ملخص
ما يميز ترمب ليس استخدامه لهذه اللغة، بل مكان وكيفية استخدامها، فهو ينقل هذه الإهانات مباشرة إلى الجمهور عبر وسائل التواصل الاجتماعي والتجمعات والبث التلفزيوني المباشر، بينما كان القادة الأميركيون السابقون عادة ما يحتفظون بأكثر عباراتهم البذيئة لمحادثات خاصة خلف الكواليس.
دأب الرئيس الأميركي دونالد ترمب على الإدلاء بتصريحات متناقضة ضد خصومه، فهو يشيد بهم إذا فعلوا ما يريد، ويهددهم ويوجه لهم إهانات إذا ساروا في طريق معاكس لإرادته، وهو ما فعله مع القيادات الإيرانية مرات عدة كان آخرها خلال الأسبوع الماضي، لكن خروج ترمب عن البروتوكول الرئاسي التقليدي عبر التنمر وإهانة الخصوم ليس صدفة أو عادة شخصية، وإنما عنصر من عناصر استراتيجيته السياسية، فما ركائز وأهداف هذه الاستراتيجية؟ وما إمكانية نجاحها؟ وهل تقتصر على ترمب أم أن هناك كثيراً من النماذج السياسية المماثلة تاريخياً التي استخدمت الأسلوب نفسه؟
تباهٍ بالقوة الغاشمة
تباهى ترمب بالقوة الغاشمة مرات عدة خلال الحرب مع إيران، بل وخلال أولى جلسات المفاوضات التي عقدت قبل أيام قليلة في سويسرا، فبينما كان نائبه جي دي فانس يتحدث أن ترمب طلب منه فتح صفحة جديدة في العلاقات مع إيران، كان ترمب ينشر، عبر منصته "تروث سوشال" وفي لقاء تلفزيوني آخر مباشر على الهواء، تهديدات مصحوبة بإهانات للوفد الإيراني المشارك في المفاوضات، إذ هدد بقصف إيران مجدداً والاستيلاء على ما تبقى منها، بل وحتى باختطاف فريق التفاوض الإيراني، ما لم يُعاد فتح مضيق هرمز وما لم يتوقف الرئيس الإيراني بزشكيان عن إطلاق تصريحات استفزازية بالإصرار على تخصيب اليورانيوم.
لكن الكلمات التي اختارها ترمب للتعبير عن غضبه والتهديد بالقوة الغاشمة، لم تكن تكراراً لتهديده بمحو الحضارة الإيرانية وتدمير البنية التحتية، بل ذهب إلى حد نادراً ما استخدمه الرؤساء الأميركيون علناً، إذ استعمل كلمة صادمة قائلاً "لن تعودوا حتى إلى بلدكم اللعين ولن يكون لهم بلد".
لم ينطق ترمب كلمة "اللعين" بالمعنى الحرفي، لكنها ترجمة مخففة لتعبير دارج في الثقافة الشعبية الأميركية يستخدم للحط من المتحدث إليه، وتمتنع وسائل الإعلام عن ذكره نظراً إلى بذاءته ومضمونه الجنسي المستتر، وتشير إليه بدلاً من ذلك بأول حرف (أف) وثلاث نجوم أو نقاط أو خط قصير بعده.
وفي حين أدى تعبير ترمب الذي يحط من قدر الإيرانيين ويسيء إليهم إلى احتجاج رسمي من الإيرانيين لدى الوسطاء، ومطالبة بكبح ما وصفوه بتنمره عليهم، إلا أن إعلانهم الانسحاب من المفاوضات لم يحدث، فقد استمرت المفاوضات بعد هذه البداية المتوترة والصعبة، واختتمت بإحراز تقدم ملحوظ شمل الاتفاق على خريطة طريق مدتها 60 يوماً نحو اتفاق سلام نهائي، وإنشاء "خلية مشتركة لفض النزاعات" لإدارة الوضع في لبنان.
غيض من فيض
لم يكن هذا التعبير الفظ سوى غيض من فيض تعبيرات ترمب في وصفه للخصوم سواء في الداخل أو الخارج، ففي الولايات المتحدة اعتمد ترمب خلال فترتيه الرئاسيتين الأولى والثانية، أسلوباً خطابياً مميزاً يستخدم فيه لغة فظة ومهينة وأحياناً مبتذلة ضد خصومه السياسيين والمدعين العامين والمؤسسات للتقليل من شأن خصومه، وعلى سبيل المثال وصف الرئيس السابق جو بايدن بالمخادع و"جو النعسان" لمهاجمة كفاءته وأخلاقياته وأهليته للرئاسة، وفي حملته الانتخابية عام 2016 ضد المرشحة الديمقراطية هيلاري كلينتون وصفها بالمحتالة والفاسدة، وسخر خلال الانتخابات التمهيدية للحزب الجمهوري عام 2024 من منافسته الجمهورية نيكي هالي واصفاً إياها بأنها حمقاء وعقلها كعقل طائر، وسخر كذلك من قصر قامة عمدة مدينة نيويورك السابق مايكل بلومبيرغ.
وفي مواضع أخرى استخدم ترمب لغة قاسية لتجريد خصومه من الإنسانية، إذ لوحظ ميله إلى استخدام مفردات حيوانية أو عدوانية للغاية لنزع الشرعية عن الأفراد، وبخاصة السلطات القانونية والمعارضين، فقد استخدم كلمات مثل "حيوان" و"مسعور" لمهاجمة المدعين العامين مثل المدعي العام لمنطقة مانهاتن ألفين براغ الذي وصفه أيضاً بأنه "مختل عقلياً ومنحط". ولاحظ مؤرخو الرئاسة أن ترمب أول رئيس حديث يستخدم كلمة نابية أو ألفاظاً مماثلة علناً لوصف العمليات السياسية أو الخصوم الذين شعر بأنهم عاملوه بظلم.
وفي السياسة الخارجية، خرج ترمب عن البروتوكول الرئاسي التقليدي، إذ دأب على استخدام ألفاظ عامية صريحة أو مسيئة في تجمعاته الانتخابية وتصريحاته الرسمية، بعدما أدلى بتعليق شهير خلال اجتماع في المكتب البيضاوي عام 2018 في شأن الهجرة من هايتي والدول الأفريقية، واصفاً هذه الدول بأنها "قذرة"، وشكلت لغة ترمب تجاه أميركا اللاتينية، وبخاصة المكسيك، سمة بارزة في خطابه السياسي، إذ استهل حملته الانتخابية عام 2015 بوصف المهاجرين المكسيكيين بالمجرمين والمغتصبين، وهاجم مراراً الرئيس الكولومبي غوستافو بيترو واصفاً إياه بالبلطجي والرجل السيئ.
وإضافة لكون إيران ظلت هدفاً رئيساً لخطاب ترمب الأكثر حدة المختلط بالتحذيرات المليئة بالشتائم على وسائل التواصل الاجتماعي، دأب ترمب على استهداف القادة الأوروبيين ولا سيما المستشارة الألمانية السابقة أنجيلا ميركل والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بأوصاف ساخرة، وغالباً ما وصف سياسات الاتحاد الأوروبي التجارية والدفاعية بأنها ميتة سريرياً أو ضعيفة، واتهم الأوروبيين بنهب الولايات المتحدة واستغلالها.
استراتيجية سياسية
يتفق كثير من علماء السياسة واللغويين وخبراء الاتصال عموماً على أن خروج ترمب عن البروتوكول الرئاسي التقليدي ليس صدفة ولا مجرد عادة شخصية، بل هو عنصر أساس وفعال للغاية في استراتيجيته السياسية التي ترتكز إلى أساس منطقي، ففي حين التزم الرؤساء الأميركيون بمعيار مؤسسي رفيع في الخطابة يهدف إلى إظهار الكرامة والتوافق وحسن إدارة الدولة، يرفض ترمب هذا النموذج بوعي لمصلحة عدة أهداف استراتيجية متميزة.
على عكس الخطاب السياسي التقليدي الذي يُهندس ويُرسم بعناية بكتابته مسبقاً وإلقائه عبر جهاز التلقين، يبدو هذا الأسلوب التقليدي بالنسبة إلى قاعدته الشعبية نخبوياً ومحسوباً وغير جدير بالثقة، ومن خلال استخدام الابتذال واللغة العامية والقواعد غير الرسمية، يشير ترمب إلى أنه ليس سياسياً نمطياً.
دليل صدقية
يفسر مؤيدو ترمب هذا الأسلوب الصريح كدليل على الصدقية، فهو يتحدث كما يتحدث الناس العاديون في جلساتهم الخاصة، ولهذا دافعت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولين ليفيت عن تصريحاته العلنية الحادة والفظة قائلة "من أكثر ما يحبه الشعب الأميركي في هذا الرئيس أنه غالباً ما يقول ما يدور في أذهانهم، لكنهم يفتقرون إلى الشجاعة للتعبير عنه بأنفسهم".
وتشير المؤرخة الرئاسية مارثا جوينت كومار إلى أن غياب الرقي في كلامه يبدو واضحاً لعدد من الأميركيين، لكن فظاظة ترمب تبدو أصيلة، بل ومحببة لدى كثر، لأن ناخبيه يعرفون من هو وما يفكر فيه، إنه الرئيس في العلن والرئيس في الخفاء، وليس هناك فرقاً كبيراً بينهما.
الاستقطاب والهيمنة
يعتمد ترمب في استراتيجيته التي يخاطب بها جمهوره بالأساس على إظهار القوة والهيمنة على الخصوم في إطار خطابي، إذ تعد المجاملة مرادفة للضعف، وهو يهدف عبر استخدام اللغة العدوانية أو القاسية إلى إبراز شخصية مقاتل لا يلين، مستعد لخرق أي قاعدة للدفاع عن أتباعه.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وبينما يظل الهدف الأساس المتمثل في إظهار القوة المطلقة ثابتاً، فإن هناك فرقاً تكتيكياً واضحاً في كيفية استخدام ترمب لهذه اللغة في الداخل مقارنة بالخارج، إذ عند مهاجمة الخصوم السياسيين المحليين (الديمقراطيين، أو الجمهوريين غير الداعمين، أو وسائل الإعلام)، تكون لغة ترمب شخصية للغاية ومتكررة، وتركز على ترسيخ صفة معينة عن الخصم بهدف التقليل من شأنه بصورة دائمة ومعاملته كتهديد داخلي للبلاد.
ولهذا يستخدم ألقاباً شديدة الاستهداف، مثل ملتو وكاذب وضعيف الطاقة أو مجنون، ويعتمد على معجم من الكلمات مثل غبي وفاسد وسخيف، ويستخدم الألفاظ البذيئة لتجريد الخصم من سلطته المؤسسية، وتصويره أو تصويرهم ليس فقط كأشخاص ذوي أفكار مختلفة، بل كفاعلين ضعفاء أو غير أكفاء أو خبيثين لا يستحقون الاحترام.
وإضافة إلى ذلك، يعتمد خطاب ترمب الشعبوي بصورة كبيرة على خلق استقطاب وانقسام حاد بين ما يوصف بالشعب النقي والنخبة الفاسدة، ومن خلال استخدام الإهانات واللغة الخارجة عن المألوف يرسي حدوداً فاصلة واضحة، إذ يسهل تصنيف من يستاء من كلماته تلقائياً كجزء من المؤسسة النخبوية الهشة والفاسدة والمنفصلة عن الواقع، بينما يعد من يهتفون لها جزءاً من حركته التي تعبر عن الشعب الأصيل والنقي.
إظهار القوة القصوى
أما عند التعامل مع الخصوم الأجانب (مثل إيران أو كوريا الشمالية أو فنزويلا)، يتحول خطاب ترمب الهجومي الذي يتسم أحياناً بالإهانة والبذاءة من السخرية الشخصية إلى سياسة حافة الهاوية الوجودية وتكتيكات الضغط القصوى، بهدف إظهار قوة هائلة لا يمكن التنبؤ بها لإجبار الخصم على الجلوس إلى طاولة المفاوضات، ومن خلال استخدام هذا الأسلوب على الساحة الدولية غالباً ما يتصاعد خطابه إلى تهديدات صريحة بالعنف أو الدمار أو الإفلاس المالي، كالتهديد بتدمير إيران بالكامل ومن قبلها تهديده كوريا الشمالية بالدمار بالكامل.
ويرى أستاذ التاريخ في جامعة برينستون جوليان زيليزر أن ألفاظ الرئيس النابية هي إشارة وتهديد موجه إلى الخصوم، يوضح إلى أي مدى هو مستعد للذهاب، وهذا ما يجعل ترمب فريداً من نوعه تاريخياً في كيفية توافق استخدامه للألفاظ النابية مع رئاسة عدوانية للغاية وأسلوب قيادة متسلط.
التناقض والنفعية
وعلى عكس خلافاته الداخلية التي نادراً ما تُحل والتي يقصد بها أن تكون معارك سياسية دائمة، فإن إهاناته الموجهة للخارج ذات طابع نفعي عميق، إذ يستخدم ترمب خطاباً صادماً ومتقلباً لزعزعة استقرار الخصوم وتعطيل البروتوكولات الدبلوماسية المعتادة، وكسب النفوذ ضدهم كخطوة أولى محفوفة بالأخطار لترهيبهم، وحملهم على تقديم تنازلات دبلوماسية.
غير أن ترمب أظهر مراراً استعداداً للتحول الفوري من العداء الشديد والفظاظة إلى الإشادة البالغة إذا وافق الخصم الأجنبي على الاجتماع أو التفاوض، كما يتضح من تحوله التاريخي من وصف زعيم كوريا الشمالية القوي كيم يونغ أون برجل الصاروخ الصغير إلى إعلانه أنهما "وقعا في الحب" عند لقائهما الأول، وهو الآن يكرر التكتيك نفسه حالياً مع إيران، ففي وقت يستخدم أسلوب الصدمة والتهديد، يشيد أحياناً بالمفاوضين الإيرانيين بعد وصفهم بالشدة والعناد، كما يمتدح المرشد الأعلى الإيراني الجديد بعدما يوجه له انتقادات سابقة. سلوب مع الإيرانيين
انتهاك للبروتوكول الرئاسي
لكن كثيراً من الباحثين يرون أثراً مضراً لأسلوب ترمب الخطابي، إذ تشير أستاذة الدراسات الرئاسية في مركز ميلر بجامعة فرجينيا باربرا بيري إلى أن استخدام ترمب العلني للألفاظ النابية غير مسبوق، فقد زاد من فظاظة الخطاب الرئاسي بصورة عامة، وخصوصاً في استخدامه للكلمة البذيئة، وأصبح هذا النعت الذي كان محظوراً في السابق شائعاً الآن في جميع جوانب الحياة الأميركية.
ويشير المؤرخون إلى أنه بينما كان عدد من الرؤساء السابقين يستخدمون الألفاظ النابية في الخفاء، فإن اختيار ترمب استخدام الألفاظ البذيئة في المجال العام يمثل تحولاً جذرياً في الأعراف السياسية، إذ يحدد راسل رايلي وهو الرئيس المشارك لبرنامج التاريخ الشفوي الرئاسي داخل مركز ميلر في جامعة فرجينيا أن استخدام ترمب للغة البذيئة يعد انتهاكاً جسيماً للبروتوكول الرئاسي تحت أي ظرف من الظروف، وأن إفلاته من العقاب يعكس تغيراً في الأخلاق العامة، بينما تربط أستاذة التاريخ في جامعة نيويورك روث بن غيات هذا الأسلوب بالتواصل الاستبدادي التاريخي، إذ يستخدم في كسر المحرمات اللغوية لتجريد الخصوم السياسيين من إنسانيتهم وتقويض الحدود الديمقراطية التقليدية.
وينظر بعض خبراء السلوك إلى الطبيعة المتكررة وغير المفلترة للهجمات باعتبارها شكلاً من أشكال التكييف العام، إذ يقول عالم النفس الدكتور جون غارتنر الذي شارك في تأليف كتاب عن ترمب، إن تصاعد حدة هجمات الرئيس الأميركي على خصومه عبر وسائل التواصل الاجتماعي في وقت متأخر من الليل، تخدم غرضاً ما فهو لا يمزح أبداً، ولا يخدع أيضاً، لكن ما يفعله هو تهيئتنا لأمور كانت ستكون غير قابلة للتصور لولا أنه يمهد لنا بهجماته تلك.
ليس الأول
دونالد ترمب ليس أول سياسي أو زعيم يستخدم لغة بذيئة أو عدوانية أو فظة بصورة صادمة ضد خصومه. فالتاريخ السياسي سواء داخل الولايات المتحدة أو على مستوى العالم، مليء بشخصيات استخدمت الألفاظ النابية والإهانات البذيئة والخطابات التي تحطم الأعراف لسحق المنافسين.
لكن ما يميز ترمب ليس استخدامه لهذه اللغة، بل مكان وكيفية استخدامها، فهو ينقل هذه الإهانات مباشرة إلى الجمهور عبر وسائل التواصل الاجتماعي والتجمعات والبث التلفزيوني المباشر، بينما كان القادة الأميركيون السابقون عادة ما يحتفظون بأكثر عباراتهم البذيئة لمحادثات خاصة خلف الكواليس.
إهانات عبر التاريخ
على مدار التاريخ، كانت السياسة الأميركية شرسة للغاية، لكن الرؤساء عادة ما حافظوا على مظهر علني من الحصافة واللياقة والكرامة بينما تركوا الألفاظ النابية تطلق خلف الأبواب المغلقة، وعلى سبيل المثال، يعد المؤرخون الرئيس ليندون جونسون أحد أكثر الرجال بذاءة الذين شغلوا المكتب البيضاوي على الإطلاق، إذ كان يستخدم باستمرار تشبيهات فظة ووقحة لوصف خصومه السياسيين، فقد انتقد رئيس الوزراء الكندي ليستر بيرسون لموقفه المعادي لحرب فيتنام قائلاً "لقد بللت سجادتي"، وبعدما فكر في إقالة إدغار هوفر من منصب رئيس مكتب التحقيقات الفيدرالي، تراجع وبرر ذلك بأنه من الأفضل أن يبقيه داخل الخيمة يتبول للخارج، بدلاً من أن يكون خارجها يتبول للداخل.
وعلى رغم تصريحات جونسون المتهورة، يحمل الرئيس ريتشارد نيكسون الرقم القياسي غير الرسمي لأكثر رؤساء الولايات المتحدة استخداماً للألفاظ النابية علناً ربما لأنه سجل كثيراً مما قاله في المكتب البيضاوي، ففي محادثة مسجلة عام 1971 بين الرئيس واثنين من مساعديه، وصف نيكسون المكسيكيين بغير الأمناء، وقال إن السود يعيشون مثل مجموعة من الكلاب وأن سان فرانسيسكو مليئة بالمثليين، وكانت هذه مجرد محادثة واحدة.
وفي عام 1973، نشر الصحافي ميرل ميلر مجموعة من المحادثات والمقابلات المسجلة مع هاري ترومان، إذ نقل عن الرئيس الراحل وصفه للجنرال ماك آرثر بأنه "ابن عاهرة غبي"، وهو تعبير استخدمه أيضاً الرئيس جون كينيدي للإشارة إلى رئيس الوزراء الكندي جون ديفنبيكر.
من قديم الأزل
تعود معظم أمثلة الألفاظ النابية المعروفة في السياسة إلى القرن الـ20 وما بعده، وهذا لا يعني أن السياسيين السابقين كانوا يتمتعون بأخلاق أفضل، بل كانت تصريحاتهم غير الرسمية ومن قديم الأزل أقل تسجيلاً، وعلى سبيل المثال، يعتقد بعضهم أن توماس جيفرسون (الرئيس الثالث للولايات المتحدة) أطلق وابلاً من الشتائم أثناء مناقشته التعديلات المحتملة على إعلان الاستقلال، وهذا أمر لا يمكن التأكد منه، فلجنة الصياغة لم تدون ملاحظات عن اجتماعاتها، وحتى وقت قريب كانت العبارات البذيئة تحذف غالباً قبل نشرها للعامة.
ومع ذلك، دون المؤرخون زلات وبذاءات عديدة، إذ لم يكن الإمبراطور الفرنسي نابليون بونابرت يتردد في استخدام الكلمات البذيئة عند التعامل مع الدبلوماسيين الأجانب الذين عارضوه، وفي عام 1809 غضب نابليون من كبير دبلوماسييه، شارل موريس دي تاليران بيريجور الذي كان يحاول بهدوء التفاوض على السلام من وراء ظهره، فصرخ في وجهه قائلاً إنه ليس سوى قذارة في جورب حريري.
وفي عشرينيات القرن الـ16، وخلال نزاع جيوسياسي وديني، شن المصلح الديني مارتن لوثر هجوماً دولياً على ملك إنجلترا، واصفاً هنري الثامن علناً بأنه "خنزير، وحمار، وكومة روث، وأحمق مجنون ذو وجه فاسق".
كشف المستور
في هذه الأيام، يسجل كل شيء تقريباً، ويكشف المستور أو يبث، أو ينشر على وسائل التواصل الاجتماعي، ومع ذلك، ولسبب ما لم يتعلم السياسيون بعد كبح جماح ألسنتهم، ففي عام 1993، كشف تسجيل لرئيس الوزراء البريطاني جون ميجور وهو يصف ثلاثة من أعضاء حكومته بكلمات نابية توصف تأدباً في الصحافة "بمجموعة من الأوغاد"، وحدث الشيء نفسه لحاكم تكساس آنذاك جورج دبليو بوش في عام 2000، عندما وصف مراسل صحيفة "نيويورك تايمز" المخضرم آدم كلايمر بكلمة نابية أخرى تشير إلى أنه أكثر من وقح.
كان نائب الرئيس ديك تشيني يعلم أن الآخرين يسمعونه عندما صرخ في وجه السيناتور باتريك ليهي في قاعة مجلس الشيوخ، مستخدماً كلمة بذيئة منتشرة في الثقافة الشعبية الأميركية وتمحى عادة من الكتابات المنشورة وتستبدل بوصف أخف مثل "اذهب إلى الجحيم".
وفي عام 2003، تحدث السيناتور جون كيري إلى مجلة رولينغ ستون عن قراره بالتصويت لمصلحة حرب العراق، قائلاً كلمة بذيئة تبدأ بحرف (أف) وسط جملة معناها "هل توقعت أن يفسد جورج بوش الأمر بهذه الصورة؟ لا أعتقد أن أحداً توقع ذلك" بينما وصف أوباما المطرب كانييه ويست بكلمة بذيئة أخرى تستبدل بكلمة أحمق تأدباً.
وأثار الرئيس الفيليبيني السابق رودريغو دوتيرتي ضجة عالمية عندما استخدم عبارة بذيئة للغاية، تعني "ابن عاهرة"، في وصفه الرئيس أوباما قبيل قمة إقليمية، ووصف الرئيس الفنزويلي هوغو تشافيز جورج دبليو بوش بأنه حمار وسيد الخطر، وفي عام 2007، وصف وزير الخارجية البريطاني بوريس جونسون، في مقالة له في صحيفة "ديلي تلغراف" هيلاري كلينتون، بأنها أشبه بممرضة سادية في مستشفى للأمراض العقلية.
الفرق بين ترمب وغيره
لكن إذا كان الفحش في السياسة قديماً قدم الحضارة، فلماذا تبدو خطابات ترمب غير مسبوقة؟ يكمن الفرق في الوسيلة والجمهور، فقد استخدم الرؤساء السابقون كلمات مشفرة في العلن، وشتائم في السر، معتمدين على إزالة الصحافة كلماتهم النابية لحفظ أسرارهم، أما ترمب، فقد تجاوز حراس البوابات الإعلامية التقليدية تماماً من خلال إدخال اللغة الفظة وغير المفلترة، التي كانت تستخدم في قاعات الاجتماعات، والرسائل النصية الخاصة، إلى العمل السياسي الرسمي، وحول بذلك ما كان يعد رذيلة خفية في السياسة، إلى استراتيجية عامة استعراضية.