Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

من كولومبوس إلى ترمب... معارج المجد ومزالق الانحدار

محطات تاريخية مرت بها البلاد من لحظات الاكتشاف وصولاً إلى الوقت الحاضر

هل يمكن لهذه القوة الإمبراطورية أن تعيش 250 عاماً أخرى، لتبلغ 500 عام وتضارع الإمبراطورية الرومانية؟ (اندبندنت عربية)

ملخص

تبدو أميركا اليوم في مرحلة انتقالية: من عالم ثنائي القطبية، ثم أحادي القطبية، إلى منافسة في عالم متعدد الأقطاب.

يحاجج بعضهم بأن القرن الأميركي انتهى وأن زمن "الباكس أميركانا" ولى. ويرى آخرون أن هذا الاستنتاج متسرع. وقد يتطلب الأمر انتظار مسار رئاسة ترمب ومحاولة استقراء مستقبل الولايات المتحدة.

يقول الفيلسوف الألماني أوزوالد شبنغلر إن التاريخ الإنساني ليس خطاً مستقيماً نحو التقدم، بل دورات متعاقبة من النمو والانحلال، وإن كل حضارة أشبه بإنسان يولد وينمو وينضج ثم يشيخ ويموت.

أما المؤرخ البريطاني أرنولد توينبي فيرى أن التاريخ دورات حلزونية تولد وتنمو ثم تشيخ فتموت. لكنه يعتقد أن القوى الحاضرة استفادت من خبرات التجارب السابقة، وستعرف كيف تتجاوز المطبات التي أمامها.

لماذا نتذكر هذه الكلمات في هذا التوقيت؟

ربما لأننا أمام ذكرى لافتة، وهي مرور 250 عاماً على مولد الولايات المتحدة الأميركية، وبداية انطلاقة جمهورية من أهم الجمهوريات في التاريخ المعاصر.

في هذه الأوقات تبرز الحاجة إلى طرح تساؤل جوهري: ما مستقبل تلك القوة التي ملأت الدنيا وشغلت الناس؟ يزداد هذا السؤال إلحاحاً لأن حضورها مؤثر في مختلف أنحاء العالم.

في هذه القراءة نحاول، بإيجاز غير مخل، استدعاء الماضي عبر عدد من المراحل التاريخية التي مرت بها الولايات المتحدة منذ لحظات الاستكشاف الأولى وصولاً إلى حاضرها.

ويبقى السؤال الأهم: هل يمكن لهذه القوة الإمبراطورية أن تعيش 250 عاماً أخرى، لتبلغ 500 عام وتضارع الإمبراطورية الرومانية؟

دعونا نقرأ ونحلل، علّنا نجد جواباً. غير أن المؤرخ الاسكتلندي الأصل الأميركي الجنسية نيال فيرغسون يذهب إلى أن الجمهوريات لا تعيش، في الغالب، أكثر من 250 عاماً.

ومهما يكن، نبدأ هذه المسيرة التاريخية، وللقارئ أن يحكم إلى أين تمضي أميركا.

كولومبوس وأراض مكتشفة بالصدفة

مع المستكشف الإيطالي كريستوفر كولومبوس، في أواخر القرن الـ15، تبدأ قصة اكتشاف الأميركتين، في لحظة تعد فاصلة في التاريخ.

برعاية حكومية إسبانية لم تخلُ من مباركة دينية، أبحر كولومبوس بهدف كان بعيداً من فكرة اكتشاف أراضٍ جديدة. كان هدفه الرئيس إيجاد طريق غربي إلى آسيا. لكنه بدلاً من ذلك وصل إلى جزر البهاما ونزل في سان سلفادور، حيث التقى شعب التاينو. وخلال رحلته الاستكشافية زار أيضاً كوبا وهيسبانيولا، معتقداً خطأً أنه وصل إلى آسيا.

افترض كولومبوس أنه عثر على جزر الهند. واستغرق الأمر منه ومن الأوروبيين بعض الوقت ليدركوا أنه في الواقع اكتشف قارتين مجهولتين من قبل: أميركا الشمالية وأميركا الجنوبية.

جلبت رحلة كولومبوس إلى السكان الأصليين العالم القديم المتمثل في أوروبا. وبات نصف الكرة الغربي أفقاً ديموغرافياً جديداً. واتسع نطاق الاستكشاف والاستعمار والهجرة والتبادل الثقافي والاستغلال في ما أصبح يعرف بالعالم الجديد. كذلك غيرت أول رحلة مسجلة عبر المحيط الأطلسي مجرى التاريخ.

بين عامي 1492 و1650، وجه الإسبان أنظارهم شمالاً وأنشأوا مستعمرات قصيرة الأجل على سواحل ولايتي جورجيا وكارولينا الجنوبية الحاليتين، سعياً وراء أسطورة "تشيكورا"، أي الاعتقاد بأن أفضل الأراضي، إضافة إلى ممر إلى الصين، يمكن العثور عليها في منطقة خليج تشيسابيك.

لاحقاً، اكتشف الفرنسيون ثم الإنجليز أقصى خطوط العرض الشمالية للمحيط الأطلسي. وفي المقابل شق الإسبان طريقهم ببطء على طول ساحل فلوريدا الحالية. وتوالت بعد ذلك رحلات الأوروبيين إلى قلب الأراضي الجديدة، مما قاد إلى مرحلة تالية أعقبت الاستكشاف.

زمن ظهور المستعمرات الأوروبية

مع توافد الرحلات البحرية من إسبانيا والبرتغال وفرنسا وإنجلترا، وإدراك أن الأرض الجديدة مليئة بالخيرات والموارد، بدأت جماعات من المهاجرين الأوروبيين تتدفق إلى تلك الأراضي. ومن هنا ظهرت فكرة المستعمرات.

بدأ الاستيطان الإنجليزي عبر السير والتر رالي، الذي أسس مستعمرة روانوك في عام 1585، لكنها كانت قصيرة الأجل.

غير أن مستعمرة أخرى هي جيمستاون، بدأت في عام 1607، وكانت تنمو لتصبح مستعمرة فيرجينيا.

لاحقاً، وفي عام 1620، أسست مجموعة من الحجاج، معظمهم من الانفصاليين الدينيين الأوروبيين، مستعمرة دائمة على البر الرئيس على ساحل ماساتشوستس.

ثم تبع ذلك إنشاء مستعمرات إنجليزية أخرى عدة في أميركا الشمالية خلال القرنين الـ17 والـ18.

وبمرور الوقت، ظهرت 13 مستعمرة ستصبح نواة الولايات المتحدة كما نعرفها اليوم، وهي:

- مستعمرات نيو إنغلاند وتشمل مقاطعة نيو هامبشاير ومقاطعة خليج ماساتشوستس ومستعمرة رود آيلاند ومزارع بروفيدنس ومستعمرة كونيتيكت.

- المستعمرات الوسطى: مقاطعة نيويورك ومقاطعة نيوجيرسي ومقاطعة بنسلفانيا ومستعمرة ديلاوير.

- المستعمرات الجنوبية: مقاطعة ميريلاند ومستعمرة فيرجينيا ومقاطعة كارولينا الشمالية ومقاطعة جورجيا.

كانت هذه المستعمرات جزءاً من أميركا البريطانية، بحسب الموسوعة "بريتانيكا"، وشملت أيضاً أراضي في فلوريدا ومنطقة البحر الكاريبي، وما يعرف اليوم بكندا.

ماذا عن الأوضاع السياسية لتلك المستعمرات الـ13؟

كانت تدار بصورة منفصلة تحت التاج البريطاني، لكنها تشابهت في أنظمتها السياسية والدستورية والقانونية. وكانت كل منها خاضعة لهيمنة الناطقين بالإنجليزية من البروتستانت الأوروبيين.

ونظر المهاجرون الأوائل إلى تلك الأراضي نظرة ذات أبعاد توراتية، فاعتبروها "كنعان الجديدة"، في إشارة إلى هجرة العبرانيين من مصر إلى فلسطين التاريخية.

لاحقاً، نشأ حس سياسي لدى تلك المستعمرات وسكانها يدعو إلى الاستقلال والانفصال عن التاج البريطاني.

طريق الثورة والاستقلال والدستور

اندلعت الثورة الأميركية خلال ما يعرف بـ"عصر التنوير"، وهو عصر بدأ فيه رجال الدولة والمفكرون والفنانون التفكير النقدي في جوانب أساسية من المجتمع، وناقشوا سبل إحداث تغيير جذري.

في الأعوام الأولى التي سبقت الثورة، طالب "أبناء الحرية"، ومن عارضوا معاملة بريطانيا العظمى للمستعمرات الأميركية، بالمساواة في التمثيل أمام القانون الإنجليزي.

وكان كتاب "الفطرة السليمة" الذي كتبه الثوري والناشط السياسي الأميركي توماس باين من العوامل التي أججت ثورة الأميركيين على البريطانيين، إذ قدم حجة واضحة لاستقلال المستعمرات. ورأى أن النظام الملكي البريطاني استبدادي وفاسد، مما زاد من نقمة الرأي العام على التاج.

وشكلت مذبحة بوسطن التي وقعت في الخامس من مارس (آذار) 1770 أحد الأسباب الرئيسة للثورة، بعد اعتداء الجنود البريطانيين على عمال في أحد مصانع بوسطن.

بدأت الثورة الأميركية رسمياً في أبريل (نيسان) 1775، عندما تبادلت الميليشيات الأميركية والجيش البريطاني إطلاق النار للمرة الأولى خلال معركتي ليكسينغتون وكونكورد.

وكان الجيش الأميركي قد تبلور جزئياً عبر خدمة عدد من ضباطه في الجيش البريطاني، وفي مقدمهم جورج واشنطن، الذي كان ضابطاً مرموقاً قبل أن يصبح قائداً للقوات الأميركية ثم أول رئيس للولايات المتحدة.

بعد إعلان الاستقلال عن بريطانيا، سعى الآباء المؤسسون مثل جورج واشنطن وجيمس ماديسون وألكسندر هاميلتون إلى إيجاد توازن دقيق بين السلطة الاتحادية واستقلال الولايات.

وقع الدستور في 17 سبتمبر (أيلول) 1787 خلال المؤتمر الدستوري في مدينة فيلادلفيا، ودخل حيز التنفيذ في الرابع من مارس 1789، ليصبح أقدم دستور وطني ساري المفعول في العالم حتى اليوم.

صمم الدستور الأميركي ليكون إطاراً حياً قابلاً للتطور مع الزمن. وعلى مدى أكثر من قرنين ظل أساس الحوكمة في الولايات المتحدة.

يتكون الدستور من النص الأصلي المؤلف من سبع مواد، و27 تعديلاً أقرّت لتحديث النظام القانوني وحماية حقوق المواطنين. وتعرف التعديلات الـ10 الأولى مجتمعة باسم "وثيقة الحقوق". بينما تتناول التعديلات اللاحقة قضايا التوسع الديمقراطي وإلغاء العبودية وتنظيم السلطة.

مثل الدستور الأساس القانوني الذي قامت عليه عملية الصعود القاري للولايات المتحدة. وبدأت البلاد تشق طريقها كقوة سياسية صاعدة في عالم كانت أوروبا تتصدره. لكن هذا الوضع لم يستمر طويلاً.

الصعود القاري ونشوء القوة الأميركية

أتاح الاستقرار السياسي بعد نجاح الثورة وكتابة الدستور مساحة لنجاحات اقتصادية أميركية، مما دعم صعود البلاد في الفترة بين 1865 و1914، أي حتى الحرب العالمية الأولى.

بدأت الثورة الزراعية والتجارية والصناعية على أكتاف المهاجرين الأوروبيين. وعلى رغم أن ليس جميعهم كانوا ينوون البقاء، فإن معظمهم قدم بحثاً عن فرص اقتصادية، إذ كانت الأراضي الرخيصة والأجور المرتفعة نسبياً، مقارنة ببلدانهم الأصلية، متاحة بغض النظر عن الجنسية.

كانت نهاية الحرب الأهلية الأميركية موعداً لانطلاقة أميركا الصناعية. ومثل صعود العمل المأجور ونمو المدن أبرز التغيرات في تلك الفترة.

لم يتوقع سوى قلة من الأميركيين، في نهاية الحرب الأهلية، هذا النمو السريع للصناعة. لكن المصانع تسارعت في توسعها، مما أدى إلى زيادة الناتج المحلي.

وشكلت شبكة السكك الحديدية محركاً أساساً للاقتصاد الصناعي، إذ فتحت أبواب التواصل بين الولايات، وربطت الشرق بالغرب والشمال بالجنوب، مما عزز التبادل التجاري والصناعي.

بدت الحرب الأهلية وكأنها رسخت انتصار عالم المنتجين الصغار وقيم العمل الحر والفردية وحرية التعاقد. وتمنى كثير من الأميركيين استمرار هذه القيم لضمان النجاح في المجتمع الصناعي الجديد، وهو ما فتح الطريق أمام رأسمالية ليبرالية خاضت تجربة ناجحة منذ ذلك الوقت.

هل كان دخول الولايات المتحدة الحرب العالمية الأولى محطة مفصلية في صعودها؟

عندما بدأت الانخراط في الصراع كان جيشها صغيراً وغير مستعد لحرب واسعة. وكان الإسهام الأميركي المباشر اقتصادياً أكثر منه عسكرياً. غير أن العسكرة والاقتصاد حلقتان متلازمتان في طريق بناء القوى الكبرى.

في هذا الإطار، دخلت واشنطن بقوة إلى ساحة الأقطاب الدولية الكبرى، فيما تراجعت روسيا القيصرية قبل أن يتسلم البلاشفة زمام الحكم.

لاحقاً، كانت واشنطن على موعد مع ما وصف بالعصر الذهبي، لا سيما بعد تجاوز الأزمة المالية العالمية في أوائل الثلاثينيات ونجاح برنامج "الصفقة الجديدة" خلال الفترة الممتدة من عام 1933 حتى عام 1936، مما هيأها لدخول الحرب العالمية الثانية كقوة كونية.

عصر ذهبي لقوة عالمية قادمة

حولت الحرب العالمية الثانية الولايات المتحدة من قوة عالمية متوسطة إلى قائدة "العالم الحر". ومع هذا الصعود السريع في الفترة من منتصف الأربعينيات حتى أوائل السبعينيات، تحملت واشنطن مسؤوليات جديدة، مما جعل من تلك المرحلة "العصر الذهبي" للإمبراطورية الأميركية، وفق هذا الوصف.

جمعت الولايات المتحدة مندوبين من 44 دولة بين 1 و22 يوليو (تموز) 1944، وبلورت اتفاقية بريتون وودز التي أصبحت عصب التجارة والاقتصاد العالميين، وقادت لاحقاً إلى نشوء البنك الدولي وصندوق النقد الدولي. وبذلك أضحت واشنطن قاطرة النظام المالي العالمي بدل بريطانيا.

وتعزز الدور القيادي للولايات المتحدة عبر تأسيس الأمم المتحدة على أراضيها، ثم عبر خطة مارشال التي أنقذت القارة الأوروبية من هوة الانهيار الاقتصادي الذي خلفته الحرب.

وفي عقود الحرب الباردة، ثبتت الولايات المتحدة قدرتها على قيادة ما سمي العالم الحر، وهو مصطلح ظهر في خطابها السياسي خلال الحرب العالمية الثانية، وتحديداً عام 1940.

وبلورت واشنطن ركيزة للديمقراطية والليبرالية في مواجهة الستار الحديدي والكتلة الشيوعية التي تمددت من موسكو إلى عواصم أوروبا الشرقية، إضافة إلى انتشار الأفكار الشيوعية في مناطق واسعة من العالم.

وشنت واشنطن حرباً غير عسكرية على المعسكر الشرقي، وبالتحالف مع الديمقراطيات الأوروبية وصلت إلى لحظة فارقة في 9 نوفمبر (تشرين الثاني) 1989 بسقوط جدار برلين، الذي أعقبه بدء تفكك الاتحاد السوفياتي.

لم تطلق واشنطن رصاصة على الجانب الآخر، لكنها نجحت عبر أدوات أخرى، أبرزها الدعم الاقتصادي والخدمات الإعلامية. كذلك قدمت نموذجاً للدولة الحرة وروجت للحلم الأميركي، إلى جانب المظلة النووية لأوروبا والحضور العسكري الكثيف في قواعد عدة، ومنها ألمانيا.

ومع بداية التسعينيات، كان الاتحاد السوفياتي يتراجع سريعاً، ومن دون وريث واضح إلا بعد نحو عقدين، أي روسيا الاتحادية. وسمح ذلك للرئيس الأميركي جورج بوش الأب بإطلاق مصطلح "النظام العالمي الجديد".

لحظة القطبية الأحادية الأميركية

من منظور تاريخي يمكن تسمية الفترة الممتدة من 1991 إلى أوائل 2001 بفترة القطبية الأحادية الأميركية، أي زمن تربعت فيه الولايات المتحدة على قمة هرم القوة العالمية وانفردت بالهيمنة اقتصادياً وعسكرياً وسياسياً وثقافياً.

في تلك الأعوام سيطرت واشنطن على توجيه مسار العلاقات الدولية ومؤسساتها، وصياغة القوانين والتدخلات العسكرية، أحياناً بمعزل عن الأمم المتحدة.

وبدا واضحاً أنها سعت إلى تعميم نموذج الديمقراطية الليبرالية واقتصاد السوق معياراً عالمياً.

واعتمدت واشنطن على القوة الخشنة، على رغم أنها انتصرت على السوفيات عبر أدوات القوة الناعمة. وبدت ميزانياتها العسكرية الأكبر عالمياً، وعززت شبكة واسعة من القواعد المنتشرة حول العالم.

في الوقت ذاته، ظل الدولار العملة الاحتياطية الأولى عالمياً، مما منح الولايات المتحدة مساحة كبيرة للتحكم في اقتصادات دول أخرى، عبر الدعم المالي أو العقوبات.

ومن أدوات الهيمنة أيضاً التفوق التكنولوجي، مدنياً وعسكرياً، بالإضافة إلى السيطرة على قطاعات الثقافة والإعلام والفنون وتصدير النموذج الأميركي.

وذهب بعضهم إلى اعتبار تلك المرحلة "نهاية التاريخ"، وأن البشرية لن تضيف شيئاً بعدما بلغته الولايات المتحدة من صعود.

في عام 1992 صدر كتاب فرانسيس فوكوياما "نهاية التاريخ والإنسان الأخير"، وجادل فيه بأن البشرية مع صعود الديمقراطية الليبرالية الغربية لامست سقف تطلعاتها. واستند إلى فلسفات هيغل وماركس اللذين اعتبرا التاريخ تقدماً خطياً من حقبة اجتماعية اقتصادية إلى أخرى.

لكن فوكوياما عاد لاحقاً وتراجع عن كثير من آرائه، بعدما دخلت الولايات المتحدة عقداً مضطرباً لقطبيتها المنفردة، تداخلت فيه عوامل الداخل مع متغيرات الخارج، لا سيما صعود قوى آسيوية من روسيا إلى الصين.

استنزاف الداخل وأكلاف الخارج

هل بدأت مسيرة استنزاف الإمبراطورية الأميركية في 11 سبتمبر 2001؟

بالنسبة لعشرات الملايين من الأميركيين الذين عاشوا تلك اللحظة، لا تزال الصور محفورة في الذاكرة: ألسنة اللهب تتصاعد من برجي مركز التجارة العالمي في سماء زرقاء صافية، ثم موجة كثيفة من الدخان والحطام تجتاح شوارع مانهاتن السفلى.

كان هناك شيء ما قد انكسر في النفسية الأميركية. وتراجع الإحساس بالقدرة.

تقول جانيت نابوليتانو، وزيرة الأمن الداخلي الأميركية السابقة ورئيسة جامعة كاليفورنيا السابقة "كان من أبرز الآثار الدائمة للأحداث الضرر الذي لحق بالنفسية الأميركية. فحتى بعد بيرل هاربر كان هناك اعتقاد سائد بأننا محصنون بطريقة ما من الهجمات، وأن طائراتنا المدنية لا يمكن أن تستخدم كأسلحة هجومية موجهة إلى مبان تاريخية. وقد دمر هذا الاعتقاد تماماً بأحداث الـ11 من سبتمبر (أيلول)، ولم يعد موجوداً منذ ذلك الحين".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

بدأ الاستنزاف الأكبر للنفسية الأميركية، وظهرت تداعياته طوال عقد كامل.

لم تكن الولايات المتحدة قوة استعمارية تقليدية، لكن بعد هجمات نيويورك وواشنطن سعت إلى احتلال أفغانستان، ثم بعد نحو عامين إلى غزو العراق.

هنا تضاعفت الخسائر الأميركية، من استنزاف القوة العسكرية والخسائر البشرية إلى تراجع صورة الحلم الأميركي لدى كثيرين في العالم.

وتآكلت صورة الولايات المتحدة في الخارج، لا سيما في آسيا والشرق الأوسط وأفريقيا وأميركا الجنوبية. كذلك ارتفعت كلفة التشغيل العسكري إلى تريليونات الدولارات، مما أرهق الاقتصاد الأميركي على نحو لم تعرفه البلاد حتى في أزمة فيتنام.

ولم تعد الولايات المتحدة "المدينة فوق جبل" كما كانت تقدم نفسها، بل تابع العالم جمهورية تعتمد أدوات عسكرية وقوة خشنة. وتحدث المؤرخ بول كينيدي في كتابه "صعود وسقوط القوى العظمى" عن أكلاف "فرط الامتداد الإمبراطوري".

ولم ينته هذا العقد بهدوء. فقد واجهت أميركا متغيرات جديدة خصمت من نفوذها.

أزمات داخلية ومنافسة خارجية

اكتملت مسيرة الاستنزاف مع الأزمة المالية الكبرى التي ضربت البلاد عام 2008، أزمة البنوك أو التوريق، التي عرفت أيضاً بأزمة الرهونات العقارية. وكانت بمثابة جرس إنذار من مخاوف اقتصادية متصاعدة.

كشفت الأزمة عن اختلالات في بنية الاقتصاد الأميركي، ودفع ذلك مستثمرين حول العالم إلى التفكير في تنويع أسواقهم، تحوطاً من الاعتماد على سوق واحدة.

في الفترة بين 2008 و2020 يمكن رصد مسارين بارزين:

أولاً: صعود آسيوي متسارع.

ثانياً: انقسام في النسيج المجتمعي الأميركي.

في المسار الأول، تعثر توجه المحافظين الجدد المعروف باسم "القرن الأميركي". وحتى بعد تعديل المسار في عام 2011 عبر "استراتيجية الاستدارة نحو آسيا"، لم تتمكن واشنطن من وقف صعود روسيا عسكرياً مرة أخرى.

كذلك فشلت محاولات احتواء الصين، التي مضت في مسار توسع تقليدي: تعاظم الحضور الاقتصادي الداخلي، ثم امتداد عسكري لحماية المكتسبات.

أما في الداخل الأميركي، فتصاعدت التوترات العرقية واتسع التمايز الطبقي. وبرزت جماعات يمينية تدعو إلى مزيد من الفصل العنصري، بالتوازي مع مخاوف ديموغرافية مرتبطة بتغير تركيبة المجتمع.

وجاءت الانتخابات الرئاسية 2020 لتزيد من اهتزاز الثقة في المؤسسات السياسية والحزبية. ويمكن اعتبار السادس من يناير (كانون الثاني) 2021، يوم اقتحام الكونغرس، محطة خطرة في مسار الانقسام الداخلي وتراجع الثقة بالنخب.

لاحقاً، بدت واشنطن بعد أربعة أعوام من رئاسة جو بايدن على موعد مع مرحلة أكثر تعقيداً.

ضبابية ما بعد الهيمنة المنفردة

تبدو المرحلة الراهنة ضمن مسار نشوء وارتقاء الولايات المتحدة، مع مواجهة أسئلة حرجة، لا سيما في ظل رئاسة دونالد ترمب.

ويبرز سؤال رئيس: هل بدأ الحلفاء التاريخيون يفقدون الثقة في المصداقية الأميركية؟

يتجاوز هذا السؤال الشرق الأوسط إلى الضفة الأخرى من الأطلسي، حيث تتزايد مخاوف حلف شمال الأطلسي، وتتعاظم هواجس الأوروبيين. ويعد ذلك تحولاً كبيراً في ملامح "القرن الأميركي" كما عرف.

في الداخل، تبدو السياسات أبعد من تقاليد السوق الحرة. وتعكس تعريفات ترمب الجمركية وإجراءاته الحمائية اتجاهاً يقترب من كسر قواعد الاشتباك الرأسمالي.

وخارجياً، تثير النوايا الروسية قلقاً متصاعداً، لا سيما مع الحديث عن ترسانات جديدة، منها الصاروخ "الشيطان-2" أو "سارمات".

أما الصين، فتواصل تعزيز ترسانتها النووية وتطوير قدراتها التقليدية في منطقة الإندو-باسيفيك وبحر الصين الجنوبي. وتبقى جزيرة تايوان اختباراً قائماً.

تبدو أميركا اليوم في مرحلة انتقالية: من عالم ثنائي القطبية، ثم أحادي القطبية، إلى منافسة في عالم متعدد الأقطاب.

وفي الخلاصة يحاجج بعضهم بأن القرن الأميركي انتهى وأن زمن "الباكس أميركانا" ولى. ويرى آخرون أن هذا الاستنتاج متسرع. وقد يتطلب الأمر انتظار مسار رئاسة ترمب ومحاولة استقراء مستقبل الولايات المتحدة، مع الأخذ في الاعتبار أن قراءات شبنغلر وتنبؤات توينبي لا تقدم حكماً نهائياً.

المزيد من تحقيقات ومطولات