Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

تحرك البلديات يكشف عن تحول في المشهد الليبي

قد تكون رسائل ضغط على السلطة مفادها بأن استمرار تعطيل مشروع اللامركزية سيدفع المناطق المختلفة إلى ابتكار أطر جديدة للتنسيق والتعاون

تتولى البلديات إدارة الحاجات اليومية للمواطنين الليبيين والخدمات المحلية والتنمية المكانية (أ ف ب)

ملخص

التحدي اليوم لا يكمن في إعادة النقاش حول اللامركزية فقط، بل في الانتقال من النصوص القانونية إلى التطبيق الفعلي الذي يمنح البلديات صلاحيات حقيقية وإمكانات تمكنها من خدمة المواطنين بكفاءة.

تشهد ليبيا حراكاً متسارعاً على مستوى البلديات، التي تحاول ملء الفراغ التنموي الذي تركته الحكومات المتعاقبة على بلد يصارع الانقسام منذ عام 2011.

تحرك قد يعيد رسم ملامح مشروع الحكم المحلي، بعد تعثر تجربة اللامركزية في تحقيق أهدافها، والتي جاءت أساساً كآلية للتخفيف من ثقل الدولة المركزية التي ميّزت نظام الحكم السابق.

ومن أبرز توجهات اللامركزية في ليبيا تمكين البلديات من إدارة شؤونها المحلية بهدف تحسين الخدمات العامة وتحقيق تنمية متوازنة بين المناطق والحد من البيروقراطية وتقليص الاعتماد على الوزارات في العاصمة طرابلس ومنح البلديات مساحة أوسع لاتخاذ القرارات المصيرية ورفع كفاءة الإنفاق العام وغيرها من النقاط.

إخفاق اللامركزية

وأعلنت ست بلديات أمازيغية (جادو وكاباو وزوارة ويفرن والقلعة ووازن)، التوصل إلى اتفاق على إنشاء اتحاد للبلديات الأمازيغية، وذلك بعد فترة وجيزة من ذهاب تسع بلديات في وسط ليبيا خلال الشهر الجاري إلى تأسيس تكتل تنموي يهدف إلى خدمة المدن الوسطى والدفاع عن حقوقها تحت اسم "إقليم المنطقة الوسطى".

ويضم هذا الإقليم كل من بلديات مصراتة وزليتن والخمس ومسلاتة والمردوم وتينيناي وقصر الأخيار، لكن قاطني بني وليد وترهونة رفضوا هذا التوجه. ويثير إعلان البلديات الأمازيغية وإقليم المنطقة الوسطى تساؤلات حول دلالات ظهور الاتحادات والتكتلات المحلية في هذا التوقيت، وما إذا كانت البلديات ستنجح في ما فشلت فيه الحكومات المتعاقبة بخاصة بعد تعثر مشروع اللامركزية.

وحول أسباب تعثر اللامركزية في ليبيا، يقول المرشح للانتخابات الرئاسية محمد المزوغي إن اللامركزية في ليبيا لم تتعثر بفعل ضعف الفكرة نفسها، بل جراء غياب الإرادة السياسية والبيئة المؤسسية القادرة على تنفيذها.

ويضيف أنه على رغم صدور التشريعات المنظمة للإدارة المحلية، فإن الحكومات المتعاقبة لم تنقل الصلاحيات والموارد المالية والإدارية إلى البلديات بالشكل المطلوب. ويرى في حديث خاص أن الانقسام السياسي والصراع على السلطة خلال الأعوام الماضية جعلا الدولة الليبية تميل إلى المركزية المفرطة، خوفاً من فقدان السيطرة على القرار والموارد، ونتيجة ذلك وجدت البلديات نفسها مسؤولة أمام المواطنين عن الخدمات والتنمية، لكن هذا لا يعني أنها تمتلك الأدوات الكافية للقيام بهذه المهام.

ويتابع المزوغي أن عدم اعتماد نظام عادل ومستقر لتوزيع الموازنات بين البلديات، إضافة إلى غياب القدرات الإدارية والفنية المحلية، عناصر أدت إلى تفاوت واضح في مستوى الخدمات والتنمية بين المناطق، مبرزاً أن التحدي اليوم لا يكمن في إعادة النقاش حول اللامركزية فقط، بل في الانتقال من النصوص القانونية إلى التطبيق الفعلي الذي يمنح البلديات صلاحيات حقيقية وإمكانات تمكنها من خدمة المواطنين بكفاءة.

شريك لا بديل

ويؤكد أن البلديات لا يمكنها ملء مكان الحكومات المركزية، على رغم أنها شريك أساسي في إدارة الشأن العام وتحقيق التنمية المحلية، فالدولة القوية ليست الدولة التي تحتكر كل القرارات في العاصمة، وإنما الدولة التي توزع المسؤوليات بوضوح بين الحكومة المركزية والإدارة المحلية.

ويقول إن الحكومة مسؤولة عن السياسات الوطنية الكبرى والأمن القومي والتخطيط الاستراتيجي وإدارة الموارد السيادية، بينما تتولى البلديات إدارة الحاجات اليومية للمواطنين والخدمات المحلية والتنمية المكانية.

ويضيف أن أي تحالف أو اتحاد بين البلديات، بما في ذلك الاتحاد الذي أعلنت عنه بعض البلديات الأمازيغية، يجب النظر إليه باعتباره وسيلة لتعزيز التعاون التنموي وتبادل الخبرات وتحسين الخدمات، وليس كبديل عن مؤسسات الدولة أو خطوة نحو الانقسام الإداري.

ويؤكد المزوغي أن ما تحتاجه ليبيا اليوم هو شراكة حقيقية بين الحكومة والبلديات تقوم على الثقة وتوزيع الصلاحيات والموارد بطريقة عادلة بما يحقق التنمية المتوازنة في جميع المناطق ويحافظ في الوقت نفسه على وحدة الدولة الليبية وسيادتها.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويذهب إلى أن نجاح اللامركزية ليس هدفاً إدارياً فقط، بل هو مدخل لتحقيق العدالة المكانية والتنمية المتوازنة بين جميع المدن والمناطق الليبية، فعندما يشعر المواطن في جادو أو زوارة أو الكفرة أو سبها أو بنغازي أو طرابلس بأن له الحق ذاته في الخدمات والفرص، تكون ليبيا حينها في طريقها نحو الاستقرار.

ويلفت عميد كلية العلوم السياسية بجامعة نالوت إلياس الباروني إلى أن الواقع يشير إلى أن البلديات لا تستطيع أن تحل محل الحكومات، لكنها تستطيع تخفيف آثار إخفاقاتها. فالحكومات المتعاقبة منذ 2011 رفعت شعار اللامركزية، لكن التطبيق بقي محدوداً للغاية، إذ احتفظت الوزارات والأجهزة المركزية بمعظم السلطات والموارد المالية، مما جعل البلديات مجرد وحدات إدارية ضعيفة تفتقر إلى الاستقلال المالي والإداري.

ويبين الباروني أن الحديث عن نجاح البلديات في ما فشلت فيه الحكومات يجب أن يكون بحذر، فالبلديات تستطيع تحديد الحاجات المحلية بصورة أفضل مثل تنفيذ مشاريع صغيرة ومتوسطة بكفاءة أكبر وتحقيق مستوى أعلى من المشاركة المجتمعية، إضافة إلى خلق شراكات بين المناطق المتجاورة.

ويستدرك قائلاً إن معالجة أزمة الاقتصاد الوطني تتطلب إدارة الثروة النفطية وتوحيد المؤسسات المنقسمة وتنفيذ مشاريع استراتيجية كبرى وتوفير الموارد المالية اللازمة بصورة مستقلة، وبالتالي فإن اتحادات البلديات يمكن أن تكون جزءاً من الحل، لكنها ليست بديلاً عن الدولة المركزية.

الجمود السياسي

وحول دلالات ظهور اتحادات وتكتلات محلية في هذا التوقيت، يقول الباروني إن ظهور اتحاد البلديات الأمازيغية بعد إعلان مشروع إقليم الوسطى ليس حدثاً معزولاً، بل يعكس جملة من المؤشرات السياسية المهمة، يأتي على رأسها تراجع الثقة في قدرة المركز الذي ولّد شعوراً متزايداً لدى العديد من المناطق بأن الحكومات المتعاقبة عجزت عن تحقيق التنمية والعدالة في توزيع الموارد، ما دفع الفاعلين المحليين إلى البحث عن بدائل ذاتية.

ويواصل حديثه قائلاً إن انتقال المبادرة من النخب السياسية إلى الفاعلين المحليين، في ظل حالة الجمود التي يعيشه البرلمان والمجلس الأعلى للدولة والحكومات المتنافسة، دفع البلديات والمكونات الاجتماعية للتحرك بصورة أكثر استقلالية في محاولة لملء الفراغ السياسي والإداري.

ويوضح أن إعادة إحياء فكرة الأقاليم والفضاءات الجهوية على غرار إعلان إقليم المناطق الوسطى، ومن بعده اتحاد البلديات الأمازيغية، يشير إلى أن ليبيا تشهد عودة تدريجية للمنطق الجهوي، ليس بالضرورة بمعناه الانفصالي، وإنما باعتباره آلية للبحث عن إدارة أكثر فاعلية للموارد والتنمية.

ويرى أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية أن ظهور هذه التكتلات مؤشر على أزمة الدولة المركزية، باعتبار أنه كلما ضعفت مؤسسات الدولة ظهرت كيانات فرعية وتحالفات محلية تسعى إلى إدارة شؤونها بنفسها، وهذه الظاهرة ليست حكراً على ليبيا، بل ظهرت في دول عدة مرت بمراحل انتقالية طويلة.

ويعتقد أن هذه التطورات قد تكون رسائل ضغط على السلطة المركزية مفادها بأن استمرار تعطيل مشروع اللامركزية سيدفع المناطق المختلفة إلى ابتكار أطر جديدة للتنسيق والتعاون، وربما المطالبة بصلاحيات أوسع مستقبلاً، لذلك لا يجب النظر إلى تأسيس اتحاد البلديات الأمازيغية باعتباره مشروعاً انفصالياً أو بديلاً عن الدولة، بل هو انعكاس مباشر لأزمة الدولة المركزية وتعثر مشروع اللامركزية في ليبيا.

ونوه إلى أن تزايد ظهور الاتحادات والتكتلات المحلية، من إقليم المناطق الوسطى إلى الاتحاد البلدي الأمازيغي، يكشف عن تحول مهم في المشهد الليبي، يتمثل في انتقال جزء من المبادرة السياسية والتنموية من المركز إلى الأطراف.

ويقول إنه إذا استمرت حالة الانسداد السياسي وضعف المؤسسات المركزية، قد تشهد ليبيا خلال الأعوام المقبلة بروز مزيد من الأطر الجهوية والمحلية، الأمر الذي قد يقود إلى مسارين متناقضين:

إما أن تصبح هذه التكتلات رافعة لإقامة نظام لا مركزي حقيقي ودولة أكثر توازناً وتماسكاً، أو أن تتحول في حال غياب مشروع وطني جامع، إلى مؤشرات على مزيد من التشظي وإعادة إنتاج الانقسامات الجهوية والمناطقية داخل ليبيا.

ويشير إلى أن مستقبل هذه المبادرات لن يتوقف على طبيعتها فحسب، بل على قدرة الدولة الليبية على احتضانها وتوظيفها ضمن مشروع وطني يحولها من مؤشر على ضعف المركز إلى رافعة لبناء دولة لا مركزية حديثة ومتوازنة.

ويشرح موضحاً أن إعلان تأسيس اتحاد البلديات الأمازيغية في غرب ليبيا يمكن قراءته في سياق أوسع من مجرد تنسيق إداري بين عدد من البلديات، لأنه يعكس تحولات أعمق في طبيعة العلاقة بين المركز والأطراف، ويعبر عن حالة من الإحباط المتزايد من عجز الحكومات المتعاقبة عن تنفيذ مشروع اللامركزية وتحقيق تنمية متوازنة بين المناطق المختلفة.

ويستطرد أن تأسيس اتحاد البلديات الأمازيغية يمكن وصفه كتجربة جديدة لتعزيز التنمية المحلية في إطار التعاون الأفقي بين البلديات، وهي صيغة معمول بها في عدد من الدول، حيث تلجأ الوحدات المحلية إلى توحيد جهودها لمواجهة التحديات المشتركة، سواء في مجالات البنية التحتية أو الخدمات أو التخطيط التنموي بخاصة أن البلديات الست (جادو ويفرن والقلعة وكاباو وزوارة ووازن) لديها خصائص وأزمات مشتركة عدة، كالتقارب الجغرافي والتحديات الخدمية والتنموية والشعور بتراجع الاهتمام الحكومي بالمناطق الجبلية والأمازيغية.

ويرى المحلل السياسي أنه يمكن أن يشكل هذا الاتحاد إطاراً عملياً لتنسيق المشاريع وتبادل الخبرات وتوحيد المطالب أمام الحكومة المركزية والمؤسسات الدولية، لكن نجاح هذه التجربة سيظل مرهوناً بعوامل عدة أولها مدى بقائها ضمن الإطار التنموي والخدمي وعدم تحولها إلى كيان ذي طابع سياسي أو هوياتي ضيق. ثانيها، توافر الموارد المالية والصلاحيات القانونية، لأن البلديات الليبية نفسها تعاني من محدودية الإمكانيات واعتمادها شبه الكامل على الحكومة المركزية.

أما العنصر الثالث فهو مرهون وفق قوله بوجود إرادة حقيقية لدى البلديات للعمل المشترك بعيداً من الاعتبارات المحلية الضيقة، مشيراً إلى أن اتحاد البلديات الأمازيغية يمثل محاولة مبتكرة لتعويض قصور الدولة المركزية، لكنه لا يستطيع بمفرده أن يحل محل الدولة أو أن يعوض غياب السياسات الوطنية الشاملة.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير