ملخص
تراجع كير ستارمر عن إصلاح نظام الرعاية الاجتماعية في بريطانيا شكل، بحسب كاتب المقالة، لحظة مفصلية حددت مسار ولايته. ففشل الحكومة في ضبط فاتورة الإعانات المتضخمة كشف حدود قدرتها على فرض الإصلاح داخل حزب "العمال"، وأظهر انقساماً عميقاً حول علاقة الدولة بالعمل. وبينما تتصاعد كلفة النظام وتزداد أعداد المتعطلين، يطرح سؤال جوهري: إصلاح يحفز العمل أم توسع يكرس الاعتماد على الإعانات؟
"لا كرامة لنبي في وطنه وبين أقربائه وفي بيته". فوزير الدولة البريطاني لشؤون العمل والتقاعد بات مكفادن - الذي ولد وترعرع في كنف الكنيسة الكاثوليكية ويحرص على أن يحضر كل سنة "قداس المقابر" الذي يقام تكريماً للموتى في بلدة دونيغال - لن يصف نفسه بالتأكيد بأنه نبي. لكن بالنسبة إلى بعض أصدقائه، فقد تبادرت إلى ذهنهم تلك الكلمات الواردة في إنجيل القديس مرقس، عندما رأوا ماكفادن يتعرض لانتقاد شديد بسبب قوله الحقيقة عن زملائه في حزب "العمال".
قال ماكفادن لبيتر ماندلسون، في إشارة إلى اجتماعاته مع نواب حزب "العمال": "كل اجتماع أحضره يتمحور حول سؤال واحد: على من يمكننا أن نفرض ضرائب كي ندفع الإعانات لآخرين؟ إنهم يطرحون الأسئلة الخاطئة". وقد كشفت هذه الرسالة عبر تطبيق "واتساب"، التي ظهرت الشهر الماضي ضمن ما بات يعرف بـ"ملفات ماندلسون"، عن رأي افتقر إلى اللياقة الدبلوماسية وكان، بلا شك، غير حكيم. لكنه كان أيضاً دقيقاً إلى حد كبير.
ذلك أن قصة الرعاية الاجتماعية هي قصة فشل رئيس الوزراء البريطاني الراهن كير ستارمر، وربما هي أيضاً قصة مستقبل حزب "العمال" برمته.
في الصيف الماضي، حاولت حكومة حزب "العمال" اقتطاع نحو 5 مليارات جنيه استرليني (نحو 6.6 مليار دولار أميركي) من فاتورة المساعدات الصحية المخصصة للذين هم في سن العمل، وذلك عبر خفض معدلات "مدفوعات الاستقلال الشخصي" Personal Independence Payment (PIP) لذوي الإعاقة، وإدخال تعديلات على الشق المتعلق بالصحة في نظام المساعدات المعروفة بـ"الدعم الشامل" Universal Credit [معونة تمنح شهرياً لأصحاب الدخل المنخفض أو للعاطلين من العمل لمساعدتهم على تحمل كلف معيشتهم].
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
لقد بلغ حجم الإنفاق على هذه المساعدات المرتبطة بالصحة 36 مليار جنيه استرليني (47 ملياراً و520 مليون دولار) في السنة المالية 2019 – 2020. وما لم تشهد المنظومة إصلاحات، فإن تقديرات "معهد الدراسات المالية" Institute for Fiscal Studies، تتوقع أن ترتفع هذه الكلفة إلى 66 مليار جنيه استرليني (نحو 87 مليار دولار) بحلول السنة المالية 2029 – 2030.
هذه الأرقام مهمة، لكنها تفسر في الوقت نفسه سبب فشل تلك المحاولة لإصلاح نظام الرعاية الاجتماعية في بريطانيا. فقد صور فريق كير ستارمر قضية الإصلاح على أنها مجرد محاولة لتوفير المال، بدلاً من كونها عملية إصلاح لمنظومة متهالكة، مما أثار ردود فعل عنيفة ورافضة بشدة من قبل نواب حزب "العمال".
لم يكن تراجع ستارمر عن ملف الرعاية الاجتماعية مجرد خطوة إلى الوراء، بل كان بمثابة النهاية الفعلية لولايته في رئاسة الوزراء، وذلك لأن نواب حزب "العمال" أدركوا أنه - حتى في أصعب الملفات وأكثرها حساسية - يمكنهم إجبار رئيس حكومتهم على التراجع. حينها، أصبح القائد تابعاً وحسم مصيره.
في هذا السياق جاءت الصراحة المتهورة في محادثة الوزير ماكفادن مع ماندلسون الصيف الماضي. وقد أصبحت عبارته في ما يتعلق بالضرائب والإعانات على لسان الجميع، لكن الشق الثاني من كلامه - "إنهم يطرحون الأسئلة الخاطئة" - هو الجزء الأهم في الواقع. وهو ما يجدر بحزب "العمال" التوقف عنده ملياً وهو يحاول تحديد وجهته المقبلة.
السؤال الصحيح الذي يجب طرحه في ما يتعلق بسياسات الرعاية الاجتماعية هو: كيف يمكن للدولة تحسين مستوى معيشة الناس وجعلهم أكثر صحة وسعادة؟ وفي كثير من الحالات، تكون الإجابة هي: مساعدة الأفراد على الانتقال من الاعتماد على الإعانات الحكومية إلى الاندماج في سوق العمل. هذه الحقيقة غابت إلى حد كبير عن النقاش الدائر داخل حزب "العمال" في شأن الرعاية الاجتماعية. ويعد هذا السهو أمراً محزناً بالنسبة إلى حزب تأسس أصلاً للدفاع عن العمل والعمال. أليس من الطبيعي أن يسعى هذا الحزب إلى رؤية مزيد من الناس يحركون العجلة الاقتصادية؟
في الوقت الراهن، يتلقى نحو سبعة في المئة من سكان بريطانيا الذين هم في سن العمل إعانات العجز عن القيام بوظيفة، وهي أعلى نسبة مسجلة منذ نحو 25 عاماً. الأسوأ من ذلك أن هذه النسبة آخذة في الارتفاع وقد تتجاوز قريباً نسبة ثمانية في المئة، وهو معدل قياسي.
يشكل العجز عن العمل جزءاً من القصة الكئيبة لظاهرة الخمول التي تعيشها بريطانيا في مرحلة ما بعد جائحة "كوفيد". ففيما نجحت معظم الاقتصادات المتقدمة في العودة إلى مستويات التوظيف التي كانت عليها قبل فترة الجائحة، لا تزال نسبة الأفراد الذين هم خارج سوق العمل في المملكة المتحدة مرتفعة بصورة ملحوظة. وتسجل الحالات الصحية باعتبارها المسبب الأكبر لهذا الخمول، لكن يبقى السؤال: هل يعود ذلك إلى زيادة حقيقية في معدلات المرض بين السكان، أم إلى تزايد الرغبة في الحصول على تقارير تثبت عدم القدرة على العمل بداعي المرض؟
لا جدال في القول إن بنية نظام الرعاية الاجتماعية في بريطانيا توفر دوافع مالية لتقدم بعض الأفراد بطلب للحصول على إعانات العجز عن العمل، بدلاً من الإعانات التي تشترط على المتقدمين البحث عن عمل.
بالنسبة إلى المتقدمين الراهنين، كان "العنصر الصحي" في مساعدات "الدعم الشامل" يوفر لهم مبلغاً إضافياً مقداره 5 آلاف جنيه استرليني (6600 دولار) سنوياً، كما يعفيهم من بعض متطلبات البحث عن عمل في الأقل. إلا أن التغييرات التي أجريت في أبريل (نيسان) الماضي، خفضت هذا المبلغ إلى نحو 2600 جنيه استرليني، لكن المشكلة الأساس لا تزال قائمة.
ووفقاً لما ورد في دراسة أجرتها "مؤسسة القرار" Resolution Foundation البحثية حول فئة الشباب في أبريل الماضي، فإن "التغييرات التي طرأت على نظام الإعانات في الأعوام الأخيرة ربما زادت من حوافز المطالبة بالحصول على إعانات العجز"، وذلك لأن الشق المتعلق بالصحة في نظام مساعدات "الدعم الشامل" يمنح مبالغ مالية أكبر، ويتضمن شروطاً أقل صرامة للبحث عن عمل.
هذه الشروط أخذت تتلاشى تدريجاً بحيث يبلغ إجمال عدد المستفيدين من "الدعم الشامل" المعفيين تماماً من شروط البحث عن وظيفة في الوقت الراهن، نحو 4.1 مليون شخص، بزيادة تتجاوز مليون شخص منذ عام 2024.
تعد الكلفة المالية لنظام الرعاية الاجتماعية كبيرة، لكن حتى لو توافرت موارد عامة غير محدودة للإنفاق على هذا الجانب، فسيظل هناك مبرر أخلاقي قوي لإجراء إصلاحات تشجع مزيداً من الناس على الالتحاق بسوق العمل. ذلك لأن العمل، في الإجمال، هو أفضل للإنسان من عدمه.
ويرتبط العمل الجيد عادة بصحة أفضل، ورفاهية أعلى، وثقة أكبر بالنفس، ودخل أعلى، وعلاقات اجتماعية أقوى، وفرص أكبر لزيادة الدخل في المستقبل. في المقابل، يؤدي الخمول إلى الاكتئاب، وتدهور صحة الفرد، وحتى إلى ارتفاع احتمالات الوفاة المبكرة.
كي نكون واضحين، هذا لا يعني ببساطة أن "الرعاية الاجتماعية تؤذي الناس" - فالخمول، وليس الرعاية الاجتماعية، هو العامل المرتبط مباشرة بالضرر - كما أن الأسباب هنا معقدة ومتعددة الاتجاهات. فعلى سبيل المثال، يُصاب بعض الأشخاص الخاملين عن العمل بمشكلات في صحتهم النفسية نتيجة لذلك، في حين أن بعضاً آخر من الذين يعانون أساساً مشكلات صحية نفسية ينتهي بهم المطاف إلى الخمول والابتعاد من سوق العمل.
لكن بصورة عامة، هناك حقيقتان. أولاً، أن عدم النشاط أمر سيئ، والعمل أفضل. ثانياً، أن نظام الرعاية الاجتماعية لدينا غالباً ما يحفز على عدم النشاط بدلاً من العمل.
بالطبع، ليس كل أنواع العمل "جيدة" إذ إن بعض الوظائف غير مستقرة أو استغلالية أو ضارة. لكن كثراً داخل حزب "العمال" باتوا ينظرون إلى العمل باعتباره أمراً ينبغي حماية الناس منه. هذا ليس تقييمي الشخصي، بل هو حكم وزير في حزب العمال يصف مقاربة نواب الحزب بأنها تقوم على "تعاطف مدمر، إذ يعتقد كثير من الزملاء أنهم يحسنون صنعاً حين يساعدون الناس على البقاء ضمن نظام الرعاية وخارج سوق العمل. والحقيقة أنها عكس ذلك تماماً".
المفارقة المحزنة في خروج رسالة مكفادن لماندلسون إلى العلن، هي أنها جاءت بعد أيام قليلة فقط من إشرافه على لحظة قد تشكل بداية لعودة حزب "العمال" نحو تبني موقف يدعم العمل والتوظيف. فقد رسمت المراجعة التي أجراها السياسي "العمالي" المخضرم آلان ميلبورن حول الشباب والعمل، صورة قاتمة للوضع، بحيث يوجد الآن أكثر من مليون شاب تتفاوت أعمارهم ما بين 16 و24 سنة، خارج منظومة التعليم أو العمل أو التدريب. وتتعدد الأسباب وراء ذلك، لكن إحداها بالتأكيد في الرعاية الاجتماعية.
وفي خلاصة تعد الأكثر قسوة، قدم ميلبورن تقييماً يستحق اقتباسه بالكامل، "لا يوجد في المملكة المتحدة نظام رعاية اجتماعية يتعامل مع مشاركة الشباب وانخراطهم في سوق العمل كهدف أساس... بل إن النظام مصمم بطريقة تجعل كثيراً من الشباب يشعرون بأنهم يغامرون بخسارة دخل مضمون يعادل ألفي جنيه استرليني (2640 دولاراً) أو أكثر شهرياً من المساعدات، إذا ما قرروا دخول مجال العمل".
في كثير من الأحيان، يكون هذا "الدخل المضمون" طريقاً إلى حياة طويلة من الاعتماد على الإعانات، مصحوبة بفقدان الثقة، وإضاعة الفرص، وانخفاض في الدخل بصورة دائمة.
إن إدارة نظام رعاية اجتماعية يخلق هذا الحافز المالي للشباب للحصول على الإعانات بدلاً من التدريب أو كسب الرزق، ليس بالأمر الجيد. بل إنه قاسٍ لأنه يشجع على الظروف التي تلحق ضرراً طويل الأمد بهؤلاء الأفراد.
هذا تحديداً ما يجعل الفشل الذريع لستارمر في إصلاح نظام الرعاية الاجتماعية أمراً لافتاً وبالغ الوضوح. فعلى رغم أنه رجل كانت والدته وشقيقته من ذوي الحاجات الخاصة، فإنه أعطى انطباعاً بأن هدفه الأساس هو ممارسة التضييق المالي والقسوة على الفئات الأكثر ضعفاً. وعلى رغم خلفيته الشخصية هذه، فقد بدا رئيس الوزراء عاجزاً عن تقديم حجة مقنعة تفيد بأن مساعدة الناس على الانخراط في سوق العمل - متى كان ذلك ممكناً - هي الخيار الأكثر إنسانية وتعاطفاً.
سواء كان آندي بيرنهام أو شخصية أخرى من حزب "العمال"، فإن من سيخلف كير ستارمر في مقر رئاسة الوزراء في "10 داونينيغ ستريت" سيرغب في سرد قصة التغيير، وإثبات أن الأمور ستكون مختلفة. وينبغي أن تبدأ تلك السردية بالعودة إلى إجراء إصلاح شامل لنظام الرعاية الاجتماعية - ليس فقط لأنه ضروري من الناحية الاقتصادية، بل لأنه يصب في مصلحة الناس.
وينبغي أن يشمل ذلك الإبقاء على بات ماكفادن في منصبه لإنجاز هذا الإصلاح. فكي يستعيد حزب "العمال" غايته السياسية والأخلاقية بصفته حزب الطبقة العاملة، فإنه في حاجة لتغيير نهجه في ما يتعلق بنظام الرعاية الاجتماعية، وليس تغيير الوزير المسؤول عنها.
جيمس كيركاب هو زميل بارز في "مؤسسة سوشيال ماركت" Social Market Foundation لأبحاث السياسات العامة في المملكة المتحدة
© The Independent