقليدية لإدراك الجمهور للعرض المسرحي. ففي هذا الشرط الجديد لتحويل مكان الإقامة إلى فضاء للفرجة العامة، تنعدم الفروق بين دوري المتفرج والممثل كما يبدو للوهلة الأولى. فالممثل نفسه يتحول في لحظة ما إلى متفرج، وذلك عندما يبدأ زميله في الأداء. ويتجلى تحول الممثلين إلى جمهور بصورة واضحة عندما يجعل الممثل - على سبيل المثال - زميله يضحك على أدائه. وعلى رغم إدراكنا أن مثل هذا الضحك يتم بصورة مقصودة، إلا أن المتفرج في هذه الحالة لا يسعه إلا أن يدرك لحظتها، بانعدام الحواجز بينه وبين المؤديين.
يبدو إلغاء المسافة الجسدية في مسرح الشقيقين السوريين يوجد علاقة جديدة مع الجمهور، علاقة قد لا نجدها في مسارح العلب الإيطالية التي يكون فيها موضع أقدام الممثلين على الخشبة بموازاة رؤوس الحضور. فعندما تختفي المسافة بين المؤدي والمتفرج، تختفي الصورة التقليدية لقاعات جلوس المتفرجين والقواعد الصارمة بين الخشبة والصالة. ناهيك بشرط التقشف الإنتاجي الواضح، فلا كشافات إضاءة هنا ولا قطع ديكور ضخمة. لا أجور لمصممي الإضاءة والسينوغرافيا ككل، لا أجور لمصممي الأزياء والمكياج، بل تقيد صارم بمسرح عصامي يكتبه ويخرجه ويمثله وينظم حجوزاته أحمد ومحمد ملص. ولا يتورع الشقيقان عن استقبال جمهورهما عند موقف الباص، والسير معه إلى عنوان إقامتهم ومسرحهم في آن واحد.