Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

دبلوماسية ترمب القاسية وإيران: هذا الاتفاق أو الاستسلام

إرسال آلاف المظليين إلى المنطقة يمنحه نفوذاً أكبر في المفاوضات

المسار الأميركي الإيراني بين التفاوض الجاد والتصعيد العسكري (أ ف ب)

ملخص

على رغم أن الحرب التي تدور رحاها الآن أفرزت على ما يبدو جيلاً جديداً من القادة الإيرانيين المتشددين الساعين للانتقام، يرى السفير الأميركي السابق لدى إسرائيل دانيال شابيرو، أن واشنطن قد تضطر، بعد مرور أسابيع على اندلاع الحرب، إلى التسليم بحقيقة أنها عاجزة عن إجبار طهران على الاستسلام، وأنه من الوارد جداً التوصل إلى اتفاق يحصل بموجبه كل طرف على تلبية جزء من مطالبه.

بعد مرور نحو شهر على اندلاع الحرب، واجهت الولايات المتحدة وإيران صعوبة حتى الآن في إيجاد سبيل لبدء مفاوضات حول شروط السلام، إذ يفترض كل طرف أنه يملك اليد العليا في الصراع، وأن الطرف الآخر يتوق بشدة لإيجاد مخرج للأزمة. وفي ظل هذا الجمود، دفع دونالد ترمب بمزيد من المظليين الأميركيين إلى المنطقة مما يمنحه نفوذاً أكبر في المفاوضات، لكنه يترك له أيضاً خيار التصعيد العسكري واستخدام القوة. فإلى أي مدى يرغب الجانبان في التوصل إلى اتفاق حقيقي عبر مسار دبلوماسي موثوق؟ أم إن كل منهما يحاول فقط إدارة الأزمة حتى ولو أدى ذلك إلى وقف إطلاق النار من دون اتفاق شامل؟

آفاق قاتمة

حتى الآن، تبدو آفاق التوصل إلى اتفاق دبلوماسي ينهي حالة الحرب بين الولايات المتحدة وإيران قاتمة، في ظل الشروط الصعبة التي أبداها الطرفان في العلن لوقف إطلاق النار. ومع ذلك لاح في الأفق خلال الأيام القليلة الماضية، سواء علناً أو من وراء الكواليس وللمرة الأولى منذ اندلاع الحرب في الـ28 من فبراير (شباط)، مسار دبلوماسي يبدو ممكناً للتوصل من خلاله إلى اتفاق، لكنه يظل مشروطاً بأن يبدي الجانبان رغبة كاملة في الانخراط بالحوار.

وبينما يجري تبادل الرسائل بين البلدين بوساطة باكستان، التي تسعى لترتيب محادثات سلام في العاصمة إسلام آباد، مقترحة تواريخ لعقدها خلال يومين أو ثلاثة، لم تؤكد إيران أو الولايات المتحدة صحة هذه المناقشات، على رغم إبداء الرئيس ترمب وحلفائه السياسيين عن حماسهم لإجراء هذه المحادثات.

وفي حين صرح وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، بأن إيران لا تعتزم الدخول في مفاوضات، أشار وسطاء إلى أن طهران كانت أكثر انفتاحاً في أحاديثها الخاصة، وأنها تصغي باهتمام بينما يحاول الوسطاء صياغة شروط من شأنها أن تتيح للجانبين، فرصة اللقاء المباشر. مما يعني أن الآفاق القاتمة الآن يمكن أن تتغير بمجرد عقد الجولة الأولى من المفاوضات أو تزداد الأمور تعقيداً بحسب مواقف الطرفين من المطالب المطروحة ومدى المرونة التي يتحلى بها كل طرف.

صاحب الكلمة العليا

وعلى رغم سعي الطرفين لوقف هذه الحرب، يرغب كل طرف في تجنب الظهور بهيئة الطرف المتلهف أكثر من اللازم في صراع يسعى فيه كل منهما لإثبات أنه يمتلك اليد العليا، إذ استعرض المسؤولون الأميركيون سلسلة من المؤشرات العسكرية لتدعيم تأكيداتهم بأن القوات الإيرانية سحقت تماماً، وأنه جرى إغراق بحريتها وتدمير صواريخها قبل أن يتسنى إطلاقها.

ولهذا عزت السكرتيرة الصحافية للبيت الأبيض كارولين ليفيت، سبب سعي النظام الإيراني للبحث عن مخرج إلى هذه النتائج العسكرية، محذرة في الوقت ذاته القادة الإيرانيين الناجين من القتل، بأنهم سيجلبون مزيداً من الدمار لبلدهم إذا فشلوا في استيعاب حقيقة أنهم هزموا عسكرياً، وأن سوء تقدير قياداتهم السابقة للنتائج الوخيمة التي كانت تحيق بهم خلال المفاوضات التي سبقت الحرب، هي التي أوصلتهم إلى هذه الهزيمة.

في الوقت ذاته، بدأت الولايات المتحدة استعدادها لنشر 2000 جندي من القوات المظلية ضمن الفرقة 82 المحمولة جواً في المنطقة، تحضيراً لاحتمال القيام بعمل عسكري إضافي سواء كان ذلك للاستيلاء على ميناء "خارك" النفطي الإيراني، أو لضمان إبقاء مضيق هرمز مفتوحاً في حال لم تنطلق المحادثات من الأساس، أو باءت بالفشل.

في كل الأحوال سوف تمنح تلك القوات ترمب نفوذاً أكبر في مفاوضاته، ولكنها تترك له أيضاً خيار المضي قدماً بقوة أكبر في استخدام القوة العسكرية، على رغم أن وجودها قد يؤجج الاستياء الإيراني من تصرفات ترمب، الذي بادر بفتح باب المفاوضات معهم مرتين خلال الأشهر الثمانية الماضية، ثم أصدر أوامره بقصف المنشآت النووية وشن هجوم أوسع نطاقاً على البلاد.

في المقابل، لم تبدِ إيران في موقف الأمة المهزومة، ففي حين تستشهد وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) بقائمة المعدات العسكرية الإيرانية التي جرى تدميرها، تتباهى القيادة العسكرية الإيرانية بقدرات جديدة للسيطرة على المضيق الذي يبلغ عرضه 21 ميلاً، حتى في غياب الأسلحة العسكرية التقليدية. وأوضح وزير الخارجية الأميركي السابق أنتوني بلينكن أمام حشد من الحضور في كلية هارفرد كينيدي، أن إيران تملك القدرة على استغلال مضيق هرمز بطرق تحدث اضطراباً عميقاً، وتمنحها ميزة في المنطقة، بل وفي جميع أنحاء العالم، ومن غير المرجح الآن أن تبدي إيران أي نية للتخلي عن هذه القدرة.

صعوبات وتوترات

من المرجح أن تكون أية محادثات بين واشنطن وطهران محفوفة بالصعوبات والتوترات، وهو ما تعكسه على الأقل في المرحلة الأولى تصريحات المسؤولين الأميركيين بأن الولايات المتحدة وإسرائيل أزالتا اسمي عراقجي ومحمد باقر قاليباف رئيس البرلمان الإيراني المعروف بمواقفه المتشددة، من قوائم الاغتيال المستهدفة لفترة تتراوح بين أربعة وخمسة أيام، لإتاحة الفرصة لهما للمشاركة في المحادثات بحال سارت قدماً.

كذلك لا يزال الطرفان متباعدين للغاية في مواقفهما، فالرئيس ترمب يجدد التأكيد على مطالبه التي طرحها قبل اندلاع الأزمة، بما في ذلك تلك الواردة في خطة مكونة من 15 نقطة سربت إلى الصحافة وتتمثل في تفكيك ما تبقى من البرنامج النووي، وتسليم كافة مخزونات اليورانيوم المخصب، وتقييد البرنامج الصاروخي، وهي قضايا سبق لإيران أن رفضت التفاوض بشأنها مع واشنطن.

في المقابل، يجدد المسؤولون الإيرانيون التأكيد على رفضهم لتلك المطالب، وهو الرفض الذي أبدوه قبل الأزمة، ويريدون ضمانات وتعويضات وطرد القوات الأميركية من المنطقة وفرض رسوم عبور على السفن المارة عبر مضيق هرمز، على رغم كونه ممراً مائياً دولياً في المياه المفتوحة، وليس كقناتي السويس أو بنما، وكلتاهما قناتان صناعيتان جرى حفرهما داخل الأراضي السيادية لكل من مصر وبنما باستثمارات ضخمة ويجري توسعتهما وإدارة المرور فيهما باستمرار.

حالة تشكك وريبة

وتعد جميع هذه المطالب الإيرانية غير قابلة للنقاش ومرفوضة جملة وتفصيلاً من الجانب الأميركي، وهو ما يفسر حالة التشكك والريبة التي تسود الأجواء الحالية بين الجانبين، خصوصاً وأنه ليس من المعروف ما إذا كانت الشخصية الإيرانية رفيعة المستوى التي يتحدث عنها ترمب هي رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف، والعمدة السابق لطهران، وقائد الشرطة، وقائد القوات الجوفضائية في الحرس الثوري، الذي يعد شخصاً براغماتياً يرى البعض في تقلباته السياسية المتعددة وسجله الحافل باتهامات الفساد علامات تشير إلى أنه ينتمي إلى ذلك النمط المرن الذي طالما بحثت عنه الولايات المتحدة، بينما يراه آخرون شخصية متجذرة داخل نظام وحشي، لا يبدي أي رغبة حقيقية في تغيير سياسات إيران.

ومما يزيد الشكوك أنه ليس من المؤكد ما إذا كان قاليباف يملك الصلاحية للتحدث باسم النظام الإيراني. ففي حين أنه يعد من بين كبار المسؤولين المتبقين في أعلى سلم السلطة في إيران، إلا أن السؤالين الأكثر أهمية يتعلقان بما إذا كان الحرس الثوري سوف يمتثل لتوجيهاته؟ وما هو هامش المناورة المتاح له فعلياً؟

إضافة إلى ذلك، يلوح في الأفق مع تلك الجهود الدبلوماسية الحثيثة الجارية الآن، شبح التصعيد العسكري، بعدما أصدر ترمب أوامره بنشر قوات برية أميركية إضافية في المنطقة ليصل عددها إلى نحو 7 آلاف جندي من قوات مشاة البحرية الأميركية المارينز وقوات من المظليين في الفرقة 82 المحمولة جواً والمدربة بشكل خاص على المهام الصعبة، فيما حذر قاليباف من أن إيران رصدت مخططات لغزو إحدى جزرها، وهدد بالتصعيد العسكري ضد أميركا وحلفائها.

مسار ضيق للتوافق

لكن على رغم كل هذه التعقيدات، لا يزال هناك مسار ضيق للتوصل إلى اتفاق إذا اقتنع الطرفان أن كلفة الحرب سواء كانت عسكرية أو اقتصادية أو تداعياتها السياسية، أصبحت أكبر من أن تحتمل، حينها سيكون بإمكانهما إبرام اتفاق يوقف القتال، مع إرجاء البت في القضايا الأكثر تعقيداً وصعوبة. وهو ما يشير إليه المدير السابق لشؤون الشرق الأوسط في مجلس الأمن القومي الأميركي مايكل سينغ، الذي يتوقع أن تواصل الولايات المتحدة إصرارها على ضرورة تحقيق جميع أهدافها، لكن من المحتمل أيضاً أن تسبق ذلك بهدنة محدودة النطاق تليها مفاوضات لاحقة تتناول تلك الأجندة الشاملة.

يتمثل أحد المسارات المؤدية إلى إبرام اتفاق للهدنة، في العودة إلى بعض الأفكار التي طرحها الطرفان خلال المفاوضات التي جرت في فبراير (شباط) الماضي، والتي شملت تعليق عمليات تخصيب اليورانيوم الإيرانية لأعوام عدة وإبرام ميثاق إقليمي لعدم الاعتداء، في مقابل تخفيف العقوبات على إيران، والتي يمكن أن يحدث على مراحل تزامناً مع قيام طهران بفتح مضيق هرمز أمام حركة الملاحة العالمية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

من شأن هذا السيناريو أن يبقي قضايا ضخمة عالقة ومطروحة على طاولة البحث، على سبيل المثال، طالبت الولايات المتحدة بضرورة معالجة مسألة مخزون إيران من اليورانيوم (440 كيلوغراماً) الذي يقترب من درجة الاستخدام في الأسلحة النووية والمخصبة بدرجة 60 في المئة، كجزء من أي اتفاق للهدنة، غير أن طهران ربما ترغب في الإبقاء على هذه المواد تحت سيطرتها لاستخدامها كورقة ضغط تفاوضية.

كذلك سيتعين التعامل في مرحلة لاحقة مع قضايا أخرى مثل عمليات التفتيش داخل إيران من قبل الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وما تطالب به إيران من حق في التخصيب لأغراض مدنية وبحثية، فضلاً عن رفع ما تبقى من عقوبات على إيران.

وفي حين تبدو إيران مهتمة بالتوصل إلى هدنة، تسمح لها بالحصول على ضمانات بعدم شن أي هجمات أميركية أو إسرائيلية في المستقبل، إلا أن الأمر يعتمد في نهاية المطاف بصورة أساسية على ترمب، وما إذا كان مستعداً لوقف إطلاق النار في مقابل موافقة إيران على إعادة فتح مضيق هرمز أمام الملاحة البحرية.

إرجاء الخلافات الأصعب

لدى واشنطن وطهران تاريخ مشترك في إنجاح المفاوضات من خلال إرجاء البت في بعض النقاط الأكثر إثارة للجدل بصورة هادئة وغير معلنة، على رغم تباين المطالب التي تبدو متعارضة للوهلة الأولى. على سبيل المثال، تضمن الاتفاق النووي لعام 2015، الذي جرى التفاوض عليه في عهد إدارة الرئيس باراك أوباما، آلية لتأجيل البت في بعض القضايا، وذلك من خلال تقييد قدرة إيران على تخصيب اليورانيوم لمدة 15 عاماً، وفرض قيود زمنية تمتد 25 عاماً على جوانب أخرى من البرنامج النووي.

 ومع ذلك، سمح الاتفاق لطهران بمواصلة تخصيب اليورانيوم بمعدل 3.67 وهو موقف عارضته واشنطن بشدة طيلة أعوام، كذلك لم يتضمن الاتفاق أي قيود على برنامج إيران الصاروخي، التي كان المسؤولون الأميركيون قد تعهدوا بفرضها.

في المقابل، طالبت إيران طيلة أعوام بتعويضات عن قرار الرئيس ترمب في عام 2018 بالانسحاب من الاتفاق النووي، غير أنها نحت هذا الشرط جانباً بعد أن فتحت إدارة جو بايدن باب المحادثات في عام 2021 بهدف إحياء الاتفاق، كذلك استبعدت طهران من تلك المحادثات مطلبها القديم بمحاكمة ترمب لإصداره الأمر باغتيال قاسم سليماني قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني، الذي كان يعد أقوى مسؤول عسكري في إيران آنذاك. وفي نهاية المطاف، باءت المحادثات بالفشل، على رغم أن تعليق تلك المطالب غير القابلة للتحقيق، أتاح للمفاوضات المضي قدماً.

سلام هش محتمل

وعلى رغم أن الحرب التي تدور رحاها الآن أفرزت على ما يبدو جيلاً جديداً من القادة الإيرانيين المتشددين الساعين للانتقام، يرى السفير الأميركي السابق لدى إسرائيل دانيال شابيرو، أن واشنطن قد تضطر، بعد مرور أسابيع على اندلاع الحرب، إلى التسليم بحقيقة أنها عاجزة عن إجبار طهران على الاستسلام، وأنه من الوارد جداً التوصل إلى اتفاق يحصل بموجبه كل طرف على تلبية جزء من مطالبه.

ويشير شابيرو إلى أن أي اتفاق محتمل من المرجح أن يهدف إلى وقف القتال وإعادة فتح مضيق هرمز للملاحة، أما القضايا الأخرى، مثل الترتيبات الخاصة بتخلص إيران من موادها النووية، فيمكن التفاوض بشأنها في مرحلة لاحقة، وقضايا أخرى، كبرنامج إيران الصاروخي المستقبلي ودعمها للميليشيات الإقليمية التابعة لها، قد تظل عالقة ومفتوحة لأجل غير مسمى، وفي المقابل، لن تحصل إيران سوى على رفع جزئي للعقوبات المفروضة عليها. لهذا قد يفضي هذا السيناريو إلى إحلال السلام، لكنه سيظل سلاماً هشاً، فغالباً ما تنتهي الحروب بطريقة فوضوية وغير حاسمة. وعندما يبلغ الألم حداً يجعل الأطراف لا ترغب سوى في وضع حد للصراع، فمن الممكن حينها أن ينتهي الأمر بالتوصل إلى تسوية جزئية تتسم بالضبابية والغموض، ويبدو أن هذا هو ما سوف تتجه إليه المفاوضات الأميركية - الإيرانية.

دبلوماسية "ترمبية"

أما إذا تعنت الإيرانيون وظنوا أن لهم اليد العليا في المفاوضات وأنه يمكنهم الاستمرار في الحرب أو الإصرار على الرضوخ لمطالبهم، فقد تأتي النتيجة عكسية لما يتصورونه. فبينما تدرس الولايات المتحدة جدوى تكبد الوقت والأخطار اللازمة لإعادة فتح مضيق هرمز بالقوة، يتعين على النظام الإيراني أن يقيم ما إذا كان بوسعه المخاطرة بخسارة تلك الورقة الدبلوماسية الرابحة وتحمل وطأة الهجمات طوال الفترة التي قد تطيل فيها عملية هرمز أمد الحرب.

يسمي البعض هذا الأسلوب "الدبلوماسية الترمبية" حيث تمتد إحدى يديه لتقديم العون، بينما تتأهب اليد الأخرى بوضوح لتوجيه لكمة قاضية. فهل سيتحدى النظام في إيران مجدداً الرئيس الأميركي ليضطره إلى تنفيذ تهديده؟

اقرأ المزيد

المزيد من متابعات