Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

المفاوضات بين الأعداء... أمم تباد وأوطان تُصنع بخطأ لغوي

خطأ في ترجمة كلمة "موكوساتسو" اليابانية كلّف هيروشيما قنبلة ذرية... وزلة لسان مجازية من خروتشوف أشعلت جنون سباق التسلح النووي

قد تتحول النقطة والفاصلة في اللغة وصياغتها إلى أسلحة استراتيجية (اندبندنت عربية)

ملخص

في المفاوضات بين الدول، خصوصاً بين الخصوم، لا تكون اللغة مجرد أداة لإيصال المواقف. إنها جزء من ميزان القوى نفسه. الكلمة قد تستخدم جسراً، وقد تتحول إلى لغم. والنبرة قد تقول ما لا تسمح به الورقة الرسمية. لذلك لا تدار المفاوضات بالحقائق وحدها، فهي تدار بطريقة تغليف الحقائق واختيار المصطلحات ولغة الجسد. إضافة إلى اللغة الأصيلة لكل فريق وترجمتها التي تبدو أحياناً سلسلة من سوء الفهم المتبادل...

على مسرح الدبلوماسية الدولية، قد تحمل اللغة حمولة تفجيرية موقوتة ترسم مصائر الشعوب، ولغة الجسد وسوء الترجمة قد تتحول إلى مقاصل تصنع أوطاناً أو تبيدها.

على طاولات التفاوض الدولية، يجلس السياسيون ومعهم أشباح اللغويين والمترجمين وخبراء اللسانيات. هناك، خلف الأبواب المغلقة، تخاض الحروب بالفاصلة والنقطة، وباختيار الكلمة التي تحمل في بطنها السلام والقتل والقوة والتسامح في آن. ولطالما اعتقد البعض أن التفاوض هو عملية تفاهم، بينما الحقيقة التاريخية الفجّة تقول إن التفاوض هو إدارة صراع لغوي مسلّح، إذ تصبح الترجمة الحرفية مقصلة، والمصطلح لغماً موقوتاً، ونبرة الصوت إعلان حرب غير مكتوب وصياغة لمصير الشعوب فوق جلود الكلمات.

من الحرف إلى الجسد

يقال إن المترجم هو "الخائن الأزهى أو الأجمل" في علم الترجمة السياسية. إذ إن نقل الكلمة من لغة إلى أخرى ليس عملية ميكانيكية تبادلية، وهو نقل لحمولة ثقافية وتاريخية كاملة. والخطأ الحرفي في التفاوض ليس غلطة مطبعية، إنه رصاصة طائشة تصيب قلب الحقيقة. فعندما يقف المترجم الفوري بين عدوين، فإنه وإن كان يترجم العبارات فهو أيضاً يترجم النوايا ربما. وإذا ما تجردت الكلمة من سياقها الثقافي، تحولت إلى أداة تدمير شامل.

كذلك فإن لكل جهاز استخباراتي ولكل وزارة خارجية في دولة لغتها الخاصة. والمصطلحات في التفاوض هي بمثابة مغلفات تنتظر أن يعبئها كل طرف بمفرداته. فمصطلح الوضع الراهن بالنسبة لطرف مستقر، يعني الحفاظ على الأمن، وبالنسبة لطرف محتل، يعني تكريس الاحتلال على سبيل المثال. فالمصطلحات من شأنها أن تعمل على تفخيخ الاتفاقيات عمداً لتترك مخارج قانونية للهرب، أو ما يُعرف بالغموض البنّاء، وهو الفن الخبيث لصياغة نص يظن كل طرف أنه انتصر فيه، حتى يحين وقت تفسيره بالسلاح.

أما نبرة الصوت (Tone of Voice) فتعد ربما السخرية التي تفجر الجبهات. فالمفاوض المخضرم يسمع بأذنيه ما لا يقال. ونبرة الصوت هي بمثابة الموسيقى التصويرية للنص الدبلوماسي. وقد تتراوح بين النبرة المتهكمة والبرود المصطنع أو الهدوء المستفز، وهي قادرة على تحويل مقترح سلام إلى إهانة وطنية. فالنبرة تصنع الفارق بين الرجاء والأمر. وفي اللقاءات الرفيعة، يتم التلاعب بالترددات الصوتية لإيصال رسائل عزم أو انكسار، وهي ما يُبنى عليه تقييم أجهزة الاستخبارات لصلابة الخصم.

 

حديث الجسد اللغة البصرية

في الدبلوماسية، الجسد ليس عفوياً تماماً. إنه بروتوكول متحرك. وتأتي لغة الجسد كمسرحية إيمائية صامتة للموت والحياة. فقبل أن يبدأ المفاوض بالكلام، يكون جسده قد قال شيئاً. طريقة دخوله إلى الغرفة وسرعة مشيه، ومكان وقوفه في الصورة الجماعية وزاوية جلوسه، واليد التي يمدّها، والابتسامة التي يمنحها أو يمنعها... وهذه ليست حركات عفوية، وتكون أحياناً مدروسة ومتدرباً عليها بالكامل وتعمل كسلاح صامت شبه بريء، وهي كلها رسائل لا تحتاج إلى بيان رسمي.

وتحلل عادةً لغة الجسد للمفاوضين تحت المجهر، بدءاً من اتساع حدقة العين وجفاف الحلق وبلع الريق، وصولاً إلى طريقة مصافحة اليد ومَن تعلو يده فوق الآخر.

وتدرس الأنثروبولوجيا والاتصال ما يُعرف بـ proxemics، أي استعمال المسافة والحيّز في التواصل. فالمسافة بين شخصين ليست فراغاً بريئاً، وهي معنى ثقافي وسياسي. والاقتراب قد يعني دفئاً في ثقافة، وتعدياً في أخرى. والجلوس وجهاً لوجه قد يوحي بالمواجهة، بينما الطاولة المستديرة تخفف تراتبية المكان وتوحي بالمساواة. ولهذا لا يُترك ترتيب المقاعد في القمم الكبرى للصدفة، إنه جزء من النص غير المكتوب للتفاوض.

في المفاوضات العدائية، يصبح الوقوف نفسه فعلاً سيادياً. مَن يقف في الوسط؟ مَن يظهر قرب العلم؟ مَن يدخل أولاً؟ مَن ينتظر الآخر؟ مَن يمد يده أولاً؟ ومَن يكتفي بإيماءة باردة؟ في الصورة الرسمية، قد تتحول الجهة التي يقف فيها المفاوض إلى رسالة داخلية لجمهوره بمعنى "لم نُستدرج، ولم نُحرج، ولم نقف تحت علم الخصم، ولم نصافح إلا وفق شروطنا".

ولا تقل تعابير الوجه أهمية. الابتسامة في التفاوض ليست دائماً علامة ود. فقد تكون أحياناً قناعاً لشراء الوقت، أو محاولة لكسر التوتر، أو إشارة تفوق هادئة. وفي المقابل، التجهم قد يكون استراتيجية مقصودة، لإبلاغ الطرف الآخر أن السقف ضيق، وأن هامش المناورة قليل.

لكن الخطر أن تُقرأ هذه العلامات خارج ثقافتها. فالصمت الآسيوي مثلاً قد يُقرأ غربياً كغموض أو رفض، بينما قد يكون علامة احترام أو تفكير. والنظر المباشر في العين قد يُعدّ ثقة في سياق، وتحدياً وقحاً في سياق آخر. هنا لا تكفي معرفة اللغة، يجب معرفة قاموس الجسد أيضاً.

لذلك يراقب الصحافيون والمحللون المصافحة كما يراقبون البيان الختامي. فالمصافحة الطويلة جداً قد تبدو سيطرة. المصافحة الرخوة قد تُقرأ ضعفاً. شدّ اليد نحو الجسد قد يوحي بمحاولة امتلاك المشهد. وضع اليد الثانية فوق يد الخصم قد يبدو ودّياً في الظاهر، لكنه قد يحمل معنى احتواء أو أبوية سياسية. وحتى الامتناع عن المصافحة يصبح خطاباً كاملاً، كما حدث في لقاءات كثيرة بين مسؤولين لا يريدون منح خصومهم صورة مجانية.

وفي المفاوضات بين خصوم، تكون الابتسامة محسوبة بميزان دقيق. ابتسامة واسعة قد تزعج الجمهور الداخلي لأنها توحي بالألفة مع العدو. ووجه متصلب أكثر من اللازم قد يغلق قناة التفاوض قبل أن تبدأ. لذلك يبحث المفاوض الجيد عن تعبير ثالث لا يبتسم كثيراً ولا يهدد كثيراً. وجه يقول نحن هنا لأن الضرورة أقوى من الخصومة.

حتى الجلوس يحمل معنى. فالميل قليلاً إلى الأمام قد يشي بالاهتمام أو الضغط. الاتكاء إلى الخلف قد يعني ثقة أو برودة أو رغبة في إظهار عدم الاستعجال. والذراعان المفتوحتان توحيان غالباً بالاستعداد، بينما تشابك الذراعين قد يُقرأ كتحفظ أو دفاع، مع أن هذه القراءات ليست قوانين ثابتة.

لهذا يدخل المفاوضون الكبار إلى الغرفة بأجساد مدرّبة. يتعلمون متى يصمتون، ومتى ينظرون، ومتى يبتسمون، ومتى يتركون الورقة أمامهم كي تقول إنهم غير مستعجلين. الدبلوماسي لا يحتاج إلى أن يكذب بجسده، لكنه يحتاج إلى ألا يترك جسده يفضح ما لا يريد قوله. فعلى طاولة التفاوض، جسدك هو جاسوسك الأول عليك، أو سلاحك الأخير لترهيب أو التأثير بعدوك.

 

المترجم الدبلوماسي

في القمم الكبرى والمؤتمرات الحساسة، يتخذ المترجم مكاناً قد يبدو في الظاهر هامشياً، غير أنه يقف فعلياً في قلب آلة صنع القرار الدولي. فالترجمة الفورية أبعد ما تكون عن كونها نقلاً آلياً بارداً للألفاظ، إنها عملية معرفية معقدة وتخضع لضغط نفسي وذهني شديد، حيث يتوجب على المترجم أن يستمع بتركيز، ويفهم السياق، ويختصر العبارات أحياناً، ثم يعيد تركيب الجملة لغوياً مع الحفاظ الصارم على المعنى والنبرة، وكل ذلك في غضون ثوانٍ معدودة. وتعتمد المؤتمرات لإدارة هذا التواصل على أنظمة تقنية ولوجستية متكاملة تشمل كبائن معزولة للصوت مخصصة للمترجمين، وسماعات توزع على الوفود المشاركة، وميكروفونات مرتبطة بقنوات لغوية متعددة، فضلاً عن أجهزة استقبال محمولة أو أنظمة اتصالات مدمجة في صلب قاعات المؤتمرات، وتضاف إليها أحياناً تقنية الترجمة التتابعية في الاجتماعات شديدة الحساسية، حيث يتحدث المسؤول أولاً ثم يتوقف ليتيح للمترجم نقل حديثه.

وعلى رغم أن الترجمة التتابعية تبدو أبطأ إيقاعاً، إلا أنها تظل الأكثر دقة وإحكاماً في اللقاءات الثنائية المغلقة، في حين تتميز الترجمة الفورية بالسرعة الفائقة لكنها تظل أكثر عرضةً للفقدان الجزئي في نقل النبرة الصادقة أو المجازات البلاغية والتلميحات الذكية، ولهذا السبب تحديداً تفضل الدول في ملفاتها البالغة الحساسية الاستعانة بمترجمين موثوقين من داخل أجهزتها الدبلوماسية والاستخباراتية الخاصة بدلاً من الاعتماد على السوق اللغوية العامة، لأن المترجم في هذه الحالة يترجم الدولة نفسها وهي تفكر بصوت مسموع.

هذا البعد اللوجيستي يلتحم مباشرةً بالبعد الثقافي الذي تدرسه العلوم الإنسانية، حيث لا تعني كلمة "نعم" الموافقة دائماً، ففي الثقافات "عالية السياق" وفقاً لتوصيف عالم الأنثروبولوجيا الأميركي إدوارد هول، لا يقال كل شيء بطريقة مباشرة ومكشوفة، إنما يتوزع المعنى بذكاء بين الكلمات المنطوقة والمقام ومساحات الصمت وطبيعة العلاقة بين الأطراف، وحتى ترتيب الجلوس، وهوية الشخص الذي أطلق العبارة وليست العبارة في حد ذاتها.

وقد تبدو لغة أحد الأطراف غامضة ومراوغة للطرف الآخر، في حين يراها أصحابها قمة في التهذيب الدبلوماسي وصيغة ذكية تحفظ خط الرجعة، وبالمثل، قد تُفسَّر اللغة المباشرة في البيئات السياسية الأخرى على أنها لغة خشنة أو تجارية أو متعجلة تفتقر إلى الكياسة، في وقت يعتبر الالتفاف والمواربة جزءاً لا يتجزأ من الاحترام المتبادل، وهي ذات الفجوة التي تعمقت فيها عالمة اللسانيات والأستاذة في جامعة جورج تاون، الباحثة الأميركية ديبورا تانن عبر دراستها للاختلافات الجوهرية في الأساليب التخاطبية بين المباشرة واللامباشرة، مظهرة كيف يساء فهمها وتفسيرها كارثياً عند صدام الثقافات المختلفة على طاولات المصير.

كلمة بقنبلتين ذريتين

يمكن القول أحياناً إن التاريخ ليس سوى سلسلة من الكوارث التي تسبب بها رجال لم يفهموا بدقة ما قاله الآخرون. مما جعلها مقاصل تاريخية لسوء الفهم اللغوي. وقد يكون من أبرز هذه السقطات التي كُتبت بالدم، كلمات كلفت مئات آلاف الأرواح. فأثناء "إعلان بوتسدام" في يوليو (تموز) 1945، حين طالبت أميركا وبريطانيا والصين اليابان بالاستسلام الفوري غير المشروط. عقد رئيس الوزراء الياباني آنذاك، سوزوكي كانتارو مؤتمراً صحافياً وأطلق كلمته التاريخية القاتلة Mokusatsu  وكان يقصد المعنى اللغوي المحايد "نحن نمتنع عن التعليق حالياً، وندرس الأمر". لكن وكالات الأنباء والمترجمين الأميركيين التقطوا المعنى المتطرف والاشتقاقي الحرفي للكلمة (القتل بالصمت)، وترجموها إلى: "اليابان تتجاهل الإعلان باحتقار أو تزدريه" بالإنجليزية (The Government ignores it).

فجاءت النتيجة الكارثية، إذ اعتبر الرئيس الأميركي هاري ترومان الرد إهانة وصلفاً يابانياً، فأعطى الأمر بإلقاء القنبلتين الذريتين على هيروشيما وناغازاكي في أغسطس (آب) 1945. كلمة واحدة حمالة أوجه، فُسرت بغطرسة من طرف وبقلة احتراز من طرف آخر، مسحت مدينتين من الوجود. وهو ما اعترفت به واشنطن لاحقاً في وثائقها السرية، إذ نشرت وكالة الأمن القومي الأميركية (NSA) عام 1963 في مجلتها المغلقة دراسة تحليلية بعنوان "موكوساتسو: كلمة واحدة، قنبلتان ذريتان"، مقرةً بالفخ اللغوي الذي قاد العالم نحو المحرقة.

خروتشوف حفر قبره بلسانه

وخلال الحرب الباردة، في استقبال دبلوماسي بالسفارة البولندية بموسكو في 18 نوفمبر (تشرين الثاني) 1956، التفت الزعيم السوفياتي نيكيتا خروتشوف إلى السفراء الغربيين وأطلق عبارته الصادمة بالروسية "Мы вас похороним"

وقام المترجم الفوري السوفياتي الشهير فيكتور سوخودريف بترجمتها حرفياً إلى الإنكليزية  "We will bury you" أي سوف ندفنكم. نزلت العبارة كالصاعقة على واشنطن، واعتبرتها وكالة الاستخبارات المركزية والجمهور الأميركي تهديداً نووياً صريحاً بمحو الولايات المتحدة. ولكن في الحقيقة اللغوية فإن خروتشوف كان يقتبس مجازاً ماركسياً شهيراً من "البيان الشيوعي" يقول إن البروليتاريا هي حافرة قبر الرأسمالية. وكان يقصد أن الشيوعية ستعيش أطول من الرأسمالية، وستحضر جنازتها التاريخية كمنظومة. لاحقاً في عام 1963، اضطر خروتشوف للاعتذار علناً في يوغوسلافيا قائلاً "لقد تسببت لي هذه العبارة بمشكلات جمة... بالطبع لن ندفنكم بالجاروف، إنما نظامكم سيموت تاريخياً". لكن بعد ماذا؟ بعد أن دفعت العبارة المترجمة سباق التسلح النووي إلى ذروته الجنونية. ولم تكن سقطة خروتشوف تلك مجرد زلة عابرة، بل كانت انعكاساً لذهنية فلاح سوفياتي أساء الغرب فهم مجازاته، وهو ما أكده المؤرخ والباحث الأميركي ويليام توبمان في كتابه الحائز على جائزة بوليتزر "خروتشوف: الرجل وعصره". كذلك ذكرها خروتشوف نفسه في مذكراته الشهيرة "خروتشوف يتذكر – 1970" معترفاً بأن عبارته تلك حفرت من المشكلات لبلاده أكثر مما حفرت من قبور للرأسمالية.

قصارى الجهد تعني لا

وفي قمة واشنطن في نوفمبر 1969 التقى الرئيس الأميركي ريشارد نيكسون برئيس الوزراء الياباني إيساكو ساتو لحل أزمة صادرات المنسوجات اليابانية التي كانت تغرق الأسواق الأميركية. وضغط عليه نيكسون بحدة، فأجابه ساتو باليابانية Zensho shimasu. ونقلها المترجم حرفياً "I will do my best" أي سأبذل قصارى جهدي، وهو ما فهمه نيكسون على أنه "وعد وموافقة" على كبح الصادرات. لكن في الثقافة الدبلوماسية اليابانية، هذه العبارة هي صيغة مهذبة جداً لقول "لا.. انسَ الأمر، لن أفعل شيئاً". وعندما لم تنفذ اليابان أي شيء، شعر نيكسون بالغدر الشخصي والسياسي، ووصف ساتو بالخائن، مما دفعه لاحقاً لفرض عقوبات تجارية قاسية على اليابان وشن ما عُرف تاريخياً بـ "صدمات نيكسون"Nixon Shocks  من دون إخطار طوكيو مسبقاً.

 

صراع الكاوبوي وحائكو السجاد

في واحدة من أقسى تجليات الصدام اللغوي والثقافي في الدبلوماسية الحديثة، يقف التفاوض الإيراني- الأميركي الممتد لعقود كحالة تشريحية فريدة لصراع الهويات خلف الكلمات. إنه صدام بنيوي مستمر بين عقليتين لا تلتقيان، العقلية الأميركية "الكاوبوي" التي تطارد حلولاً خطية وبراغماتية وسريعة تصاغ في نقاط جافة وصفقات تجارية باردة، وعقلية "حائكي السجاد" الإيرانية التي تعشق المواربة والمط والنَفَس الطويل، وإثقال النصوص السياسية بالمجازات الفقهية واللاهوتية لحفظ ماء الوجه الاستراتيجي.

يمكن القول إن ثمة جدار سميك من اللاتواصل الدبلوماسي يمتد بين واشنطن وطهران منذ قرابة نصف قرن، وتحديداً منذ أزمة رهائن السفارة الأميركية عام 1979 التي بترت العلاقات الدبلوماسية الرسمية. ومنذ ذلك الحين، لا يتفاوض الطرفان في غرف مغلقة ومباشرة إلا نادراً، وعلى رغم ذلك يتفاوضان عبر جدار لغوي وثقافي هائل، ومن خلال وسطاء يترجمون الكلمات وأمزجة الإمبراطوريات وهوياتها الثقافية.

من الناحية الإجرائية، تتم المفاوضات الإيرانية - الأميركية باللغة الإنجليزية كقاعدة أساسية للوثائق والمسودات الرسمية.

في اللقاءات المباشرة النادرة مثل اللقاءات التاريخية بين جون كيري ومحمد جواد ظريف، إبان صياغة الاتفاق النووي عام 2015، أو اللقاءات التقنية اللاحقة، كان التفاوض يجري بالإنجليزية مباشرةً، نظراً لأن معظم أعضاء الفريق الدبلوماسي الإيراني مثل ظريف وعلي باقري كني يتقنون الإنجليزية بطلاقة. وفي المفاوضات غير المباشرة، وهي النمط السائد في فيينا والدوحة وأخيراً سلطنة عُمان، يجلس كل وفد في غرفة منفصلة. ويوثق كل من الدبلوماسي الإيراني السابق حسين موسويان في مذكراته "أزمة إيران النووية"، ووزير الخارجية الأميركي السابق جون كيري في كتاب مذكراته "كل يوم هو مكافأة"، فإن هذه الغرف المغلقة تتحول إلى مختبرات لغوية، إذ يعكف الفريق القانوني الإيراني على تفكيك كل مفردة وفصل ومطابقتها باللغة الفارسية، قبل إعادة صياغة الرد بالإنجليزية وتذييله بشروحات مصطلحية صارمة، وهو ما أكدته أيضاً تقارير مجموعة الأزمات الدولية (ICG) حول كواليس مفاوضات فيينا والدوحة، كآلية وقائية يتبعها الإيرانيون لتجنب ما يصفونه بالكمائن القانونية الأنجلو-ساكسونية.

يحلل خبراء علم اللسانيات السياسية هذا الصراع باعتباره نموذجاً كلاسيكياً لصدام الثقافات "منخفضة السياق" و"عالية السياق،" وفق تعريف عالم الأنثروبولوجيا الأميركي إدوارد هول. فالشخصية الأميركية تنطلق من عقلية تجارية براغماتية جافة، متأثرة بثقافة "الكاوبوي" و "رجل الأعمال". والمفاوض الأميركي يريد الجلوس إلى الطاولة، ووضع نقاط محددة، وجدول زمني صارم، والوصول إلى صفقة واضحة المعالم وصريحة الألفاظ. والكلمة بالنسبة له تعني قيمتها الحرفية فقط، ويعتبر أن الوضوح والمباشرة دليل الجدية والاحترام.

أما الشخصية الإيرانية فتنطلق من عقلية حضارية قديمة متأثرة بمهنة "حياكة السجاد"، إذ الصبر والنَفَس الطويل والمط، والمواربة هي أدوات القوة. والمفاوض الإيراني يرى التفاوض كعملية إثبات سيادة وتثبيت نفوذ تاريخي، وليس مجرد صفقة تجارية عابرة. في الثقافة الإيرانية، المباشرة الفجة تُفسَّر كنوع من الغلظة أو قلة الكياسة الدبلوماسية، بينما يُعتبر الالتفاف والغموض البنّاء وسيلة لحفظ الكرامة الوطنية وترك هوامش للمناورة التكتيكية تضمن عدم الانكسار أمام الخصم.

معركة المصطلحات ونبرة الخطاب

وقد تسببت الاختلافات اللغوية في إنتاج "سوء فهم متبادل" ومتراكم بين الطرفين على مر العقود، إذ تحمل العبارة معنى في القاموس السياسي الغربي يناقض معناه في الفقه السياسي الإيراني. مثل عِزّت (العزة) والمصلحة الحزبية، فعندما تستخدم واشنطن مصطلحات تقنية جافة مثل "تفكيك الأجهزة" أو "العقوبات الذكية"، ترد طهران بمصطلحات مشحونة باللاهوت السياسي مثل "عِزّت الأمة" أو "حسن نية الطرف الآخر". بالنسبة للأميركيين، يبدو إدخال مفاهيم مثل "الكرامة" في صياغة قانونية أمراً غير مفهوم ويعطل الصياغة الإجرائية، بينما بالنسبة للمفاوض الإيراني، فإن إسقاط هذه الكلمات يُعد تنازلاً أيديولوجياً غير مقبول أمام بيئته الداخلية.

كذلك تتراوح النبرة الأميركية تاريخياً بين "الفوقية الإمبراطورية" التي تملي الشروط والمهل النهائية، وبين البراغماتية الهادئة بحسب المحلل الأميركي جون ليمبرت. في المقابل، يعتمد الخطاب الإيراني وفقاً لعالم الأنثروبولوجيا واللسانيات الأميركي ويليام بيمان في دراسته لشخصية المفاوض على "نبرة المظلومية التاريخية والمقاومة الدبلوماسية"، إذ يتم رفع الصوت تارةً في الإعلام لامتصاص الضغوط، وخفضه تارةً أخرى في الأوراق المكتوبة لتمرير التفاهمات اللوجيستية  بما يعد نوعاً من التقية السياسية التكتيكية.

باكستان والترجمة العميقة

تمثل باكستان رسمياً "قسم رعاية المصالح الإيرانية" بواشنطن عبر سفارتها هناك منذ عقود. فمنذ قطع العلاقات الدبلوماسية الرسمية بين واشنطن وطهران في عام 1980 في أعقاب أزمة الرهائن، تولت باكستان رسمياً دور "حماية المصالح الإيرانية" في الولايات المتحدة. وقد دخلت إسلام آباد على الخط تاريخياً، وأخيراً عبر قنواتها الدبلوماسية، مستخدمةً لغةً تعتمد على التوازن العسكري والسياسي. وبحكم الجوار الجغرافي والثقافي المشترك مع إيران، حيث تشترك اللغتان الأردية والفارسية في جذور لغوية ومفاهيمية واسعة، يستطيع المفاوض الباكستاني فهم الرموز والمجازات الإيرانية بدقة ونقلها إلى صانع القرار الأميركي بلغة عسكرية وسياسية يفهمها البنتاغون والخارجية الأميركية، مما يحد من فرص الصدام الناتج من الفهم الخاطئ للنوايا.

وعلى رغم ذلك فإن هذا الاختلاف اللغوي تحول في يونيو (حزيران) الجاري إلى ملهاة دبلوماسية مشحونة بالتناقضات كادت أن تدفع الاقتصاد العالمي نحو حافة الهاوية. فمع تصاعد وتيرة التفاوض حول "إسلام آباد 2"، مذكرة التفاهم المؤلفة من 14 نقطة والخاصة بوقف العمليات العسكرية وأمن مضيق هرمز وملفات التسليح، دخل العالم في دوامة من سوء الفهم الثقافي الذي يحتاج إلى فك شيفرات لغوية مستعصية.

وتصادمت مدرستان لغويتان بضراوة، في الوثائق والتصريحات الفارسية الصادرة عن حكومة الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، إذ لا تُقاس الأمور بميزان الربح والخسارة المادي، إنما بالاستناد إلى أدبيات الثورة والإرث الديني، مستخدمة مفردات مثل "عِزّت" (العزة) و"مصلحت" (المصلحة). فعندما يرفض المفاوض الإيراني شروطاً تقنية، فإنه لا يصفها بأنها "غير عملية"، ويعمل على صياغتها بعبارة على شاكلة "هذا مقترح يمس كرامة وعزة الجمهورية الإسلامية".

وفي المقابل، يقف دونالد ترمب ونائبه جيه دي فانس على المنابر ليتحدثا بلغة "الكاوبوي" والأرقام الصارمة والشروط التي تشبه الإملاءات القضائية، مثل "تخفيف فوري لنسب التخصيب، تفكيك أو تخفيف تدريجي للمخزون على الأراضي الإيرانية، وتحديد صارم لمدى الصواريخ".

وبينما يرى ترمب المذكرة مجرد "صفقة تجارية موقتة لمدة 60 يوماً"، مهدداً بلغته الهجومية الحادة "إما اتفاق نهائي أو نعود للقصف وتدمير الأخضر واليابس"، يرى الإيراني في هذه المهلة جولة مناورة تكتيكية لإثبات السيادة وتثبيت نفوذ إقليمي يمتد إلى الجبهة اللبنانية.

وحتى في تفسير بنود المذكرة الـ 14 أمام الجماهير، يبرز الخلاف اللغوي الكارثي، فبينما تسوّق واشنطن الاتفاق على أنه "التزامات قسرية وتنازلات" أجبرت طهران عليها تحت ضغط الحصار البحري، يفكك المرشد الإيراني مجتبى خامنئي هذه الصياغة الأميركية لغوياً وسياسياً أمام شعبه وحلفائه. ويظهر هذا التفكيك اللغوي جلياً في الرسالة التوجيهية الصادرة عنه في يونيو 2026، والتي منح فيها الإذن بتمرير مذكرة التفاهم، إذ حرصت صياغته على الفصل بدقة جراحية بين "التفاوض اللوجيستي الاضطراري لدفع الضرر" وبين "القبول بالأعداء"، مقدماً خطوة حكومة مسعود بزشكيان كمناورة تكتيكية مشروعة لدفع المطالب الأميركية المفرطة.

ويضع هذا التناوب اللغوي بين البراغماتية الأميركية الفجة والتقية السياسية الإيرانية الملتوية، المترجمين والمحللين في حالة استنفار دائم، فالكلمة الفارسية قد تخفي وراءها مرونة تكتيكية فائقة، بينما العبارة الأميركية الجافة والمباشرة قد يفسرها الإيراني على أنها إهانة وجودية كافية لتفجير الـ 60 يوماً والعودة إلى لغة الحديد والنار.

المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية واللغات السامية

على رغم فرط استخدام عبارة وقف إطلاق النار التي لم تصمد من ناحية، وتؤطر جغرافياً من ناحية أخرى، فإن التفاوض بين لبنان وإسرائيل يجري فوق حقل ألغام لغوي وعسكري مشتعل. هذه الجولات تفوق بتعقيدها أي ساحة أخرى، لأنها تفاوض بين طرفين في حالة حرب رسمية، وتتم تحت وطأة النيران المتبادلة والضغط الدولي الهائل.

وبين ضفتَي لغة سامية مشتركة تضرب جذورها العميقة في التاريخ، يقف التفاوض اللبناني - الإسرائيلي كحالة فريدة من الصدام الرمزي الذي يتجاوز حدود السياسة إلى عمق الهوية والأرض. فالعبرية والعربية، على رغم تحدرهما من جذور لغوية سامية واحدة، تفترقان في غرف التفاوض لتتحولا إلى جبهة مواجهة من نوع آخر. مواجهة تحتكر فيها إسرائيل عبارة السامية متكئةً على تكتيكها الجاهز بإشهار تهمة "معاداة السامية" لشيطنة خصومها، في مفارقة لغوية وتاريخية ساخرة، إذ تُسقط من حساباتها عمداً أن العرب هم قلب السلالة واللغة السامية وأصحابها، لتتحول التهمة الدبلوماسية المرفوعة بوجه لبنان والمنطقة إلى أداة سياسية مجردة من أي منطق علمي، هدفها الوحيد تجريد أصحاب الأرض من حقهم الوجودي في الدفاع عن سيادتهم.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وفي الجانب الإسرائيلي، تشكلت العقلية الأمنية على قراءة دقيقة للعربية، فالمحتل الذي يربض على الأرض العربية منذ عام 1948، لم يتعلم العربية بدافع المثاقفة، إنما كأداة استخباراتية حيوية لفهم العدو وتفكيك شيفرته النفسية والاجتماعية. لقد أتقن المفاوض الإسرائيلي المفردات العربية ليعرف كيف يناور بها، معتقداً ربما أن استيعاب لغة الأرض يمنحه مفاتيح السيطرة عليها.

من جهته، يمتلك لبنان إرثاً دبلوماسياً وثقافياً ممتداً، جعل من وفوده المفاوِضة تاريخياً، وفي أحدث جولات التفاوض، تتمسك باللغة الإنجليزية كوسيط رسمي وجاف. هذا الخيار اللبناني لم يكن مجرد بروتوكول دولي، إنما بمثابة موقف استراتيجي. فالمفاوض اللبناني يرفض طمس الفوارق أو منح الاحتلال شعوراً بالألفة الجغرافية أو الاندماج في محيطه. والحديث بالإنجليزية في الغرف المغلقة يفرض مسافة باردة، ويُجبر المحتل على البقاء خلف حدود "الأجنبي الغريب"، مهما حاول الأخير استعراض فهمه للعربية لكسر الجليد.

بالإنجليزية المحايدة

تنقسم اللغة المستخدمة في المفاوضات إلى شقين. اللغة الدبلوماسية الرسمية للوثائق، وهي اللغة الإنجليزية. حيث تُكتب المسودات والاتفاقيات بالإنجليزية باعتبارها اللغة الدولية المحايدة، وبها صِيغ اتفاق الترسيم البحري لعام 2022، ومسودات تفاهمات عام 2024 وعام 2026.

واللغة اللوجيستية والشفهية، ففي جولات الناقورة كانت الآلية غير مألوفة تماماً. إذ يتحدث الوفد اللبناني باللغة العربية، والوفد الإسرائيلي باللغة العبرية. ولا يجلس الطرفان وجهاً لوجه للنقاش المباشر، ويجلس الوسيط الأميركي، أي المبعوثين الأميركيين المتعاقبين في المنتصف. يتحدث اللبناني بالعربية، فيقوم مترجم رسمي، غالباً من الأمم المتحدة أو الملحقين الأميركيين، بنقل الكلام إلى الإنجليزية للوسيط، الذي بدوره يترجمه أو يمرره إلى الجانب الإسرائيلي بالعبرية أو الإنجليزية، والعكس صحيح.

في أكتوبر (تشرين الأول) 2020، ترأس الوفد اللبناني العميد الركن الطيار بسام ياسين، نائب رئيس الأركان للعمليات في الجيش اللبناني. وترأس الوفد الإسرائيلي عودي أديري، المدير العام لوزارة الطاقة الإسرائيلية. أما الوساطة الأميركية فقادها بدايةً ديفيد شينكر والسفير جون ديروشير، ثم عاد الملف لاحقاً بقوة مع آموس هوكشتاين، الذي لعب دوراً محورياً في الوصول إلى اتفاق 2022. في المرحلة السياسية الأخيرة، برز اسم نائب رئيس مجلس النواب اللبناني، إلياس بو صعب، كمفاوض لبناني أساسي مع هوكشتاين في الصياغات النهائية.

لغة التفاوض هنا كانت ثلاثية، العربية في الداخل اللبناني، العبرية في الداخل الإسرائيلي، والإنجليزية كلغة وسيطة عبر الأميركيين والأمم المتحدة. لكن اللغة الأهم لم تكن أي واحدة منها، فقد كانت لغة "عدم الاعتراف". فكل طرف قبل عملياً بترتيب حدودي، لكنه حرص على ألا يظهر كأنه عقد اتفاق سلام. لذلك جرى توقيع الرسائل بصورة منفصلة، وتسليمها عبر الولايات المتحدة والأمم المتحدة، وليس كمعاهدة ثنائية كلاسيكية.

ففي لبنان، كان المطلوب لغوياً القول إننا حصلنا على حقوقنا ولم نطبّع. وفي إسرائيل، أمنّا كاريش وحصلنا على استقرار أمني واقتصادي. وفي واشنطن، كان المطلوب تسويق الاتفاق كإنجاز إقليمي. كل طرف قرأ النص نفسه بجمهور مختلف.

وإلياس بو صعب، كان يتحرك بسهولة بين العربية والإنجليزية، وهذا مهم في مفاوضات كهذه، لأن الفروق الدقيقة لا تنتظر دائماً المترجم. وآموس هوكشتاين، المولود في إسرائيل والعامل في السياسة الأميركية، يتقن الإنجليزية ويتحرك داخل حساسية إسرائيلية- أميركية خاصة. ولم يكن يحتاج إلى مترجم  مع الجانب الإسرائيلي كونه يجيد العبرية.

أما في التفاوض الأحدث  في أبريل (نيسان) 2026، وتحت وطأة التصعيد العسكري العنيف وضغط واشنطن، انتقلت الصياغة الدبلوماسية إلى مستوى مباشر غير مسبوق في العاصمة الأميركية، بين السفيرة اللبنانية في واشنطن ندى حماده معوض، ونظيرها الإسرائيلي يحيئيل ليتر، بإشراف مباشر من المبعوثين الرئاسيين الأميركيين، لتكون الإنجليزية هي اللغة الطاغية والوحيدة فوق الطاولة اختصاراً للوقت وتحت النار الدبلوماسية.

ولم تكن لغة الجسد تفصيلاً جانبياً، فالسفيرة معوض ظهرت في الصور الرسمية بجسد متحفّظ، وجلوس مستقيم وجه قليل الانفعال ونظرات لا تبحث عن ألفة مع الطرف الإسرائيلي بقدر ما تحافظ على برودة بروتوكولية محسوبة. فممثلة لبنان كانت تتحرك داخل حقل ألغام داخلي، حيث يمكن لأي ابتسامة واسعة أو مصافحة أن تتحول فوراً إلى تهمة تطبيع. وبدت لغة جسدها أقرب إلى "الحد الأدنى الدبلوماسي"، حيث الحضور من دون اندفاع، والجلوس إلى الطاولة من غير منح الصورة أكثر مما تحتمل. أما السفير الإسرائيلي فقد أبدى ميلاً إلى استثمار المشهد سياسياً. في الصور، جلس بوجه ثابت ونظرة مباشرة، ثم خرج إلى الإعلام بخطاب أكثر هجومية وثقة، متحدثاً عن أن لبنان وإسرائيل على الجهة نفسها في مواجهة "حزب الله". جسده، خصوصاً في لقطات التصريح للصحافيين، بدا امتداداً لهذا الخطاب في رغبة واضحة في تحويل اللقاء من تفاوض أمني إلى صورة انتصار سياسي.

أما الوسيط الأميركي، فكان صاحب المسرح قبل أن يكون صاحب الكلام. روبيو جلس في المركز تقريباً، محاطاً بالأعلام وبالفريق الأميركي، في ترتيب بصري يذكّر بأن واشنطن التي تستضيف الحوار تحدد شكله وإيقاعه وحدود ظهوره. الابتسامات الأميركية بقيت أقرب إلى ابتسامة إدارة الأزمة منها إلى احتفال دبلوماسي.

وما بدا لافتاً أن الصورة الجماعية وُجدت، لكن المصافحة العلنية بين السفيرة اللبنانية والسفير الإسرائيلي لم تحدث بحسب التقارير الموثوقة، على رغم أن مسؤولاً أميركياً كان قد توقعها.

وقد نشرت صورة مزعومة للمصافحة على مواقع التواصل قبل أن تفككها منصات التحقق وتعتبرها غير صحيحة أو مولدة بالذكاء الاصطناعي.

 

أفخاخ معركة المصطلحات

في هذه المفاوضات، كل لفظ في الواقع هو جبهة قتال قائمة بذاتها. "الحدود" مقابل "خط الانسحاب"، يصر لبنان لغوياً وقانونياً على مصطلح "الحدود الدولية المعترف بها" (ترسيم 1923 واتفاقية الهدنة 1949)، ويرفض تماماً مصطلح "الخط الأزرق" كحدود، ويعتبره مجرد "خط انسحاب" لا يلغي السيادة اللبنانية على النقاط المتحفظ عليها. أما إسرائيل فتحاول فرض "الخط الأزرق" كأمر واقع هرباً من التزامات الحدود التاريخية.

وفي مفاوضات عام 2024 و2026 الرامية لوقف القتال وترتيبات الجنوب، تصر إسرائيل على إدخال عبارة Freedom of Action حرية التحرك والعمل العسكري في حال حدوث أي خرق. أما بالنسبة للبنان، فهذه العبارة هي "ألغام لغوية" تعني "شرعنة الاحتلال وانتهاك السيادة". ويستبدلها المفاوض اللبناني بعبارات مثل "التطبيق الكامل والسيادي للقرارات الدولية"، مع التأكيد على أن الدولة اللبنانية وجيشها هما السلطة الوحيدة والحصرية للسلاح.

"الترتيبات الأمنية" أم "السلام الإقليمي"؟ وعندما أعلن بنيامين نتنياهو قبول التفاوض المباشر في 2026، حاول لغوياً تسويق الأمر لجمهوره على أنه تفاوض لنزع سلاح "حزب الله" وإقامة علاقات سلام. لكن لبنان جرّد لغة التفاوض من أي أبعاد سياسية توحى بالتطبيع، وحصر المصلحة اللغوية في إطار "ترتيبات وقف إطلاق النار وأمن الحدود"، رافضاً في الوقت نفسه أي دمج للملف اللبناني بملفات التفاوض الإقليمية الأخرى، والمقصود فيها المفاوضات الأميركية - الإيرانية في إسلام آباد، على رغم وجود بند فرضته طهران لوقف إطلاق النار على كافة الجبهات.

على المقلب الآخر من المشهد الدبلوماسي وفي البلد ذاته لغة أخرى، إذ لا يحظى هذا المسار التفاوضي بإجماع وطني في الداخل اللبناني، وينقسم حوله الرأي العام والنخب السياسية حيال جدواه وتوقيته. ويرى المعارضون أن هذه المفاوضات أديرت تحت وطأة عجز بنيوي واختلال حاد في موازين القوى، مسجلين اعتراضات جوهرية أبرزها التفاوض تحت النار، في ظل تصعيد عسكري واختلال ميداني، مما جعله في نظر الكثيرين أقرب إلى صياغة "شروط إذعان" منها إلى تفاهمات ندّية، إذ استخدم الاحتلال آلته العسكرية كلغة ضغط مستمرة لابتزاز الموقف اللبناني وانتزاع تنازلات سيادية. إضافة إلى غياب أوراق القوة وغطاء التفاوض وافتقار المسار الدبلوماسي لإجماع وطني أو غطاء دستوري جامع. والأهم شرعنة "حق التجربة" إذ إن مكمن الخطر الأكبر في نظر المعارضين يكمن في البنود الضمنية للمسودات المطروحة، والتي تمنح إسرائيل ما يشبه "حق التجربة والتحقق" أو إعطاء شرعية دولية لـ "حرية الحركة والتدخل العسكري" عند حدوث أي خرق، وهو ما يراه معارضو الاتفاق تنازلاً خطيراً عن السيادة الوطنية، يتيح للاحتلال إعادة اجتياح الأرض أو قصفها تحت مبررات أمنية مطاطة قد تصاغ بلغة ملتبسة.

في النهاية، تعد اللغة في عالم التفاوض بين الأعداء جداراً للمناورة أكثر من كونها جسراً للعبور. والكلمة على طاولة المفاوضات سلاح ذو حدين، فإما أن تُصاغ بدقة هندسية تحمي دماء الشعوب وسيادة الأوطان، أو أن تقع في فخاخ الترجمة الحرفية والغموض غير المحسوب أو سوء الفهم الثقافي، لتتحول العبارة الدبلوماسية أحياناً إلى قنبلة موقوتة تنفجر حروباً ودماءً في وجه أصحابها.

اقرأ المزيد

المزيد من تحقيقات ومطولات