Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

صور الحروب... كيف تصنع الذاكرة وتقتلها في آن؟

في زمن الهاتف فقدت صورة الضحية قدرتها على الصراخ

في تاريخ لبنان كانت صورة واحدة أحياناً تكفي لتصنع ذاكرة جماعية (اندبندنت عربية)

ملخص

الحرب لم تعد حدثاً بعيداً نتابعها عبر نشرات الأخبار، بل صارت تمرّ تحت أصابعنا على شاشة الهاتف. نصوّر الزلزال والغارة والبيت المهدّم كأننا نخاف أن تضيع الشهادة، ثم نمرّر الصورة سريعاً كأننا نخاف أن تبقى فينا. هكذا يتحول الألم إلى مشهد عابر، يرفع الوعي أحياناً، لكنه قد يدرّبنا أيضاً على احتمال العنف والتعايش معه. لكل شخص ذاكرته الخاصة من الحرب، لكن المنصات تصنع ذاكرات متفرقة ومتضاربة، وتدفعنا إلى استهلاك المأساة قبل أن نمنحها حقها من الصدمة.

أمضي وقتا على الأريكة، أحتسي قهوتي، وأشاهد على هاتفي الناس في شوارع فنزويلا بعد زلزالين، وجوه مذعورة، أجساد تخرج إلى العراء، عائلات تبحث عن مأوى، كاميرات الهواتف تسبق أحياناً سيارات الإسعاف، وتلتقط ما بقي من البيوت، وما بقي من الطمأنينة، وما بقي من القدرة على الفهم.

أمرّر إصبعي على الشاشة، ينتقل المشهد من ركام في فنزويلا إلى إعلان عابر، ثم إلى صورة طعام، ثم إلى مقطع من حرب، ثم إلى طفل يركض بين الدخان، ثم إلى وجه يضحك في مناسبة عائلية. في الهاتف الواحد، تتجاور الكارثة مع التسلية، والدمار مع الاستهلاك، والصرخة مع الإعلان، لا تمنحنا الشاشة وقتاً كافياً كي نحزن، ولا تترك للصورة فرصة أن تستقر في الذاكرة، تأتي الصورة ثم تُدفن تحت صورة أخرى.

 

في تاريخ لبنان، كانت صورة واحدة أحياناً تكفي لتصنع ذاكرة جماعية: وجه امرأة تبكي وتصرخ خلال الحرب الأهلية، مشهد من صبرا وشاتيلا (مخيمان فلسطينيان في لبنان)، أو جثث قانا (جنوب لبنان) تحت سقف الأمم المتحدة. كانت الصورة النادرة توقف الزمن وتُجبر الناس على النظر. أما اليوم، فلم تعد الصورة تأتي وحدها، تأتي في سيل لا يمنح الصدمة وقتها، فما كان يصنع ذاكرة مشتركة صار يُدفن أحياناً تحت الصورة التالية... ونمرّر.

الصورة تصنع الذاكرة

يتحدث خالد ناصر استشاري التواصل الأسري وإدارة الصدمات النفسية عن أثر الصورة والإعلام في صناعة الذاكرة الجماعية، مشيراً إلى أن "الحرب لا تسكن ذاكرة الناس بالطريقة نفسها، فلكل شخص حربه الخاصة، ونسخته الخاصة من الحدث. هناك من يتذكر النزوح، ومن لا ينسى الأصوات، ومن بقي عالقاً في الخوف، ومن يتذكر كيف حصل على الطعام، أو أين نام، أو ماذا ترك خلفه ولم يعد إليه. هذه التفاصيل الصغيرة تصنع روايات شخصية كثيرة، فالحرب لا تُعاش كحدث عام فقط، بل تدخل البيوت واحداً واحداً، وتترك في كل عائلة أثراً مختلفاً، وفي كل إنسان ندبة لا تشبه ندبة الآخر".

أضاف ناصر "لكن الإعلام يملك قدرة كبيرة على نقل بعض هذه الجروح الفردية إلى الذاكرة العامة، فالصورة التي تتكرر، والقصة التي تُروى أكثر من غيرها، والوجه الذي يظهر باكياً أو صارخاً أو ناجياً أو فاقداً عائلته، قد يتحول إلى رمز للحدث كله. لا يعود ذلك الوجه ملك صاحبه فقط، يصبح جزءاً من ذاكرة الناس عن الكارثة أو الحرب أو الزلزال". وهنا رأى ناصر أن "الإعلام لا يكتفي بنقل الحقيقة، بل يشارك أيضاً في تشكيل صورتها داخل الوعي العام. فالحدث يملك حقيقة على الأرض، لكنه يملك أيضاً صورة في أذهان الناس، وهذه الصورة تتكوّن من الزوايا التي يختار الإعلام إضاءتها، ومن الوجوه التي يضعها في الواجهة، ومن المشاهد التي يعيد تكرارها حتى تصبح اختصاراً للحدث كله".

لم تعد هناك ذاكرة واحدة

في الماضي، حين كانت مصادر الأخبار محدودة، كان ممكناً أن تتشكل ذاكرة جماعية واحدة، أو شبه موحدة، حول حدث كبير.

وأكد ناصر أن "الناس كانوا يشاهدون النشرات نفسها، والصور نفسها، ويسمعون الروايات نفسها تقريباً. أما اليوم، فقد كسرت وسائل التواصل الاجتماعي هذه الذاكرة الواحدة"، لافتاً إلى أن "كل فرد يعيش الحدث من خلال شاشة مختلفة، فما يصل إلى شخص من صور ومقاطع وأخبار ليس بالضرورة ما يصل إلى شخص آخر". وأوضح أن "كل مجموعة باتت تبني ذاكرتها الخاصة بحسب المنصات التي تستخدمها، والمصادر التي تتابعها، والميول السياسية والاجتماعية التي تنتمي إليها. لذلك، لم يعد هناك سرد واحد للأحداث، بل روايات متعددة قد تكون متضاربة أحياناً. وقد يعتقد كل طرف أنه امتلك الحقيقة كاملة، فيما لا يكون قد رأى سوى زاوية واحدة من المشهد. ومثال ذلك إمكان رواية الحرب من زاوية أهل بيروت أو من زاوية أهل الجنوب، فلكل طرف ذاكرته وسرديته المبنية على ما عاشه أو شاهده أو وصله من صور ومعلومات، وهكذا لا تعود الحرب حرباً واحدة في الذاكرة، بل حروباً كثيرة تتجاور أحياناً وتتصادم أحياناً أخرى".

 

 

بين الوعي والتخدير

لا ينظر ناصر إلى انتشار صور الحروب والعنف من زاوية واحدة، "فالصورة، من جهة، ترفع مستوى الوعي، تجعل الناس يرون ما كان يمكن أن يبقى مخفياً، وتمنع إنكار المأساة، تفضح العنف، وتمنح الضحايا حضوراً في المجال العام، لكنها، من جهة أخرى، قد تؤدي إلى نتيجة معاكسة، فحين تتكرر مشاهد الدم والأجساد والركام بلا سياق إنساني أو أخلاقي، يصبح العنف أكثر اعتياداً. تتراجع الصدمة الأولى، يخفّ الارتجاف الداخلي، ويصبح المشهد القاسي جزءاً من اليوم العادي".

وشرح ناصر أن "كثرة الصور تمرّ بثلاث مراحل مترابطة، الأولى هي زيادة الوعي، إذ يصبح الجمهور أكثر اطلاعاً على ما يجري. والثانية هي تطبيع العنف حين تتحول المشاهد الصادمة إلى جزء مألوف من الحياة اليومية. أما الثالثة فهي التخدير النفسي، أي تراجع الاستجابة الانفعالية الظاهرة أمام المشاهد القاسية. لكن هذا التبلد الظاهر لا يعني أن الإنسان لم يعد يتأثر، فالدماغ قد يلجأ إلى آلية دفاعية لحماية نفسه من كثافة الصدمات، يخفف الانفعال في الخارج، بينما يبقى الضغط النفسي قائماً في الداخل، وقد يظهر هذا الضغط لاحقاً في ضعف التركيز، وتراجع الذاكرة، وقلة الصبر، وسرعة الانفعال، والإرهاق النفسي".

لماذا نصوّر الكارثة؟

من هنا لا يعود السؤال عن الصورة وحدها، بل عن علاقتنا بها: لماذا نندفع إلى تصوير العنف لحظة وقوعه؟ ولماذا نمرر إصبعنا فوق الصورة نفسها بعد دقائق كأنها لم تمسّنا؟ في هذا التناقض يعيش زمن الهاتف: رغبة جارفة في توثيق الكارثة، ورغبة لا تقل قوة في الهروب منها.

وتوقف ناصر عند "اندفاع الناس إلى تصوير الحروب والكوارث"، معتبراً أن "الأمر يرتبط بانتشار مفهوم المواطن الصحافي. فالشخص الذي يصوّر لا يريد دائماً السيطرة على الحدث. أحياناً يريد فقط أن يضع علامة شخصية داخله، كأنه يقول: كنت هنا، رأيت ما حدث، لدي دليل على حضوري، لكن وسائل التواصل جعلت هذا الدافع أقوى. فالمشهد العنيف غالباً ما ينتشر بسرعة، ويحصد المشاهدات والتعليقات والمشاركات، لذلك لم يعد التصوير مجرد توثيق شخصي، بل صار مرتبطاً بالنشر الفوري وبالرغبة في التفاعل الرقمي".

وتحوّلت سهولة استخدام الهاتف إلى قوة هائلة، لم تعد الكاميرا في يد الصحافي وحده، صارت في يد العابر، والناجي، والمارّ قرب الانفجار، والواقف أمام المبنى المتصدع، الجميع قادرون على التصوير، والجميع قادرون على النشر، لكن ليس الجميع يملكون السؤال الأخلاقي اللازم قبل النشر.

أخلاقيات الصورة قبل السبق

ورأى ناصر أن "كثيرين، من بينهم صحافيون أحياناً، لا يمنحون أخلاقيات الصورة ما تستحقه من انتباه، خصوصاً في ظل السباق إلى النشر السريع والانتشار الواسع، فالمشكلة هنا ليست مهنية فقط، بل أخلاقية ونفسية أيضاً. قد تلتقط الكاميرا إنساناً في لحظة ألم أو ضعف أو إذلال، وتضعه في صورة لم يكن ليقبل بها لو أُعطي حق الاختيار. لذلك يجب أن يسبق الضغط على زر التصوير سؤال واضح: هل يرضى هذا الشخص أن يظهر بهذه الطريقة؟ وهل يحق لي أن أنشره في هذه اللحظة؟". واعتبر ناصر أن "تصوير الضحية لا يمنح المصوّر حق مصادرة كرامتها، وما تسمح به التقنية لا تبرره الأخلاق دائماً، فليست كل صورة يمكن التقاطها تستحق أن تُنشر، وليست كل لقطة مؤثرة صالحة للاستهلاك العام"، مشدداً على أن "الأذى لا يقتصر على الشخص الظاهر في الصورة، بل يمتد إلى عائلته وأقاربه وأصدقائه". وأوضح أن "أهل الضحية قد يرون الصورة قبل أن يعرفوا تفاصيل ما حدث، أو قبل أن يكونوا مستعدين نفسياً لتلقي الخبر، فتتحول المشاهدة إلى صدمة إضافية، ثم إن الصور لا تختفي بسهولة، تبقى قابلة للتداول والعودة والظهور من جديد، كأنها تعيد فتح الجرح كل مرة، لذلك يجب أن يتذكر الناشر أن الجمهور ليس كتلة مجهولة، بين المشاهدين قد تكون أم الضحية، أو أبوه، أو أخته، أو ابنه".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

الصورة حين تدرّب المجتمع على العنف

وحذّر ناصر من أن "نشر صور الضحايا لا يطرح مشكلة أخلاقية فردية فقط، بل يساهم أيضاً في تطبيع العنف على المستوى العام. فكلما تكررت مشاهد الأجساد والدمار بلا سياق أو رحمة، صار العنف أقل قدرة على إحداث الصدمة اللازمة"، موضحاً أنه "حين تُنتزع الصورة من معناها الإنساني، لا تعود وثيقة فقط، تصبح مادة استهلاك، وهنا تكبر مسؤولية الصحافي والمصور والمستخدم العادي: أن يرى الإنسان قبل أن يرى اللقطة، وأن ينتبه إلى أن الصورة ليست محايدة دائماً، فهي تكشف، لكنها تختار زاوية الكشف، توثق، لكنها قد تبني رواية، تنقل الألم، لكنها قد تجعله مألوفاً إذا خرج من سياقه الأخلاقي".

في الحروب، لا تلتقط الكاميرا ما تراه العين فقط، تلتقط ما يتركه الصاروخ في البيت، وما يتركه البيت المهدّم في صاحبه، وما يتركه الغياب في وجه أم أو أب أو ناجٍ لا يعرف لماذا نجا. هناك عنف لا يسيل دماً، لكنه يقيم طويلاً في الذاكرة، عنف يغيّر معنى الحياة عند من خسر ابنه وبيته ومحلّه، ويجعل المصور الواقف خلف العدسة شاهداً على ما لا تستطيع البيانات السياسية ولا نشرات الأخبار قوله كاملاً. بعد سنوات من توثيق الحروب، لا يصبح المصور أقل إنسانية، ربما يتعلم فقط كيف يؤجل انهياره إلى ما بعد انتهاء المهمة، في لحظة الحدث تتقدم المهنية، وتصبح الكاميرا درعاً صغيراً في مواجهة الخراب، لكن حين يعود إلى البيت، تعود الصور معه، لا تعود كملفات محفوظة على جهاز، بل كوجوه وأصوات وروائح وأسئلة، عندها تبدأ حرب أخرى: حرب المصور مع ذاكرته".

تجربة طويلة

من ناحيته، تحدث المصور الصحافي نبيل إسماعيل عن تجربته الطويلة في توثيق الحروب ومشاهد العنف، مؤكداً أن "المصور لا يصبح أقل تأثراً بمرور الوقت. فالمشاعر لا تختفي، بل تتراكم في الداخل". وبالنسبة إليه "لم يعد العنف يقتصر على الدم والدمار، صار العنف أيضاً في وجوه الناس بعد الفقد، وفي البيوت المهدّمة، وفي الحياة التي تفقد معناها".

وروى إسماعيل عن رجل من النبطية (جنوب) قال له إن الحياة لم تعد تعني له شيئاً بعدما فقد ابنه، ودُمّر منزله ومحلّه، ونجا هو من صاروخ أصاب بيته، "هذا النوع من العنف بات يؤثر في كاميرته أكثر من أي مشهد دموي".

حين تصبح الكاميرا درعاً

ورأى إسماعيل أن "المصور الصحافي المحترف لا يستطيع في لحظة الحدث أن يستسلم كلياً لعاطفته. المهنية تتقدم أولاً فيما تأخذ الإنسانية إجازة قصيرة إلى حين انتهاء المهمة، لكن بعد انتهاء الحدث، تعود الإنسانية إلى الواجهة، يجلس المصور أمام صوره، يتأملها، يكتشف أنه لم يكن فقط من التقطها، بل من حملها أيضاً".

لا يريد إسماعيل أن يعتاد على صور العنف، ولا أن يدمنها، يريد أن يعتاد صور الفرح، والفن، والموسيقى، وجمال لبنان، والناس الذين يضحكون ويحبون العيش.

وتابع أن "صور الحرب مهمة، لكنها لا تشبهه، هي تمتلك الزمان والمكان والتفاصيل، لكنها لا تمنحه شعور الفخر، فما يحبه هو الصورة التي تنتمي إلى الحياة لا إلى الخراب". وشرح أن الكاميرا تتحول أحياناً إلى "درع نفسي يحمي المصور من هول ما يرى، لكنها في الوقت نفسه تدخله إلى عمق الحدث، لا إلى سطحه، هنا يكمن الفارق بين المصور الصحافي ومن يصور بهاتفه، صاحب الهاتف قد يلتقط الضجيج، أما المصور الصحافي فيدخل إلى الضجيج كي يفهمه. الصورة المحترفة لا تبحث عن المشهد وحده، بل عن معنى المشهد، قد تكون امرأة تحمل ابنها، أو وجه رجل صامت أمام بيت مهدّم، بمثابة بيان سياسي كامل، صورة واحدة قد تقول ما تعجز عنه الخطب والتقارير".

الصحافي أيضاً قد يكون ضحية

لا تقف الصدمة عند الضحايا وأهلهم والجمهور، أضاف إسماعيل "الصحافيون والمصورون الذين يغطون الحروب والكوارث ليسوا خارج دائرة التأثر. التعرض المتكرر لمشاهد الموت والدمار قد يؤدي إلى ما يعرف بعدوى الصدمة، إذ يبدأ الصحافي بالنظر إلى العالم باعتباره مكاناً مشبعاً بالعنف والقسوة، وقد يعاني أعراضاً تشبه أعراض الضحايا أنفسهم، لذلك، لا يكون الاهتمام بالصحة النفسية للعاملين في تغطية الحروب والكوارث رفاهية، إنه ضرورة مهنية وإنسانية، فالمصور الذي يلاحق المأساة يحتاج هو أيضاً إلى من يسأله عما تركته المأساة فيه".

في زمن الهاتف، لم يعد الإنسان شاهداً بريئاً على الكارثة، يرفع كاميرته كأنه يثبّت اسمه في سجلّ الفاجعة: كنت هنا، رأيت، وصوّرت، ثم يمرّر، يمرّر إصبعه فوق الصورة، هرباً مما رآه، أو بحثاً عمّا سيأتي بعدها.

بين شهية التوثيق وشهية النسيان السريع، تفقد صورة الضحية شيئاً من صرختها الأولى، وتتحول إلى مادة عابرة في نهر لا يتوقف، نهرٍ يبتلع الوجع قبل أن يمنحه حقه من الصدمة.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير