Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

أطباء عرب داخل إسرائيل... وظيفة تجرحها الهوية

تتجاوز نسبتهم 40% من العاملين في القطاع الصحي لكن القيود تحاصرهم بسبب أصولهم الفلسطينية

يضم جهاز الصحة الإسرائيلي نحو 200 ألف موظف (اندبندنت عربية)

ملخص

يواجه الأطباء الذين حصلوا على شهادات جامعية من جامعات عربية قيوداً في العمل وتولي الوظائف داخل إسرائيل، وصادقت الهيئة العامة للكنيست مطلع العام الحالي على قانون يمنع تشغيل أي شخص يحمل شهادة أكاديمية صادرة عن مؤسسة تعليم عالٍ فلسطينية، في جهاز التعليم الإسرائيلي.

بعد أربعة أعوام من الدراسة في تخصص التصوير الطبي في الجامعة العربية الأميركية شمال الضفة الغربية، وصلت عائلة حميد من مدينة الناصرة لفرحة التخرج، وأطلقت المفرقعات ووزعت الحلويات واستقبلت المهنئين بتخرج ولديها أيسر وأحمد (22 سنة) بتقدير امتياز، إلا أن فرحتها بهذا النجاح لم تدم طويلاً بسبب قانون التصوير الطبي الإسرائيلي الجديد.

ودخل القانون حيز التنفيذ العام الماضي، وأعاد رسم شروط مزاولة المهنة مغيراً واقع مئات العاملين فيها، ولا سيما خريجي المؤسسات التعليمية في مناطق السلطة الفلسطينية، ووضع شروطاً معقدة تعرقل قدرتهم على الاستمرار وفق المعايير الإسرائيلية المطلوبة.

ويشترط نظام الترخيص الحكومي ضمن القانون الجديد الحصول على شهادة أكاديمية معترف بها من قبل وزارة الصحة الإسرائيلية، واستكمال تدريب عملي واجتياز اختبارات مهنية. فالنص الجديد عدَّ العمل دون ترخيص مخالفة جنائية قد تترتب عليها عقوبات بحق المخالفين ومشغليهم، وهنا وجد الشابان اللذان بدآ دراستهما قبل صدور القانون، على أساس أنه مجال مفتوح ويشهد نمواً متسارعاً في الطلب على خدماته، نفسيهما بعد التخرج بلا فرصة عمل.

ويتوجه الشباب العرب الفلسطينيون داخل إسرائيل لدراسة المهن الطبية المساندة مثل التمريض والعلاج الطبيعي والصيدلة والتصوير الطبي، ليس فقط لما توفره هذه المهن من فرص عمل فورية ومطلوبة بشدة داخل المستشفيات وصناديق المرضى في إسرائيل (الكلاليت، والمكابي) فور التخرج، مع دخل ثابت ومستقر يضمن استقلالاً اقتصادياً، بل لأنها تحظى في المجتمع العربي بمكانة اجتماعية مرموقة، وتتيح لخريجيها تقديم خدمات إنسانية وصحية حيوية ومباشرة لأبناء مجتمعهم.

ويدرس آلاف الطلاب من عرب 48 في جامعات الضفة الغربية هرباً من شروط القبول "التعجيزية" في الجامعات الإسرائيلية، ولتخطي عقبة اختبار "البسيخومتري" (اختبار القبول والمقاييس الموحد للجامعات والمعاهد العليا في إسرائيل) وتحديد السن الدنيا للقبول، فضلاً عن الكلف المرتفعة للدراسة بالخارج والرغبة في دراسة التخصصات الطبية باللغة العربية.

وصادقت الهيئة العامة للكنيست مطلع العام الحالي على قانون يحظر تشغيل أي شخص يحمل شهادة أكاديمية صادرة عن مؤسسة تعليم عالٍ فلسطينية، في جهاز التعليم الإسرائيلي.

وفي محاولة مماثلة لتشريع إقصائي جديد يلاحق الطلبة العرب من فلسطينيي الداخل الذين تلقوا تعليمهم الجامعي في الضفة الغربية، قدم عضو الكنيست يتسحاق كرويزر، من كتلة "قوة يهودية" بزعامة إيتمار بن غفير، مشروع قانون يقضي بعدم الاعتراف بشهادات التخصصات الطبية الصادرة عن جامعات دول تعدها إسرائيل معادية، وأيضاً من جامعات تقع في مناطق السلطة الوطنية الفلسطينية.

 

 

وزعم الحاخام الإسرائيلي مئير شموئيلي في أواخر عام 2023، ضمن تصريحات تحريضية، أن الطواقم الطبية العربية في المستشفيات الإسرائيلية تتعمد قتل أو تشويه المرضى والجنود اليهود.

قيود إضافية

ولا تقتصر التغييرات في قانون التصوير الطبي على شروط الترخيص فحسب، إذ تفرض الأنظمة الجديدة قيوداً إضافية على مزاولة المهنة، فالخريجون الذين عملوا في مراكز أشعة محلية ممنوعون من العمل في أماكن كثيرة، ولا سيما المستشفيات التي تضم أقسام طوارئ، في حين أن الخريجين الذين عملوا أكثر من ثلاثة أعوام في أقسام الطوارئ يحصلون على ترخيص يتيح لهم العمل في جميع المؤسسات الصحية.

وتفرض تقييدات القانون على من يرغب في التسجيل ببرامج الاستكمال لرخصة مزاولة المهنة، ضمن المعايير الإسرائيلية، أن يكون قد درس داخل إسرائيل، وهو ما يعني عملياً إغلاق المجال بالكامل أمام خريجي الجامعات الفلسطينية. وحصرَ القانون كذلك عمل بعض الفنيين في نوع واحد من أجهزة التصوير.

وما أدى إلى تعميق أزمة نقص الأيدي العاملة في هذا القطاع أن خريجي جامعات الضفة يشكلون النسبة الأكبر من فنيي الأشعة العرب العاملين في إسرائيل، وأن وزارة الصحة الإسرائيلية فرضت مخالفات وعقوبات على أي جهة تشغل فني أشعة من دون الشروط المطلوبة.

حضور قوي

ووفقاً لمنظمة "أطباء لحقوق الإنسان " فإن عرب 48، الذين يشكلون 21 في المئة من إجمال سكان إسرائيل و16 في المئة من القوى العاملة فيها، يحتلون دوراً مهماً ومتزايداً خلال الآونة الأخيرة في تقديم خدمات الرعاية الصحية داخل إسرائيل، ويشكلون نسبة كبيرة تتجاوز 40 في المئة من مجمل العاملين في جهاز الصحة الإسرائيلي، الذي يضم نحو 200 ألف موظف. فالأطباء العرب يشكلون نحو 25 في المئة من الأطباء داخل إسرائيل، ونسبة مماثلة من الممرضين، بينما يشكل الصيادلة العرب قرابة نصف عدد الصيادلة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وعلى رغم هذا الحضور الواسع والمحوري، فإن نسبتهم في المناصب الإدارية ومواقع اتخاذ القرار لا تتجاوز اثنين أو ثلاثة في المئة فحسب.

وبحسب ما كشفته رئيسة المنظمة لينا حسان، فإن الأطباء والعاملين العرب في جهاز الصحة الإسرائيلي يواجهون تصعيداً خطراً في وتيرة الملاحقات والتضييقات إلى جانب إجراءات تأديبية واستدعاءات متكررة وتهديدات بالفصل من قبل إدارات المراكز الطبية الإسرائيلية، خصوصاً بعد أحداث السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، إذ تحولت الأجواء داخل المؤسسات الصحية، بحسب تعبيرها، إلى حال من المراقبة والترهيب، وأصبح العاملون الفلسطينيون في القطاع الصحي خاضعين للمتابعة بسبب كل كلمة أو منشور أو حتى إعجاب، بكل ما له علاقة بالحرب على لبنان أو غزة أو الهجوم على إيران.

وقد تعرض الطبيب أحمد محاجنة من مدينة أم الفحم للاستهداف والتحريض، عندما قدم قطعة حلوى لمصاب فلسطيني في مستشفى هداسا، مما أدى إلى تعليق عمله.

مخاوف كبيرة

وفي ظل تعرض العاملين في القطاع الصحي من العرب لمواقف عنصرية، وتقييد حرية التعبير خلال الحروب والأزمات المرتبطة بالقضية الفلسطينية، تشهد إسرائيل أزمة هجرة متصاعدة في صفوف الأطباء، إذ تسببت التوترات الأمنية والأوضاع الاقتصادية والخلافات السياسية في مغادرة مئات الكفاءات الطبية.

وتفاقمت هذه الظاهرة أخيراً، مما أثار مخاوف رسمية من انهيار محتمل لمنظومة الصحة العامة، وكشف بحث صادر عن جامعة تل أبيب واتحاد أطباء الصحة العامة، استناداً إلى بيانات مكتب الإحصاء المركزي، أن نحو 949 طبيباً إسرائيلياً غادروا إسرائيل خلال عامي 2023 و2024.

وتحذر الهيئات الطبية داخل إسرائيل من أن معظم المغادرين من المتخصصين ذوي المهارات العالية وأصحاب التخصصات النادرة، الذين يصعب تعويضهم محلياً، وقالت القائمة بأعمال رئيس لجنة الصحة وعضو الكنيست الإسرائيلي تاتيانا مازارسكي إن "القوى العاملة المتمرسة والخبراء في المهن الطبية يتركون أماكن العمل وينتقلون للعمل في الخارج، بينما يتعذر على المواطنين الإسرائيليين الذين تخرجوا في مؤسسات أكاديمية حول العالم الالتحاق بالعمل داخل إسرائيل".

 

 

في حين أكد رئيس اتحاد أطباء الصحة العامة في إسرائيل حجاي ليفين أن النقص في الوظائف والملاكات الطبية يؤدي إلى ضغط متزايد وتفاقم إضافي خلال أعوام الحرب، محذراً من انهيار وشيك لجهاز الصحة الإسرائيلي.

وأفادت إحصائية لاتحاد الطلاب الجامعيين في إسرائيل خلال جلسة للجنة الاقتصاد البرلمانية أن عدد الطلاب الذين يدرسون الطب في الجامعات الإسرائيلية لا يزال أقل بكثير من متوسط دول منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية (OECD)، وأن ثلث الطلاب يفكرون في الانتقال إلى الخارج بسبب غلاء المعيشة داخل إسرائيل، إذ يتقاضى الأطباء الحاليون في إسرائيل أجوراً تقل بكثير عن نظرائهم في دول مثل كندا والولايات المتحدة، ناهيك باقتراب نسبة كبيرة منهم من سن التقاعد، إذ يتجاوز 25 في المئة من الأطباء الحاليين سن 67 سنة.

واستجابة للنقص الحاد في الكوادر البشرية، لجأت السلطات الإسرائيلية إلى برامج دولية طارئة تهدف إلى استقطاب آلاف الأطباء من الخارج بحلول عام 2029، فضلاً عن تقديم حوافز مالية ومنح تتجاوز قيمتها مئات آلاف الشواكل للأطباء المؤهلين الذين يختارون الاستيطان للعمل في المناطق البعيدة، إذ يكون نقص الأطباء أكثر حدة.

في المقابل، أكد عضو الكنيست أحمد الطيبي أن آلاف الأطباء العرب الذين أنهوا فترة تدريبهم لم يُقبلوا للعمل في وظيفة معتمدة، أو أنهم يعملون في غير وظيفة معتمدة، أو أكملوا دراساتهم ولم يُقبلوا في برامج التدريب داخل إسرائيل.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير