Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

قصص غرائبية بنكهة سوداء في "الأشياء التي فقدناها"

الأرجنتينية ماريانا إنريكس توظف العنف اللغوي لوصف الكارثة البشرية

الكاتبة الأرجنتينية ماريانا إنريكس (صفحة الكاتبة - فيسبوك)

ملخص

 في كتاب "الأشياء التي فقدناها في النيران"، يقدم المترجم مارك جمال أول ترجمة عربية للكاتبة الأرجنتينية ماريانا إنريكس، وهي مجموعة قصصية تتألف من 12 قصة قصيرة، صدرت هذا العام عن دار روايات.

 عبر قراءة قصص ماريانا إنريكس البديعة، يذهب القارئ في رحلة إلى عمق الأرجنتين ليكتشف خصوصيتها الثقافية وعوالمها الغرائبية، فالكاتبة تعد من رواد "الواقعية السحرية السوداء" وتؤلف قصصاً مدهشة من الواقع المحلي لمدينة بوينس آيرس وضواحيها، ولكنها تتميز عن الكتاب اللاتينيين ببصمة خاصة، إذ ينفرد سردها بنفس مرعب يبعث على الدهشة والإعجاب والصدمة في آن، وتصفه ماريانا بقولها إن هذا النوع من الأدب يحاكي الرعب الحقيقي الذي يحدث في الحياة.

 تبرع ماريانا إنريكس في أداء دور الدليل السياحي أثناء صياغتها قصصها، إلا أنها تأخذنا إلى أكثر الأماكن ظلمة في بلدها، حيث تحدث أعنف التجارب الإنسانية وأقساها. فهي ليست معنية ككاتبة بالتعريف التقليدي، بالأحياء والمعالم أو دعوة القارئ للزيارة، وإن كانت السياحة الأدبية تحدث بشكل عرضي غير مقصود. يجد المتلقي نفسه مثلاً في قلب مدينة بوينس آيرس، يتجول في حي يدعى كونستيتوسيون، الذي كان في القرن الـ19 حياً أرستقراطياً، قبل أن ينحدر إلى وكر للمهمشين من الفقراء والمدمنين وتجار المخدرات.

 أما في "قصة النزل" فتأخذنا أنريكز في رحلة أخرى إلى "ساناغاستا"، بينما يعرفنا المرشد السياحي في قصة "صاحب الأذنين الكبيرتين"، على المناطق التي شهدت أشهر الجرائم في تاريخ الأرجنتين. وتنتقي ماريانا في قصة "نسيج العنكبوت"، منطقة تقع بالقرب من الحدود مع البرازيل والباراغواي، فتصف نهرها ومناخها، لتقول إن المرء ما إن يصل إلى هناك حتى يحس بمشقة كأنها "عناق وحشي يطوق الأضلاع"، وتروي بعد ذلك ذاكرة جسر تظهر فيه الأشباح للسائقين، يقال إن البنائين اتخذوا من جثث القتلى أساساً لبنائه.

 تستكمل ماريانا إنريكس في قصة "تحت المياه السوداء" روايتها عن فظاعة ما يحدث في "نهر رياتشويلو"، إذ لا يلوث ذلك النهر بالقاذورات والزيوت والمواد الكيماوية الثقيلة فحسب، بل إضافة إلى ذلك يلقي إليه رجال الشرطة الفاسدون بالجثث أيضاً، وهي جثث مراهقين فقراء لن يحاسبهم على قتلهم أحد. تعلق شخصية المحققة قائلة: "إنه النهر الأكثر تلوثاً في العالم، ذلك النهر الأسود الذي يطوق المدينة، ميت في الأساس". وإلى جانب حضور المكان بقوة في قصص إنريكس، فإنها تؤثث عوالمها بالهوية الثقافية والمعتقدات المحلية في الأرجنتين, ومنها مثلاً مناسبة ليلة الساحرات واحتفالات المورغا، وطقوس المهرجانات والصلاة للقديسين المحليين.

اللغة كأداة سردية جارحة

 يبدو العنف اللغوي في "الأشياء التي فقدناها في النيران" سمة مشتركة بين القصص، فالكاتبة توظف اللغة كأداة سردية جارحة، وتصوغ أفكارها في جمل مكثفة، غالباً ما تكون حادة ومؤذية مثل شفرات تجرح المخيلة وتحبس الأنفاس، فهي تصف المشهد المروع بأدق تفاصيله المزعجة، ببرود طبيب شرعي يقلب الجثث. ولا تكترث كيف سيكون تأثيرها الصادم في المتلقي، فمثلاً نجدها تصف فتاة القطار وندوب حروقها كالتالي: "لم تبق لها إلا عين واحدة أما الأخرى فأصبحت تجويفاً من الجلد". وتختار عنواناً لقصة أخرى "جسدان مجردان من اللحم"، يرد فيها وصف شاعري للهياكل العظمية: "تلك العظام البيضاء التي تتلألأ على نور القمر في قبور منسية".

 أما في قصة "بيت آديلا" فتصف الراوية طفلة ولدت بذراع ناقصة تنتهي بـ"نتوء صغير من اللحم يتحرك ببقايا العضلات، لكنه عديم الفائدة". ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد، لأن إنريكس لا تتردد في وصف جثة طفل تعرضت للتنكيل، فتقول عن الرأس إنه "وجد مسلوخاً حتى العظام، وخيطت الأجفان بعضها إلى بعض، وظهرت آثار العض على اللسان، في حين لم يعرف إن كان الصبي قد عض لسانه بنفسه أم أن شخصاً آخر قد عضه بلسانه".

 من جهة أخرى، تتمرد ماريانا إنريكس على فنيات القصة القصيرة، ولا تلتزم بضوابطها المعروفة، فيطغى النفس الروائي على السرد وتتناسل التفاصيل، كما تتعدد الشخصيات وفضاءات الأمكنة، إضافة إلى كسرها الحبكة التقليدية فهي قد تبدأ القصة بشخصية تبدو محورية لتسلم السرد إلى شخصية أخرى وتدور الأحداث عنها في المنتصف، أما نهايات أغلب القصص فتأتي بلا قفلة حاسمة ولا يمكن اعتبارها في الوقت نفسه مفتوحة، فكثيراً ما تبدو غير مكتملة أو مقتبسة من نص أطول. هذا ما قد يكون انطباعاً عن القاصة أنها كاتبة تكتب ما تريد كما تريد، بالطريقة التي تبدو لها مناسبة. وقد تصف الحدث على قسوته وفظاعته، وهي التي صرحت في حوار لها: "إنني أضع ما لا يحتمل في كلمات".

 الرعب بين الفانتازيا والواقعية

 يتأرجح الرعب في نصوص ماريانا إنريكس بين الفانتازي والواقعي، لذا يبدو مفهوماً سبب تصنيف أدبها ضمن الأدب القوطي، ولكن عند التعمق في قصصها، قد يصعب حسم انتمائها إلى أدب الرعب عموماً أم ضمن الأدب القوطي كما يصنفها قراء اليوم. وإذا راجعنا مجموعة "الأشياء التي فقدناها في النيران"، نجدها ليست كلها غرائبية، لأن بعضها غارق في واقعية مظلمة تروي جانباً اجتماعياً مخيفاً من واقع الأرجنتين. وتصور رعب الجريمة الوحشية التي تحدث في أميركا اللاتينية مثلما يمكن أن تحدث في أي مكان من العالم، وبالعودة إلى حوارات الكاتبة، تؤكد ماريانا أن من الصعب أن نكتب عن الأرجنتين بسرد واقعي بحت. وتضيف: "هذا ما يحدث حقاً، إنهم يعذبون الناس في البيت المجاور لبيتك، ويرمون الجثث في المحيط. وأنا لا أريد أن أتواطأ بأي شكل مع الصمت، لا أخجل من سرد الأحداث المروعة لأن السكوت عنها خطر أيضاً".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

 تحمل هذه المجموعة القصصية عنوان القصة الأخيرة منها، ولو قارناه بالعنوان الأصلي، لتبادر إلى الذهن مفردات بديلة مستوحاة من السياق نفسه، مثل "الأشياء التي فقدناها في الحريق أو المحرقة"، وعلى رغم أن مفردة "المحرقة" قد تبدو الأقرب من جهة المعنى، فإنها لن تضاهي جمالية "النيران" التي اختارها المترجم في إيقاعها الموسيقي بدلاً من "النار" المفردة كما هي في العنوان الأصلي. ينطلق سرد القصة الأخيرة بنبرة مقالية استقصائية تحصي ضحايا العنف الأسري من النساء اللاتي تعرضن للحرق على أيدي شركائهن، قبل أن ينتقل إلى محارق سرية ترتبها مجموعة من النساء. نساء لم يتعرضن للتعنيف أو الحروق، لكنهن يجتمعن في موعد سري حول النار لتحرق واحدة منهن نفسها بإرادتها، احتجاجاً على العنف الأسري، وعلى استهتار الشرطة، لإغلاقها ملفات على أنها مجرد محاولات انتحار.

 تذهب الراوية إلى ما هو أبعد من ذلك، إذ تمتدح بتهكم مرير، جمال ندوب النساء المصابات فتقول: "متى نصل إلى ذلك العالم المثالي، عالم الرجال والممسوخات؟"، ثم يتجلى الاعتزاز بإظهار التشوهات بقول إحداهن: "الحرائق يضرمها الرجال يا صغيرتي، كثيراً ما أحرقنا الرجال، وها نحن الآن نحرق أنفسنا بأنفسنا، لكننا لن نموت بل إننا سوف نظهر ندوبنا". تلخص هذه القصة إلى جانب بقية قصص المجموعة، القضايا التي تشغل ماريانا أنريكس، فهي تشتغل على قضايا إنسانية مرتبطة بحقوق الطفل وصوت المرأة، والمهمشين من المدمنين والفقراء المغتالين، ضحايا الأنظمة الديكتاتورية وتجار المخدرات. كل ذلك يروى في مناخات مشحونة تأخذ أحياناً طابعاً غرائبياً، لتقدم شكلاً استثنائياً من أشكال الواقعية السحرية السوداء.

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة