ملخص
تتصاعد الخلافات حول مستقبل مضيق هرمز مع تمسك إيران بحقها في إدارة الممر وفرض رسوم على العبور، مقابل رفض خليجي وأميركي يستند إلى قواعد الملاحة الدولية. قانونياً، تخضع معظم المضائق الاستراتيجية لنظام "المرور العابر"، مع تقييد صلاحيات الدول المشاطئة ومنعها من تعطيل الملاحة. فماذا يقول القانون الدولي في هذا السياق؟
بعدما شنت الولايات المتحدة وإسرائيل الحرب على إيران بهدف القضاء على برنامجها النووي بالدرجة الأولى، أجبر الطرفان على الإسراع إلى طاولة المفاوضات بحثاً عن تسوية، وذلك لسبب رئيس واحد: مضيق هرمز. فلا واشنطن تحتمل طويلاً عبء ارتفاع أسعار النفط وتداعياته على الاقتصاد العالمي طالما المضيق مغلق، ولا طهران تحتمل ضغط الحصار الأميركي على موانئها وتداعياته على قطاعها النفطي تحديداً واقتصادها عموماً. لذلك، شكّل مضيق هرمز جوهر مذكرة التفاهم بين أميركا وإيران، فحين نصّت المذكرة على البحث في جميع المسائل الخلافية في غضون 60 يوماً للتوصل إلى اتفاق، أكدت وجوب فتح المضيق ورفع الحصار بصورة فورية. غير أن مضيق هرمز الذي شكّل المدخل لحل الصراع، أصبح في الوقت ذاته عقدة جديدة في النزاع لا تقل أهمية وجدلية عن جميع المسائل الأخرى، إذ تصر إيران على السيطرة على إدارة المضيق وفرض رسوم عبور على الملاحة فيه، مؤكدة أن الوضع فيه من الآن فصاعداً لن يبقى كما كان قبل الحرب.
المطالب الإيرانية أثارت المخاوف بشأن مصير مضيق هرمز والترتيبات التي ستشمله مستقبلاً. دول مجلس التعاون الخليجي أكدت ضرورة الحفاظ على حرية الملاحة غير المشروطة ورفضت فرض أي رسوم أو محاولات لفرض السيطرة على المضيق، وذلك في بيان مشترك عقب اجتماع حضره وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، الذي أكد بدوره أن الولايات المتحدة لن تقبل فرض رسوم عبور في المضيق.
فبين مطالب إيران وبقية الدول الأخرى، ماذا يقول القانون الدولي عن الملاحة البحرية في المضائق، وهل يحق لطهران استيفاء أي رسوم للعبور في مضيق هرمز، وكيف تدار أبرز المضائق الأخرى في العالم؟
ما هو المضيق ولأي قانون يخضع؟
المضيق هو ممر مائي طبيعي ضيّق بين يابستين ويصل بين مسطحين مائيين، وهو موجود في الطبيعة على عكس القنوات المائية التي يصنعها الإنسان لتسهيل الملاحة. وبينما تخضع القنوات المائية، على غرار قناة السويس وقناة بنما، لسيادة وقوانين الدول التي أنشأتها أو تمر فيها أو تسيطر عليها، فإن المضائق المستخدمة للملاحة الدولية تخضع لأحكام اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار "UNCLOS" الصادرة عام 1982 والتي تعد بمثابة قانون دولي عرفي، وتحديداً الجزء الثالث منها الذي تنطبق مواده على "المضائق المستخدمة للملاحة الدولية بين جزء من أعالي البحار أو منطقة اقتصادية خالصة وجزء آخر من أعالي البحار أو منطقة اقتصادية خالصة".
وفي التعريف، المنطقة الاقتصادية الخالصة هي منطقة بحرية تقع بعد البحر الإقليمي لدولة مشاطئة وملاصقة له، وتمتد حتى 200 ميل بحري من خطوط الأساس التي يبدأ منها البحر الإقليمي. في هذه المنطقة، لا تتمتع الدولة المشاطئة بسيادة كاملة كما هي الحال داخل مياهها الإقليمية، لكنها تملك حقوقاً سيادية خاصة باستثمار الموارد في هذه المنطقة. أما أعالي البحار، فهي المساحات البحرية المفتوحة للجميع، التي تبدأ بعد المنطقة الاقتصادية الخالصة، ولا تملك أي دولة سيادة عليها، بل يتمتع الجميع بحرية الحركة فيها.
هل تخضع المضائق لسيادة الدول المشاطئة لها؟
قبل اعتماد اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، كان نطاق البحر الإقليمي للدول الساحلية يقتصر على ثلاثة أميال بحرية. وبالتالي كانت معظم المضائق المستخدمة للملاحة الدولية تشتمل في وسطها على ممر يقع في أعالي البحار ويضمن حرية الملاحة لجميع السفن الأجنبية، تجارية وعسكرية، من دون الحاجة للمرور في المياه الإقليمية لدولة مشاطئة. لكن مع توسيع نطاق البحر الإقليمي إلى 12 ميلاً بحرياً، أصبحت كثير من المضائق الاستراتيجية تقع بالكامل ضمن نطاق البحار الإقليمية للدول الساحلية. لذلك، ولتفادي سيطرة الدول على المضائق المستخدمة للملاحة الدولية، استحدث قانون البحار "حق المرور العابر" (Transit Passage) لضمان استمرار حرية العبور فيها من دون عرقلة.
"المرور العابر" حق يسري على كل مضيق مستخدم للملاحة الدولية طالما لا يوجد له بديل "ملائم بقدر مماثل من حيث الخصائص الملاحية والهيدروغرافية" في أعالي البحار أو في منطقة اقتصادية خالصة. بمعنى آخر، يسري هذا النظام على كل مضيق لا يوجد له بديل في المناطق التي يتمتع الجميع فيها بحرية مطلقة للحركة.
لا ينفي "المرور العابر" حق الدول المشاطئة للمضائق بالسيادة على مياهها الإقليمية ومجالها الجوي وقاعها وباطن أرضها، لكنه يقيّدها ويؤطّرها بقواعد واضحة ومحددة خصيصاً لحماية العبور عبر المضائق المستخدمة للملاحة الدولية، إذ يضمن حق جميع السفن والطائرات الأجنبية بالعبور في هذه المضائق من دون عرقلة، على أن يتم ذلك بصورة متواصلة وسريعة، ومن دون أي استغلال أو تلويث للمياه الإقليمية. وينص هذا النظام بصراحة ووضوح على أنه لا يحق للدولة المشاطئة إعاقة أو تعليق "المرور العابر" عبر المضائق الدولية.
وفي بعض الحالات الاستثنائية، تخضع المضائق المستخدمة للملاحة الدولية لنظام "المرور البريء" بدلاً من "المرور العابر"، وهو مبدأ يسمح للسفن الأجنبية بالمرور عبر المياه الإقليمية لدولة مشاطئة، على أن يكون مرورها سلمياً وألا يخل بأمن الدولة المشاطئة أو يضر به. وبموجب هذا النظام، تمتع الدولة المشاطئة بهامش أكبر لممارسة سيادتها على الملاحة في مياهها الإقليمية مقارنة مع "حق المرور العابر"، إذ يقتصر "حق المرور البريء" على السفن من دون الطائرات التي لا تتمتع بحق مماثل في التحليق فوق المياه الإقليمية، فيما يتوجب على الغواصات أن تطفو على السطح رافعة علمها. وبموجب هذا النظام، يبقى للدولة صاحبة السيادة أن تنظم حركة المرور عبر مياهها الإقليمية وأن تطبق فيها قوانينها، كما يحق لها أن تعلّق أحياناً "حق المرور البريء" لأسباب أمنية.
متى يخضع المضيق لـ"حق المرور البريء" وليس "العابر"؟
بصورة عامة، المعيار الذي يستند إليه قانون البحار لتحديد النظام الواجب اتباعه في المضيق، هو إذا ما كان يستخدم للملاحة الدولية بين منطقتين من أعالي البحار أو المناطق الاقتصادية الخالصة. إن كان مستخدماً لذلك، يخضع عموماً لنظام "المرور العابر"، إلا في بعض الحالات المحدودة التي يخضع المضيق فيها لنظام "المرور البريء"، وتشمل ما يلي:
- "المضيق المغلق": المضيق الذي يربط بين جزء من أعالي البحار أو من منطقة اقتصادية خالصة، وجزء من البحر الإقليمي لدولة ما، ويعرف هذا النوع من المضائق بـ"المضيق المغلق" أو "المضيق المسدود" (Dead-end Straits)، مثل مضيق تيران في خليج العقبة.
- المسار البديل: بحسب المادة 36 من قانون البحار، إذا وجد بديل للمضيق المستخدم للملاحة الدولية، يتمتع بالقدر نفسه من الملاءمة للملاحة ويقع في أعالي البحار أو في منطقة اقتصادية خالصة، فإن نظام "المرور العابر" لا يطبّق في هذه الممرات البديلة بل تخضع الملاحة فيها للحريات العامة فيما يخضع المرور عبر المضيق لـ"المرور البريء".
- المضيق المشكل بجزيرة: بحسب المادة 38 من قانون البحار، إذا كان المضيق مشكلاً ببر الدولة وبجزيرة تابعة لها، وإذا كان هناك طريق بحري بديل له في أعالي البحار أو في منطقة اقتصادية خالصة يوفر القدر نفسه من سهولة وملاءمة الملاحة، فيخضع المضيق حينها لـ"المرور البريء".
إضافة إلى هذه الحالات، تقر اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار باستثناء المضائق المستخدمة للملاحة الدولية من تطبيق نظام "المرور العابر" إذا كانت خاضعة مسبقاً لاتفاقية دولية قائمة ونافذة منذ زمن طويل لتنظيم الملاحة فيها، على سبيل المضائق التركية الخاضعة لاتفاقية مونترو لعام 1936.
ما الذي يحق ولا يحق للدولة المشاطئة في المضيق؟
وفق ما سبق أن ذكرنا، تقر اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار بسيادة الدول المشاطئة للمضائق الدولية على مياهها الإقليمية. وانطلاقاً من هذا الإقرار، تتيح الاتفاقية للدولة المشاطئة اعتماد قوانين وأنظمة تتناول ما يلي:
- الحفاظ على سلامة الملاحة وتنظيم حركة المرور البحري في المضيق، بما في ذلك تعيين ممرات بحرية للسفن على أن يتم تقديمها للمنظمة البحرية الدولية لاعتمادها. وإذا كان المضيق مشاطئاً لأكثر من دولة، فعلى هذه الدول أن تتعاون في ما بينها لتحديد الممرات.
- منع التلوث وخفضه والسيطرة عليه، لتفادي مثلاً تسرب النفط أو تصريف مواد ملوثة.
- منع الصيد في المضيق أو استغلال ثرواته أثناء العبور.
- فرض أنظمتها الجمركية أو الضريبية أو المتعلقة بالهجرة أو الصحة عند تحميل أو إنزال سلع أو أشخاص في المضيق.
- اتخاذ إجراءات إنفاذ يجيزها القانون الدولي إذا ارتكبت أي سفينة أو جهة مخالفة للقوانين والأنظمة الواجبة التطبيق، مثل التسبب في التلوث أو ممارسة الصيد غير القانوني على سبيل المثال.
غير أن ممارسة هذه الحقوق مشروطة بعدم تعارضها مع ما تنص عليه الاتفاقية بغية حماية الملاحة الدولية، لا سيما ضمان حق "المرور العابر"، وعدم التمييز بين السفن الأجنبية، والإعلان المسبق عن الأنظمة الواجب مراعاتها في المياه الإقليمية. بالتوازي، يحظر قانون البحار بوضوح على الدولة المشاطئة:
- فرض الحصول على إذن مسبق لـ"العبور العابر"
- تعليق "المرور العابر" في المضيق الدولي حتى لأسباب أمنية
- إغلاق المضيق الدولي أمام الملاحة
- فرض رسوم على مجرد عبور المضيق
- هل يحق للدولة المشاطئة فرض رسوم عبور؟
الجزء الثالث من قانون البحار المتعلق بالمضائق المستخدمة للملاحة الدولية، لا يشمل أي مادة تتعلق مباشرة بفرض الرسوم على عبور هذه الممرات.
غير أن المادة 26 من الاتفاقية، الواقعة في الجزء الثاني المتعلق بأحكام المياه الإقليمية بما في ذلك نظام "المرور البريء"، فتنص بوضوح على أنه لا يحق للدول المشاطئة فرض رسوم على السفن لمجرد عبورها في مياهها الإقليمية.
في الوقت نفسه، تتيح لها فرض رسوم مقابل خدمات فعلية تقدمها للسفن، على أن تجبى هذه الرسوم من دون تمييز بين السفن الأجنبية. وقد تشمل هذه الخدمات، بحسب طبيعتها والجهة المقدمة لها، الإرشاد الملاحي والقطر والمساعدة في الطوارئ وبعض الخدمات الفنية الأخرى.
بناءً عليه، يرى غالبية فقهاء قانون البحار أن فرض رسوم لمجرد العبور يتعارض مع نظام المرور العابر، لأن الاتفاقية تمنع إعاقة هذا المرور أو الانتقاص منه، ولذلك يميز عادة بين الرسوم المفروضة لمجرد العبور والرسوم المرتبطة بخدمات فعلية تقدم للسفن.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
كيف تدار أهم مضائق العالم؟
معظم المضائق الاستراتيجية المستخدمة للملاحة الدولية في العالم تخضع لنظام "المرور العابر" الذي نصت عليه اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، بما في ذلك:
- مضيق ملقا: يقع في جنوب شرقي آسيا ويصل بين بحر أندمان في المحيط الهندي وبحر الصين وصولاً إلى المحيط الهادئ. تحيط به ثلاث دول هي إندونيسيا وماليزيا وسنغافورة، ويعد أحد أهم الممرات البحرية التجارية في العالم، إذ يمثل أقصر طريق بين أوروبا والشرق الأوسط من جهة وجنوب وشرق آسيا من جهة أخرى، وتمر عبره نسبة كبيرة من التجارة العالمية وشحنات الطاقة المتنقلة بين المحيطين الهندي والهادئ. يخضع لنظام "المرور العابر" ولا تفرض فيه أي رسوم على العبور المجرد.
- مضيق باب المندب: يقع بين شبه الجزيرة العربية والقرن الأفريقي ويربط البحر الأحمر بخليج عدن فالمحيط الهندي. تحيط به ثلاث دول هي اليمن وجيبوتي وإريتريا، ويعد البوابة الجنوبية للبحر الأحمر وممر قناة السويس، ويصنّف من أهم نقاط العبور البحرية لتجارة السلع بين أوروبا وآسيا. يخضع لنظام "المرور العابر" ولا تفرض فيه أي رسوم على العبور المجرد.
- مضيق جبل طارق: يقع بين جنوب إسبانيا وشمال المغرب ويربط المحيط الأطلسي بالبحر الأبيض المتوسط، وهو المنفذ البحري الوحيد للدخول إلى البحر المتوسط والخروج منه عبر الأطلسي. يحيط به المغرب وإسبانيا وبريطانيا عبر إقليمها جبل طارق، ويعد مساراً بالغ الأهمية للنقل البحري بين أوروبا وأميركا الشمالية وأفريقيا والشرق الأوسط وآسيا. يخضع لنظام "المرور العابر" ولا تفرض فيه أي رسوم على العبور المجرد.
بعض المضائق الدولية الأخرى، على رغم أهميتها الاستراتيجية، لا تخضع لنظام "المرور العابر" في المياه الإقليمية إذ تتضمن مساراً بديلاً واقعاً في أعالي البحار أو في منطقة اقتصادية خالصة يتيح الملاحة الدولية بحرية من دون عوائق. من أبرز الأمثلة مضيق تايوان الذي يقع بين تايوان والبر الرئيس للصين ويربط بحر الصين الشرقي وبحر الصين الجنوبي. ويعد هذا المضيق أحد أهم الممرات البحرية في شرق آسيا، إذ يشكّل ممراً رئيساً لحركة التجارة بين شمال شرقي آسيا وجنوب شرقي آسيا. ونظراً لوجود مناطق واسعة فيه خارج نطاق البحار الإقليمية للدول المشاطئة، لا يُنظر إليه عادة بوصفه خاضعاً حصراً لنظام "المرور العابر".
اتفاقيات دولية خاصة
قسم آخر من المضائق، وهو القسم الاستثنائي عموماً، يخضع لاتفاقيات دولية خاصة تنظم إدارة الملاحة في هذه الممرات، على غرار المضائق الدنماركية الثلاثة التي تربط بحر البلطيق ببحر الشمال والمحيط الأطلسي، ومضيق ماجلان في أقصى جنوب قارة أميركا الجنوبية الذي يربط بين المحيط الأطلسي والمحيط الهادئ، ومضائق تركيا.
تركيا تدير نظام مضائقها الذي يتكون من مضيق البوسفور وبحر مرمرة ومضيق الدردنيل، وفقاً لما نصت عليه اتفاقية مونترو لعام 1936. تشكّل هذه الممرات معاً الممر البحري الوحيد بين البحر الأسود والبحر الأبيض المتوسط، والمنفذ البحري الوحيد لدول البحر الأسود، بما فيها بلغاريا ورومانيا وأوكرانيا وروسيا وجورجيا، مما يجعلها من أهم الممرات الاستراتيجية في العالم لعدم وجود بديل لها. منحت اتفاقية مونترو تركيا السيطرة على كل من البوسفور والدردنيل، مقابل ضمان الوصول إلى البحر الأسود، فنظمت الاتفاقية كلاً من الملاحة التجارية، ومرور السفن الحربية، ومرور سفن الدول المشاطئة وغير المشاطئة للبحر الأسود. بصورة عامة، تتمتع السفن التجارية بحرية المرور والملاحة، لكنها تدفع رسوماً أجازتها الاتفاقية مقابل خدمات محددة كخدمات الصحة العامة وتنظيم الملاحة وغيرها من المسائل الفنية. أما في ما يتعلق بمرور السفن الحربية، فقد منحت اتفاقية مونترو تركيا صلاحيات واسعة لتنظيم عبورها وتقييد حمولتها ومدة بقائها في مياهها، فضلاً عن تطبيق قواعد خاصة في حالات الحرب أو عند شعور تركيا بتهديد مباشر لأمنها.
من سيدير مضيق هرمز مستقبلاً؟
أما مضيق هرمز، أحد أهم الممرات المائية في العالم، فيخضع لنظام "المرور العابر" وقد أرست المنظمة البحرية الدولية منذ عام 1968 نظاماً لفصل حركة المرور فيه عبر ممرات محددة تُدار بصورة مشتركة بين عمان وإيران وكفلت لعقود من الزمن سلامة الملاحة البحرية في المضيق. لكن مصير هذا الممر الحيوي للاقتصاد العالمي بات اليوم مهدداً بفعل المطالب الإيرانية بالسيطرة عليه واستيفاء رسوم للعبور فيه، معتبرة أن ظروف ما بعد الحرب تختلف عن السابق.
الموقف القانوني من مطالب إيران، جاء بصورة واضحة على لسان الأمين العام للمنظمة البحرية الدولية أرسينيو دومينغيز، الذي أكد أنه "لا يجوز للدول المشاطئة إغلاق المضائق المستخدمة للملاحة الدولية"، وأنه "لا يوجد أي أساس قانوني يخول أي دولة فرض رسوم أو جبايات أو شروط تمييزية على المضائق الدولية". وحذّر دومينغيز من أن "أي خروج عن هذه المبادئ الراسخة والمعترف بها من شأنه أن يُشكل سابقة خطرة، وأن يُقوّض بشدة سلامة واستقرار عمليات الشحن البحري على مستوى العالم".
ولتبرير مطالبها، تستغل إيران مسألتين في قانون البحار، الأولى أنه أجاز للدول المشاطئة تحديد مسارات الملاحة في المضيق الدولي، والثانية أنه أجاز فرض رسوم مقابل تقديم خدمات فعلية للسفن، مثل الإرشاد الملاحي أو مكافحة التلوث وغيرها.
غير أن المطالب الإيرانية تصطدم بشروط أخرى حددها قانون البحار نفسه، وعلى رأسها عدم جواز تعليق الملاحة في المضيق الدولي أو إعاقتها لأي سبب كان بما فيه التهديد الأمني، وهو مبدأ انتهكته إيران بإغلاقها مضيق هرمز وزرعها الألغام في ممراته. كما يحظر القانون التمييز في معاملة السفن الأجنبية، ويوجب على الدول المشاطئة للمضيق تحديد الممرات البحرية فيه بالتنسيق في ما بينها وبإطلاع المنظمة البحرية الدولية على مقترحاتها. بناء عليه، لا يمكن لإيران شرعياً التحكم بمصير مضيق هرمز بشكل أحادي، بل إن أي تعديل للممرات أو لأنظمة المرور في المضيق يستوجب تعاون الدول المشاطئة واتباع الإجراءات المنصوص عليها في اتفاقية البحار والمنظمة البحرية الدولية، وبالتالي يتوجب على طهران التنسيق بالدرجة الأولى مع سلطنة عمان.
حتى لحظة كتابة هذه السطور، أكدت عمان رفضها فرض رسوم عبور في المضيق، وأعلنت بالتنسيق مع المنظمة البحرية الدولية عن مسار آمن للسفن بمحاذاة سواحلها. خطوة المنامة أثارت غضب طهران التي اعتبرت أن المسار الوحيد الآمن لعبور السفن هو الذي تحدده هي.
ومع عودة إيران إلى اعتراض عبور السفن في المضيق وتهديد الملاحة فيه، يبقى السؤال الجوهري من هي الجهة التي ستتولى في نهاية المطاف إدارة حركة المرور عبر أحد أهم الممرات المائية في العالم؟ فهل يمكن أن تتوصل طهران والمنامة إلى اتفاق تفرض بموجبه رسوم تحت عنوان الخدمات المقدمة للعبور؟ وتباعاً، هل يمكن أن تطلق خطوة كهذه "عدوى" رسوم الخدمات عبر أهم المضائق الدولية الأخرى حول العالم؟