Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"إقليم الوسطى"... ليبيا حائرة بين التطوير والتفكيك

آراء متباينة حول المشروع بين من يراه تنسيقاً إدارياً ومن يعتبره خطوة نحو تقسيم البلاد

الهدف من إنشاء الإقليم هو تعزيز العمل المشترك بين البلديات وتوحيد الجهود وتنسيق المشاريع التنموية والخدمية (أ ف ب)

ملخص

فتح إعلان تأسيس "إقليم المنطقة الوسطى" باباً واسعاً من الجدل السياسي والقانوني، بين من يراه إطاراً للتنسيق وتحسين الخدمات، ومن يعتبره مقدمة لتفكيك الدولة.

في وقت لا تزال ليبيا تكافح للخروج من دوامة الانقسام السياسي والصراع المسلح وتشظي المؤسسات، فوجئ الجميع بالإعلان عن تأسيس ما سُمي "إقليم المنطقة الوسطى" الذي تقوده مدينة مصراتة ويضم المدن المحاذية لها جغرافياً، مما أثار أسئلة تتجاوز حدود العمل البلدي والخدمي، لتصل إلى جوهر النقاش الليبي القديم حول طبيعة الدولة ومستقبل وحدتها.

فبينما قدم أصحاب المبادرة الخطوة باعتبارها مشروعاً إدارياً وتنموياً يهدف إلى توحيد جهود البلديات وتحسين الخدمات للمواطنين، يرى معارضوها أنها تمثل سابقة خطيرة قد تفتح الباب أمام إعادة رسم الخريطة السياسية والإدارية للبلاد خارج الأطر الدستورية والقانونية.

الأهداف المعلنة

وبحسب البيان التأسيسي، فإن الهدف من إنشاء إقليم المنطقة الوسطى هو تعزيز العمل المشترك بين البلديات وتوحيد الجهود وتنسيق المشاريع التنموية والخدمية ضمن إطار إداري أكثر فاعلية.

وأكد القائمون على المبادرة أن هذا التوجه جاء استجابة لرغبات سكان المنطقة الوسطى، بهدف توفير خدمات أفضل وتحقيق تنمية أكثر كفاءة في منطقة تضم كثافة سكانية كبيرة وتمثل أحد أهم المراكز الاقتصادية في ليبيا.

وفي هذا السياق، دافع محمد المكشر عميد بلدية ترهونة، إحدى بلديات الإقليم الجديد، عن الخطوة مؤكداً أنها "لا تستهدف المساس بوحدة ليبيا أو إنشاء كيان سياسي منفصل، وإنما تسعى إلى توحيد بلديات المنطقة الوسطى ضمن إطار إداري يسهم في تحسين الخدمات وتلبية حاجات المواطنين".

وأوضح أن المبادرة جاءت استجابة لمتطلبات المرحلة الحالية ولحاجة المنطقة إلى تنسيق أكبر بين البلديات، معتبراً أن "المنطقة الوسطى تمتلك مقومات بشرية واقتصادية كبيرة تجعل من التعاون بين بلدياتها أمراً ضرورياً لتحقيق التنمية المطلوبة".

المكشر أشار إلى أن البلديات المنتخبة هي الأقدر على تحديد ما يخدم مواطنيها، نافياً "وجود أية أبعاد انفصالية أو سياسية للمشروع".

ويمثل هذا الطرح وجهة النظر الأساسية للمدافعين عن المشروع الذين يرون أن الجدل الدائر حول "الإقليم" ناتج من سوء فهم للمبادرة أكثر من أنه مرتبط بطبيعتها الحقيقية.

اعتراضات قانونية

لكن هذه التطمينات لم تمنع موجة واسعة من الاعتراضات القانونية والدستورية التي أثارها إعلان إنشاء الإقليم الجديد، إذ رأى المحلل السياسي محمد قشوط أن "إعادة صياغة التقسيم الإداري للدولة، سواء عبر الأقاليم أو المحافظات أو غيرها، هي من اختصاص السلطة التشريعية حصراً، وليست من صلاحيات البلديات أو تحالفاتها المحلية".

من جانبها قالت عضو المجلس البلدي في مصراتة السابقة حميدة المنقوش إن "قانون الحكم المحلي لا يمنح البلديات أية صلاحية لإعلان أقاليم جديدة، والإقليم الاقتصادي وفق القانون يتكون من محافظات وينشأ بقرار من مجلس الوزراء، وليس عبر توافقات بين عمداء البلديات".

ويتفق مع هذا الرأي عضو مجلس النواب بلخير الشعاب الذي أكد "أن "ليس هناك أي قانون أو قرار نافذ يقسم ليبيا إلى أقاليم جديدة، وأن هذه التسمية لا تحمل أية صفة قانونية أو حقوق إدارية معترف بها من الدولة".

 

 

أما المتحدث السابق باسم المجلس الأعلى للدولة السنوسي إسماعيل، فذهب إلى أن الخطوة تفتقر بالكامل إلى السند القانوني، معتبراً أن "إنشاء إقليم رابع في ليبيا لا يمكن أن يتم إلا عبر توافق وطني ومؤسساتي واسع تشارك فيه السلطات التشريعية والقوى السياسية المختلفة".

 تهديد وحدة ليبيا

السؤال الأكثر حضوراً في الجدل المشتعل بخصوص الإقليم الجديد في ليبيا كان هل يمثل هذا الإعلان تهديداً فعلياً لوحدة البلاد؟

في هذا السياق، حذر عضو مجلس الدولة سعيد محمد ونيس من أن الإقليم ليس مجرد إطار خدمي، بل إنه كيان سياسي واقتصادي يمكن أن يتحول مستقبلاً إلى مركز نفوذ مستقل يتحكم في الموارد والقرار المحلي، وأن فتح الباب أمام هذا النموذج قد يدفع مناطق أخرى إلى إنشاء أقاليم مماثلة، مما يؤدي إلى تفتيت الدولة تدريجاً.

بدوره يرى عضو مجلس النواب محمد عامر العباني أن فكرة الأقاليم تمثل مدخلاً لتفكيك الدولة الليبية، مؤكداً أن "ليبيا دولة موحدة لا تحتمل مشاريع التجزئة تحت أي مسمى".

ودعم عضو مجلس الدولة أبوالقاسم قزيط المخاوف السائدة من أن تعجل هذه الخطوة بتفتيت وحدة الدولة، بقوله إن "ليبيا اليوم تحتاج إلى ما يجمع أبناءها لا إلى ما يضيف مزيداً من الانقسامات إلى واقعها الممزق أصلاً".

إعلان بلا سند تاريخي

واحتجت أصوات معارضة كثيرة على إنشاء "إقليم الوسطى" على غياب البعد التاريخي في هذا الإعلان، فليبيا لم تعرف منذ نشأتها سوى ثلاثة أقاليم هي طرابلس وبرقة وفزان.

ومن هذه الأصوات البارزة السفير والدبلوماسي السابق محمد خليفة العكروت الذي شدد على أن ليبيا عرفت تاريخياً ثلاثة أقاليم فقط هي طرابلس وبرقة وفزان، معتبراً أن ما يسمى "المنطقة الوسطى" لم يكُن يوماً إقليماً تاريخياً مستقلاً بالمعنى السياسي أو الإداري المعروف.

ويرى أصحاب هذا الاتجاه أن استحداث إقليم رابع يفتح الباب أمام إعادة تعريف الخريطة الليبية بصورة قد تتجاوز الحدود التاريخية التي تأسست عليها الدولة الحديثة منذ الاستقلال.

أخطار على الدولة

المحلل السياسي فيصل بوالرايقة كانت له قراءة خاصة لدوافع القائمين على فكرة إنشاء "إقليم الوسطى"، طالب فيها بالتمييز بين اللامركزية الإدارية المطلوبة و"الأقلمة السياسية" التي قد تحمل أخطاراً على الدولة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

فبحسب بوالرايقة، إن "منح البلديات صلاحيات أوسع وتحسين الإدارة المحلية يمثل مطلباً مشروعاً، لكن المشكلة تبدأ عندما تظهر كيانات إقليمية جديدة قبل استكمال بناء الدولة المركزية واستقرار مؤسساتها، لأن ذلك قد يؤدي إلى تعدد مراكز النفوذ والقرار خارج الإطار الوطني الجامع".

وهو الرأي نفسه الذي اقترب منه عضو ملتقى الحوار السياسي السابق عبدالله عثمان عبدالرحيم الذي دعا إلى "التعامل مع الأقاليم باعتبارها أدوات لخدمة الدولة لا بدائل عنها"، محذراً من "تحويل الهويات المحلية إلى مشاريع سياسية مستقلة".

توقيت يفاقم القلق

جزء كبير من المخاوف التي أثارها الإعلان عن كيان جهوي جديد في ليبيا لم تتعلق بطبيعة المشروع نفسه بقدر ما تعلقت بتوقيته الذي جاء في مرحلة تعيش فيها البلاد حال انقسام سياسي حادة، وتعدد الحكومات والمؤسسات، وصراعاً على الموارد والنفوذ.

وفي ظل هذا الواقع، يخشى معارضو المشروع أن يتحول أي إطار جغرافي وجهوي جديد إلى ورقة تفاوض سياسية أو اقتصادية مستقلة، خصوصاً أن المنطقة الوسطى تضم مدناً ذات ثقل سكاني واقتصادي وعسكري كبير، فضلاً عن قربها من مناطق إنتاج النفط والغاز، لهذا ذهب بعض المنتقدين للمشروع إلى أن القضية تتجاوز الجانب الخدمي إلى مسائل تتعلق بتوزيع السلطة والثروة.

وبعيداً من الدلالات الظاهرة والمستترة للخطوة المفاجئة التي اتخذتها مدينة مصراتة والمدن الجارة لها بإعلان إنشاء إقليم المنطقة الوسطى، فإنه كشف من جديد عن حجم الأزمة التي تعيشها ليبيا والأخطار المحدقة بوحدتها الترابية.

ففي بلد أنهكته الانقسامات طوال الأعوام الماضية، تبدو الحساسية تجاه أي حديث عن الأقاليم الجغرافية أكبر من مجرد نقاش إداري، لأنها تمس مباشرة أحد أكثر الملفات حساسية في القضية الليبية الشائكة، مصير وحدة البلاد ومستقبل الدولة

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير