Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

القوة الناعمة... هكذا تحولت أميركا إلى "الدولة البراند"

مؤسسات الترفيه والتكنولوجيا روجت للقيم الأميركية كأنها علامة تجارية ونجحت في تشكيل توجهات الجمهور بصورة غير مباشرة

تتصدّر الولايات المتحدة الأميركية المركز الأول في مؤشر القوة الناعمة عالمياً (رويترز)

ملخص

تبدو سمعة الولايات المتحدة الأميركية وكأنها صنيعة عناصر قوتها الناعمة، من ترفيه وتكنولوجيا ومؤسسات علمية وتعليمية، فقد شكلت روافد الثقافة الأميركية وحولتها إلى علامة شعبية عابرة للقارات، وامتلكت تأثيراً قوياً يعمل بصورة غير مباشرة

في منتصف أبريل (نيسان) الماضي كان الرئيس الأميركي دونالد ترمب كالعادة حديث السوشيال ميديا، لم يكن السبب تلك المرة تصريحاً سياسياً صارخاً، إنما لأنه استقبل عاملة توصيل البرغر على باب البيت الأبيض. انشغل الجمهور بالرمز الثقافي الأميركي الشهير، بألوانه الحمراء والصفراء، وتصدر مبلغ البقشيش الذي منحه ترمب للعاملة صدارة عناوين الأخبار، فقاعدة من يعرفون البرغر الأميركي ويتناولونه بطبيعة الحال تفوق بمراحل قاعدة من يهتمون بإزعاج السياسة.

بكل هذه البساطة استخدم دونالد ترمب واحداً من أشهر رموز القوة الناعمة الأميركية، إذ ذلك الساندويتش المكون من الخبز واللحم المتبل والخس والمخلل، طعام مفضل للموظف البسيط ولرئيس أكبر دولة في العالم، ويمكن لكليهما الحصول عليه نظراً إلى ثمنه المعقول.

هذا الانتشار الواسع لساندويتش بسيط المكونات، ساحر التأثير، يعرف ببساطة ما القوة الناعمة، المصطلح الذي صاغه المتخصص في مجال السياسة الأميركية جوزيف ناي، منذ نهاية ثمانينيات القرن الماضي، مشيراً إلى أنها مجموعة من الوسائل التي تمثل مكونات الثقافة والسياسة الخارجية، وتمتلك القدرة على التأثير والإقناع بطرق غير مباشرة وبصورة طوعية، بعكس القوة الصلبة المتمثلة في الإجبار والمباشرة، لافتاً إلى أن القوتين تكملان عمل بعضهما بعضاً، بل إن القوة الناعمة قد تمتلك مفعولاً أكبر، من خلال جعل الآخرين يتبنون قيم الدولة الساعية للتأثير، ويطمحون لأن يسيروا على خطاها بفعل سلسلة طويلة من عناصر الإقناع، بدلاً من سياسة التهديد والوعيد والمواجهة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

إذاً فما يفعله البرغر الأميركي قد يمهد الطريق لتدخلات أكثر خشونة على مستوى القرارات السياسية الكبيرة، فقد صنعت الولايات المتحدة قوتها الناعمة من مفردات ارتبطت بصورة جذرية بتفضيلات الجماهير في أنحاء العالم، مخاطبة لديهم حاسة التذوق، والمزاج الفني، والرغبة في التفوق، والحلم بالفرص الواسعة، وعشرات من التفاصيل التي تغلغلت في حيوات الناس من شرق الكرة الأرضية إلى غربها، وكأنه نوع من الدعاية السياسية التي تشبه غسل المخ شديد البطء.

الثقافة الأميركية تهيمن على العالم

تتصدر الولايات المتحدة الأميركية المركز الأول في مؤشر القوة الناعمة عالمياً، وفقاً لقائمة موقع Brand Finance المتخصص في تقييم العلامات التجارية، فهي من أوائل البلدان التي فطنت لفكرة "الدولة البراند" وعملت على آليات للترويج والدعاية لعناصر قوتها الناعمة وسمعتها، بحيث باتت وكأنها حقائق غير خاضعة للشك. فالقوة الناعمة الثقافية الأميركية ذات طبيعة مهيمنة، وتستمد قوتها وسيطرتها بطبيعة الحال من الوسائل العملاقة المتاحة لفرضها بصورة سلسة، وأيضاً من أميركا كقوة عظمى تحرك مفاصل العالم، ولهذا قد لا تكون عناصر تلك القوة هي الأفضل أو الأكثر ملاءمة، لكنها أصبحت ذائعة الصيت وعميقة التأثير.

على سبيل المثال يعد المطبخ الأميركي من أقل مطابخ العالم تنوعاً في العالم، وهو لا يمكن أن يضاهي مطابخ مهمة عريقة ولا لذيذة أو متنوعة مثل الإيطالية أو الفرنسية أو العربية، لكنه نجح في أن ينشر ثقافة الوجبات السريعة بأطباق محدودة للغاية مثل البرغر والدجاج المقلي، من خلال سلاسل الفروع العملاقة التي غزت العالم، وجعلت تلك الوجبات جزءاً أساساً من الغذاء اليومي لشعوب العالم.

اللافت أن البرغر نفسه ليس اختراعاً أميركياً، بل ألماني، إلا أنه أعيد ابتكاره في البلاد التي تأسست كدولة منذ قرنين ونصف القرن فحسب، وارتبط بثقافتها الغذائية المحدودة الخيارات، السريعة التحضير، الزهيدة الثمن، وسهلة التناول أيضاً في أي وقت وأي مكان، وأسهم في تشكيل الثقافة الغذائية في العالم من طريق طابور من الوسائل بينها السينما والإعلام.

 

وسائل الإعلام الأميركية الأكثر انتشاراً من خلال شبكات الصحف والقنوات التلفزيونية والإذاعات، ترسخت في الأذهان على أنها الأكثر حرية، وعلى رغم أن هذا التوصيف بات محل شكوك كثيرة وفقاً لأسباب معلنة، فإن هذا لن يغير من واقع الانتشار والتأثير العابر للقارات شيئاً، ولهذا فإن إحدى أهم طرق تثبيت المبادئ الأميركية، سواء كانت سياسية أو ثقافية هي تلك الوسائل، التي يعمل بعضها ظاهرياً وكأنه محايد تماماً، لكن النتيجة المؤكدة أن تلك الآلة الإعلامية تحقق الهدف، وهو رسم الصورة الذهنية المطلوبة للولايات المتحدة وإيصالها للمليارات من البشر. وعلى رغم أن دور وسائل الإعلام التقليدية تراجع، فإنه حقق الغرض المنوط به على مدار عقود طويلة، ليستمر التأثير من طريق موجهات أميركية الصنع أيضاً هي وسائل التواصل الاجتماعي وأبرزها "ميتا" التي تمتلك "فيسبوك" و"إنستغرام" و"ثريدز".

في دراسة معنونة بـ"القوة الناعمة في الإعلام الأميركي"، للباحثين سلام خطاب أسعد وآيات أكرم شهاب، خلصت النتائج إلى أن الولايات المتحدة الأميركية اهتمت بالشأن السياسي كقوة ناعمة عبر طرق "دبلوماسية" لإقناع العالم بأن سياستها تصنع السلام للعالم، وكانت وسائل الإعلام الأميركية إحدى أكثر طرق الإقناع الجذابة وغير المباشرة هنا. واعتبرت الدراسة المنشورة عام 2023 أنه بناءً على المعطيات في الحالة الأميركية، فإن الإعلام هنا جزء لا يتجزأ من مهام الحكومات التي تسعى إلى تصدير ثقافتها إلى الخارج.

الأميركيون يبيعون الأحلام

من أبرز المعاني التي تتبادر للذهن فور الحديث عن الولايات المتحدة الأميركية بخلاف الجوانب السياسية: الحلم الأميركي، والديمقراطية الأميركية، والمساواة، والفرص المفتوحة، واستقبال المهاجرين، هذه القيم أيضاً صدرتها الفنون الأميركية والإعلام، فعملية الاقتراع خلال انتخابات الرئاسة الأميركية كل أربع سنوات باتت محفوظة عن ظهر قلب للجماهير العريضة بفضل تلك السبل، كعلامة على الديمقراطية النزيهة التي تأتي بإدارة جديدة كل أربع سنوات يحاول أعضاؤها إرضاء الناخب واستقطابه بكل الطرق.

كل تلك الأمور جعلت السفر إلى أرض الأحلام لتنعم بالفرص والحريات وبالمساواة حلماً يبذل في سبيله الغالي والنفيس، وبات تمثال الحرية رمزاً لكل تلك الأفكار التي يطمح قاصدو هذه الدولة بالعيش فيها كواقع. وقد كان المؤرخ الأميركي جيمس تراسلو آدامز هو أول من صاغ مصطلح "الحلم الأميركي" في مطلع ثلاثينيات القرن الماضي، معتبراً بلاده مصدر الحالمين بالسعادة والاستقلال والثراء. تلك الدولة التي بنيت بسواعد المهاجرين، نجح المبدعون الذين يحملون جنسيتها في صنع أسطورتها أيضاً، فغالبية من ينظرون إلى الثقافة الأميركية وصنعوا مصطلحاتها التي أصبحت حقائق تقام التشكيك لوقت طويل من الزمان هم أميركيون من المنظومة نفسها التي كانت تسعى إلى بناء سمعة وشخصية اعتبارية مهيبة.

 

بدءاً من النصف الثاني من الأربعينيات، وبعد الدور الذي أدته الولايات المتحدة في إنهاء الحرب العالمية الثانية بقيادة محور الحلفاء، اتخذت القوة السياسية والعسكرية الأميركية شكلاً لا يمكن مضاهاته، وجرى تعزيز الوجود على الساحة الدولية بخلاف المحادثات المباشرة في الإطار السياسي، من طريق منظمات ذات طابع تعليمي أو اجتماعي مختلط بالسياسة غير المباشرة تعمل على الأرض لتعزيز ما يسمونه القيم الأميركية، إذ تنشط تلك المنظمات حتى اليوم، وتتلقى دعماً حكومياً مباشراً أو غير مباشر مروجة لنفسها أنها تعمل بصورة مستقلة، ولا تتبنى الخطاب الرسمي للدولة، على رغم أن أهدافها تصب مباشرة في مؤازرة ودعم وجهة النظر الرسمية والترويج لمبادئ كل إدارة.

هوليوود... صناعة الأسطورة

لكن قبلها كان يجري العمل بقوة على عناصر القوة الناعمة لديها، وأبرزها هوليوود بطبيعة الحال، فإذا كانت السينما اختراعاً فرنسياً حصل الأخوان لويس وأوغست لوميير على براءته عام 1895، فإنها باتت ذات هوية أميركية بصورة أساسية، فقد تأسست مدينة السينما الأكبر في العالم بمدينة لوس أنجليس عام 1911، ومن هنا انطلقت صناعة شكلت الذراع الأطول والأكثر جاذبية في بنود القوة الناعمة في الولايات المتحدة الأميركية.

بعيداً من خطاب وسائل الإعلام المباشر، وجدت أميركا مبتغاها في هذا الابتكار الساحر الذي رسم صورة مثالية وساحرة للدولة أسهم فيها الإنتاج الرفيع والمواهب الفذة والنجوم المحبوبون، ولعل أبرزهم نجمة الخمسينيات والستينيات مارلين مونرو التي لا تزال إلى اليوم أيقونة سينمائية يعرفها القاصي والداني.

وبخلاف أنها صناعة هائلة توفر نحو مليوني ونصف مليون فرصة عمل، وفقاً لأرقام رسمية خرجت من نقابة ممثلي الشاشة والاتحاد الأميركي لفناني التلفزيون والراديو عام 2021، وتقدر مبيعاتها سنوياً أيضاً بما يقارب 300 مليار دولار، فإن المحتوى الذي تنتجه يعرف طريقه ويجد جمهوره الشاسع، حيث يقترب إنتاج هوليوود من ألف فيلم سنوياً.

صناعة الترفيه في حد ذاتها تبقى على رأس القوة الناعمة الأميركية، وبسببها تعرف الجمهور على عادات المجتمع الأميركي من قرب وباتت مألوفة له، ومن بينها طقوس عيد الشكر في نوفمبر (تشرين الثاني)، ويوم الاستقلال في الرابع من يوليو (تموز)، وتماهى مع عادات المواطن الذي يستيقظ صباحاً ويتناول قهوته الأميركية، إن لم يكن في المنزل فمن سلاسل المقاهي الشهيرة التي روجت لها الأفلام بقوة، وروجت أيضاً للعلامات التجارية الخاصة بالوجبات التي لم تعد محلية فقط أبداً.

وارتبطت الجماهير بصورة البطل الأميركي ذي السمات المحددة، بدءاً من أفلام الكاوبوي ووصولاً إلى المواطن المعاصر الداعم للحقوق المدنية، والبطل القومي الذي يؤدي الخدمة العسكرية طوعاً في دول لم يسمع عنها يوماً لمجرد أن بلاده تروج لسردية أنها من طريق القوة العسكرية يمكنها أن تجلب الرخاء لتلك الشعوب، وهذا النمط ينتشر بشدة في توجهات الخطاب السينمائي الأميركي، إن جاز التعبير، على رغم أنه يغلف بقصة إنسانية مؤثرة، بل وفي بعض الأحيان يغلف بمعارضة خافتة للإدارة الحاكمة.

 

السينما أيضاً رسخت صورة البطل الخارق أميركي الصنع مثل كابتن أميركا وسوبرمان، وتلك العوالم التي تتحول ملابسها وأكسسواراتها إلى أيقونة لا تخطئها العين، وشكلت هوساً لدى جمهور عريض، حيث أسهم النجوم المحبوبون في الدعاية للولايات المتحدة الأميركية بصورة عامة، فهم نموذج مثالي للقوة الناعمة.

اللافت أن سينما بوليوود في الهند هي الأكثر غزارة في الإنتاج بنحو 2000 فيلم سنوياً، وتتمتع بجماهيرية غير محدودة، لكن فيما يتعلق بالصورة السائدة تبقى هوليوود في المقدمة، وتخرج من جميع المقارنات فائزة فيما يتعلق بعمق التأثير وكونها تمتلك مئات الأفلام المهمة التي تعد علامات في تلك الصناعة عالمياً، ولهذا ينظر إليها على أنها نموذج كثيرون يطمحون للتقرب منه.

ومن الطبيعي هنا أن يصبح حفل الأوسكار السنوي الذي يوزع جوائز الأفلام هو الأهم على الإطلاق في المجال السينمائي، إضافة إلى كونه حدثاً يحظى بمشاهدة عشرات الملايين في البث الحي فحسب، وذلك على رغم أن الجائزة تقتصر على التمثال دون أي قيمة مالية، والأمر ذاته بالنسبة إلى جوائز الموسيقى غرامي، فالأغنية الأميركية أيضاً رافد مهم من روافد القوة الناعمة بإنتاجات هائلة سنوياً وإبداعات على مر الأجيال، فأسماء مثل مايكل جاكسون ومادونا وتايلور سويفت تتفوق في قوتها وشعبيتها على السياسيين بمراحل.

ومثلهما أيضاً تأتي الدراما التلفزيونية التي تصدر عبر الشاشات والمنصات بأعمال محبوبة، فحتى الآن على سبيل المثال لا يوجد مسلسل عابر للقارات يوازي في شهرته مسلسل "فريندز" - "الأصدقاء" الذي قدم على مدى 10 مواسم بدءاً من منتصف تسعينيات القرن الماضي، وشكل أبطاله رمزاً للمجتمع الأميركي بأطيافه، فقوة شركات الإنتاج الأميركية تجعلها تجذب أفضل المواهب، إضافة بطبيعة الحال إلى سقف الحريات الذي ينعكس على طريقة التناول، كل هذا تساعده اللغة المنطوقة، فالإنجليزية هي اللغة الأكثر تحدثاً، وقد أسهمت تلك الأعمال الفنية في انتشارها بلكنتها الأميركية مقارنة بباقي اللكنات.

الفضاء والتكنولوجيا

القصص الدرامية أيضاً كانت الوسيلة الأولى للترويج لصعود الأميركيين للفضاء من طريق عشرات الأعمال التي مجدت هذا الإنجاز، فعلى رغم أن المنافس الروسي اللدود المتمثل في الاتحاد السوفياتي آنذاك كان سبق الولايات المتحدة منذ عام 1957 بخطوات تاريخية نحو الفضاء، فإن رواده كانوا يدورون حول الأرض، بينما حمل عام 1969 نبأ هبوط أول إنسان على سطح القمر من رحلة المركبة الفضائية أبولو، وهو نيل أرمسترونغ، بينما تشكل الإدارة الوطنية للملاحة الجوية والفضاء "ناسا" كبرى الوكالات المهتمة بالسيطرة على علوم الفضاء، وأصبحت المصدر الأول لجديد وغرائب وعجائب هذا المجال بالنسبة إلى العالم أجمع.

تنجح الولايات المتحدة دوماً في جعل المؤسسات التي تبدو غير جذابة وذات اهتمامات بعيدة من اهتمامات مواطن الشارع، وكأنها علامة تجارية خاطفة، فالتأثير القوي في حاجة إلى سمعة جيدة أيضاً تصل لكل الطبقات، ولهذا تجد كلمة "ناسا" على سبيل المثال تتردد على الألسنة بصورة اعتيادية على رغم تعقيدات عملها وعدم ارتباطها بصورة مباشرة بما يهم عموم الأفراد. الحقيقة أن "ناسا" أنشأت أصلاً رغبة في السيطرة على الفضاء، وكي لا يترك الأميركيون الساحة للروس وحدهم باعتبارهم السباقين، وهكذا تسير غالبية قصص القوة الناعمة الأميركية.

حتى مجال مثل صناعة الموضة يستمد شهرته من دور أزياء شديدة العراقة وغالبيتها بين إيطاليا وفرنسا، إلا أن أكبر حدث عالمي للموضة يقام سنوياً في الولايات المتحدة، وهو ميت غالا، فكل شيء هناك يمكن تحويله إلى احتفالية ترفيهية، بالتالي يرتبط سيكولوجياً وشعبياً باسم الولايات المتحدة، وهو ما يحدث أيضاً في عالم الرياضة، فالولايات المتحدة لا تملك في سجلها بطولات فارقة في مجال كرة القدم، بينما تفضل جماهيرها متابعة كرة القدم الأميركية، ولهذا تحول نهائي ذلك الدوري المسمى السوبر بول لحدث ترفيهي ضخم تنتظره الجماهير حتى إذا لم تكن تعنيهم اللعبة من الأساس، لكن وجود أسماء كبار النجوم في قائمة من يحيون الحفل بين الشوطين تجعل الحدث يصب في التسويق للولايات المتحدة بصورة عامة.

 

من ضمن السباقات التي تتقدمها الولايات المتحدة أيضاً، وتعد في صميم القوة الناعمة، العلوم، حيث تنفق على البحث العلمي بسخاء، مما أهلها لتكون الدولة التي تمتلك العدد الأكبر من الفائزين بجائزة نوبل نحو 420 فائزاً، كذلك كونها تمتلك عاصمة التكنولوجيا في العالم، ما يسمى وادي السيليكون، حيث بدأ استخدام هذا المصطلح منذ أوائل سبعينيات القرن الماضي، بينما بدأت إرهاصات تلك المنطقة منذ الثلاثينيات، ويقصد به المنطقة التكنولوجية الاستثمارية التي تضم آلاف الشركات التقنية العملاقة والأكثر تقدماً، وهو يقع في ولاية كاليفورنيا، ويرمز اسمه للرقائق الإلكترونية التي تدخل في مختلف صناعات هذا القطاع، وهي مصنوعة من مادة السيليكون، ويشكل الوادي قوة اقتصادية عملاقة، فيكفي أن القيمة السوقية لشركة "أبل" الأميركية العملاقة تجاوزت سوق أسهم دولة مثل ألمانيا بأكملها، وذلك وفق تقرير نشر في "وول ستريت جورنال".

ومع تنامي الذكاء الاصطناعي أصبح لأميركا اليد الطولى في هذا المجال، وذلك على رغم المنافسة الحثيثة للصين، التي تحاول ملاحقة السوق الأميركية التي تتجاوز استثماراتها السنوية الـ100 مليار دولار وفقاً لتقرير أصدرته جامعة ستانفورد قبل نحو عامين، ففي حين أن البشر على الكرة الأرضية يومياً يستعملون منتجات مصنوعة في الصين، ويصبح وجودها في حياتهم معتاداً، إلا أن المنتجات التكنولوجية والترفيهية الأميركية هي الأكثر تداولاً بين أيادي المستخدمين، إنها هيمنة استراتيجية يمكنها أن تتحول إلى وسيلة للمراقبة والترصد والتحكم في أي وقت، فضلاً عن تشكيل التوجهات والذوق والنمط السلوكي.

بالطبع القوة الناعمة لا تعمل بمفردها، فهي في حاجة إلى موارد ودعم رسمي، لكن يجري التعويل عليها لأن المردود يستحق، فكونها تستغرق وقتاً طويلاً للوصول إلى مبتغاها، يكون من الصعب تغيير الدفة بصورة مفاجئة، ولهذا أصبحت هناك تساؤلات تطرح بقوة في الأوساط السياسية والثقافية، مفادها هل باتت القوة الناعمة الأميركية تعمل ضد أميركا؟ بسبب ما يمكن وصفه بالتنافر بين ما تدعو إليه قيم تلك المنظومة مع الخطاب السياسي أخيراً؟ فطبيعتها أنها قوة غير مباشرة، وأنها في جانب منها تعتمد على التأثير في الوجدان وقد تشكل بالفعل القناعات التي تتحول إلى معتقدات راسخة، ولهذا حينما يحدث تناقض ما، بخاصة في ظل هذا الوعي النقدي المتنامي في العالم الرقمي، قد يبدو الأمر من الصعب التحكم فيه بدقة، أو توجيهه بصورة حرفية أو الوقوف أمامه.

اقرأ المزيد

المزيد من تحقيقات ومطولات