ملخص
أثارت كرة "تريوندا" جدلاً واسعاً في كأس العالم 2026 بعد تكرار أهداف بدت عصية على حراس المرمى، وسط مؤشرات علمية على خصائص هوائية غير معتادة تعيد للأذهان أزمة "جابولاني" الشهيرة في مونديال 2010.
هناك بعض أوجه الشبه التي يمكن رصدها بين كأسي العالم 2026 و2010، فكلتاهما انطلقتا بالمباراة الافتتاحية نفسها بين جنوب أفريقيا والمكسيك. وكلتاهما ارتبطتا بصوت مزعج متواصل لم نستطع التخلص منه، ففي جنوب أفريقيا كانت هناك آلة "الفوفوزيلا"، أما في أميركا الشمالية فهناك أليكسي لالاس. لكن ثمة سمة مشتركة أخرى بدأت تبرز وتهدد بالتأثير في هذه البطولة، تماماً كما حدث قبل 16 عاماً. فمرة أخرى، أصبحت الكرة نفسها محور الحديث.
"جابولاني" المثيرة للجدال
لا توجد كرة قدم ارتبطت بسمعة سيئة أكبر من "جابولاني"، فقد جعل تصميمها فائق النعومة، المؤلف من ثماني قطع ملتحمة حرارياً فقط، منها أكثر كرة استخدمت في كأس العالم إثارة لعدم التوقع. وبينما كرهها كثيرون، وعلى رأسهم حراس المرمى، نجح قلة في إتقان التعامل معها.
وأصبح دييغو فورلان مرتبطاً باسم "جابولاني"، لكن ذلك لم يكن محض صدفة. فقد كشف زميله السابق في منتخب أوروغواي سيباستيان أبريو أنه طلب من "أديداس" إرسال الكرة إليه قبل ثلاثة أشهر من انطلاق كأس العالم، وكان يقضي وقتاً بعد تدريباته مع أتلتيكو مدريد في التعرف إلى خصائصها. وقال فورلان لاحقاً "كثير من التدريب، وكثير من العمل، ثم مزيد من التدريب"، قبل أن يسجل خمسة أهداف في جنوب أفريقيا، ويتقاسم جائزة الحذاء الذهبي.
أهداف متكررة تثير الشكوك حول "تريوندا"
كل من تابع كأس العالم 2010 لا يزال يتذكر تلك الكرة جيداً، لكن قصتها بدأت تتكرر من جديد. فهناك جدال كروي جديد يلوح في الأفق، خرجت فيه "جابولاني" ودخلت "تريوندا".
ففي عدد من المناسبات خلال أول جولتين من دور المجموعات، تكرر نوع محدد من الأهداف. وجميعها جاءت من تسديدات قوية صاعدة ترتفع فوق مستوى الكتف، وغالباً لا تكون متجهة مباشرة نحو الزاوية العليا. ويتحرك الحراس للتصدي لها ويتمكنون بالفعل من لمس الكرة، لكن المشكلة أن اللمسة لا تأتي في الموضع الصحيح، فتمر الكرة ببساطة إلى داخل الشباك، وكأن الحارس أخطأ في تقدير مسارها.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
حدث ذلك مع الإنجليزي جوردان بيكفورد أمام كرواتيا، إذ وصل إلى تسديدة مارتن باتورينا لكنه فشل في إبعادها. كما تعرض الجزائري لوكا زيدان والسنغالي إدوارد ميندي لمواقف مشابهة في المباراة الافتتاحية لمنتخبيهما، ثم جاء الدور على العراقي أحمد باسل، الذي استقبل هدفاً بالطريقة نفسها من كيليان مبابي، بعدما وصل إلى الكرة، لكنه حول تسديدة النجم الفرنسي نحو الزاوية بدلاً من إبعادها من مرماه.
جو هارت يشرح معاناة حراس المرمى
قد يحمل بعضهم حراس المرمى مسؤولية هذه الأخطاء، لكن من يتابعون الأمر عن كثب يعتقدون أن هناك عاملاً أكبر وراء ما يحدث.
وقال حارس مرمى منتخب إنجلترا السابق جو هارت خلال فقرة تحليلية حماسية بين شوطي مباراة فرنسا والعراق، التي انتهت بفوز الفرنسيين (3 - 0) مساء الإثنين، "أشاهد هذا الهدف يتكرر مرات أكثر مما ينبغي في كأس العالم، بحيث يصعب ألا يكون هناك شيء غير طبيعي في هذه الكرة".
"بمجرد ألا تستخدم التسديدة أسلوب الانحناء، وبمجرد ألا تدور الكرة أو تتحرك، يبدأ الحراس في المعاناة".
"راقبوا الكرة ومسارها، إنها لا تتحرك. هذه الكرة ليست متجهة مباشرة إلى الزاوية العليا، وأنا لا أهاجم الحارس لأنني رأيت الأمر نفسه مع ميندي وزيدان وبيكفورد. يبدو أنهم ببساطة غير قادرين على ضبط توقيت تعاملهم مع كرة كأس العالم هذه، في أية كرة ترتفع فوق مستوى الكتف ولا تكون تسديدة ملتفة".
"لديه الوقت الكافي، فحارس مرمى في كأس العالم يمكنه أن يخطو خطوة إضافية هنا ويقفز، لكن يبدو وكأن الكرة تصل إليه قبل أن يكون مستعداً حتى للمسها. كنت أتحدث إلى غايل كليشي خلال الشوط الأول وقلت له: كم مرة ترى على أعلى المستويات حارساً يلمس الكرة ثم تدخل المرمى؟ نادراً جداً، لأنهم جيدون بما يكفي ليوجهوها بعيداً بمجرد لمسها. لكنني ألاحظ في هذه البطولة أن الحراس يلمسون الكرات فوق مستوى الكتف، ومع ذلك لا يستطيعون إبعادها، لذلك هناك أمر ما يحدث".
أبحاث علمية تكشف عن خصائص الكرة الجديدة
وتحظى شكوك هارت في شأن خصائص الكرة بدعم من أبحاث علمية أجريت قبل انطلاق البطولة، فـ"تريوندا" هي أول كرة تتكون من أربع قطع فقط، مما يعني طولاً أقل للوصلات وبالتالي سطحاً أكثر نعومة. وحاولت "أديداس" معالجة ذلك عبر تعميق الوصلات عمداً، إلى جانب إضافة ثلاثة أخاديد بارزة في كل قطعة مع نسيج سطحي دقيق.
ومن المفترض أن يجعل ذلك الكرة أكثر قابلية للتنبؤ، لكن اختبارات أجرتها جامعة تسوكوبا أظهرت أن "تريوندا" تفقد مداها عندما تتحرك بسرعات أعلى في الهواء، وقد تهبط في وقت أبكر مقارنة بكرات كأس العالم السابقة.
أما "جابولاني" فكانت تعاني مشكلة مختلفة وأكثر جوهرية، فعندما كانت تسدد مع قدر بسيط من الدوران، كانت تتباطأ بصورة مبالغ فيها أثناء مرورها بما يعرف بـ"نطاق السرعة الحرجة"، وهي المرحلة التي يتغير فيها تدفق الهواء حول الكرة من حالة إلى أخرى، مما قد يؤدي إلى تغيير تسارعها ومسارها. وقد زادت هذه الخاصية من تأثير التسديدات غير الدوارة عليها، وجعلته أكثر وضوحاً بكثير.
وعلى رغم أن السمة الغريبة في "تريوندا" أقل وضوحاً، فإن هذا القدر من عدم القدرة على التنبؤ يبدو كافياً لإرباك الحراس، وهي النقطة التي لفت هارت الانتباه إليها. فقد تحدث عن "الحسابات الذهنية لحارس المرمى" والهامش الضئيل جداً للخطأ الذي يطوره الحراس على هذا المستوى، وقال "في هذه البطولة، يتمركزون وينطلقون نحو الكرة، لكن ما يحدث ببساطة لا يتطابق مع ما اعتادوا عليه يومياً".
هل تصنع تريوندا أزمة جديدة في المونديال؟
وما يعنيه ذلك أن التسديدات الصاروخية ستواصل هز الشباك هذا الصيف، في وقت يسهم فيه الحراس أنفسهم، من دون قصد، في دفع الكرة نحو الزوايا العليا بسبب اختلال حساباتهم المعتادة، وربما يرى المشجع المحايد في ذلك أمراً ممتعاً.
لكن هل سيكون لـ"تريوندا" التأثير الثقافي نفسه الذي أحدثته "جابولاني"؟ ربما لا. فعيوبها أقل إثارة بكثير من سابقتها في 2010، إذ من الذي قد يمل من مشاهدة التسديدات غير الدوارة بلا نهاية؟ أما تكرار أخطاء حراس المرمى، التي لا يتحملون مسؤوليتها بالكامل، فقد بدأ بالفعل يثير الملل سريعاً.
© The Independent