ملخص
تهدف قرارات الحكومة إلى توجيه كل الراغبين في العمل السياسي الإسلامي نحو "حزب الأمة" (الذراع المرخصة والمعترف بها)، تحت سقف قانون الأحزاب الجديد، وإلغاء أي امتدادات تنظيمية أو دعوية خارج رقابتها، لسهولة ضبط المشهد ومخرجاته.
تشهد الساحة الأردنية الداخلية جولة مواجهة صامتة وحاسمة بين السلطات الرسمية والتيار الإسلامي المعارض، لكن ميدانها هذه المرة داخل قاعات المحاكم وخلف نصوص المواد القانونية.
وشددت السلطات في الأشهر الأخيرة قبضتها على الفعاليات التنظيمية غير المرخصة ومنعت كثيراً منها، بموازاة تحريك ملفات قضائية ثقيلة بحق ثلاثة نواب بارزين من حزب الأمة الإسلامي الذراع السياسية لجماعة "الإخوان المسلمين"، إحداها تتعلق بتهمة غسيل الأموال، وهم وسام الربيحات وحسن الرياطي وإبراهيم الحميدي، فيما لا يزال وضع النائب نيال الفريحات قيد التحقيق والمحاكمة.
وفي أبريل (نيسان) 2025 أعلن وزير الداخلية الأردني رسمياً الحظر الشامل والكامل لـ"الإخوان المسلمين" في الأردن ومنع كل أنشطتها ومقارها.
وجاء القرار بعد أسبوع واحد من إعلان الأجهزة الأمنية إحباط مخطط لخلية مسلحة وصفتها السلطات بأنها "مرتبطة تنظيمياً وفكرياً" بالجماعة، وعلى رغم محاولات الذراع السياسية (حزب الأمة) التنصل، فإن الدولة فعلت قرار محكمة التمييز لعام 2020 سياسياً وأمنياً على الأرض، منهية 80 عاماً من العمل العلني للجماعة الأم.
منع فعاليات غير مرخصة
وفق معطيات متقاطعة من أوساط سياسية وإسلامية، تلقى عدد من النشطاء المحسوبين على الجماعة تحذيرات مباشرة من مغبة تنظيم أو حضور اجتماعات ذات طابع تنظيمي مرتبط بالجماعة المحظورة، وتؤكد هذه الرسائل أن أي نشاط يجري خارج الأطر القانونية المعترف بها قد يعرّض المشاركين للمساءلة القضائية.
هذه التطورات تعكس انتقال الدولة من مرحلة معالجة الوجود غير القانوني للجماعة إلى مرحلة مراقبة أي محاولة لإعادة إنتاج بنيتها التنظيمية أو المحافظة على شبكاتها التقليدية.
وأبلغت السلطات عدداً من النشطاء الإسلاميين بمنع أي اجتماعات يشتبه في أنها تنظيمية لجماعة "الإخوان المسلمين" (المحظورة قانوناً)، وفي محاولة منها لإنهاء مرحلة "المناطق الرمادية" التي تعتمدها الجماعة، منعت السلطات عدة فعاليات شعبية لما يسمى "الملتقى الوطني لدعم المقاومة وحماية الوطن" وهي لافتة تحاول الجماعة تنظيم حراكها باسمها منعاً لاستهدافها بصورة مباشرة.
وتستند السلطات إلى عدم امتلاك "الجماعة" المحظورة غطاء قانونياً يتيح لها العمل بصفتها التاريخية، وبالتالي فإن أي اجتماع يُصنف كـ"نشاط لجمعية غير مرخصة" تترتب عليه عقوبات التوقيف والمحاكمة.
وتهدف الحكومة بقراراتها هذه إلى توجيه كافة الراغبين في العمل السياسي الإسلامي نحو "حزب الأمة" (الذراع المرخصة والمعترف بها)، تحت سقف قانون الأحزاب الجديد، وإلغاء أي امتدادات تنظيمية أو دعوية خارج رقابتها، لسهولة ضبط المشهد ومخرجاته.
كما أنها تسعى إلى التعامل مع أحزاب برامجية مسجلة لدى الهيئة المستقلة للانتخاب بدلاً من جماعات دعوية عابرة للحدود في محاولة لـ"أردنة" الحركة الإسلامية بالكامل.
توقيت مدروس
وجاء تحريك الملفات القضائية بحق ثلاثة نواب من كتلة "حزب الأمة" فور انتهاء الدورة العادية للبرلمان، كتوقيت مدروس سياسياً وقانونياً حيث تسقط الحصانة الإجرائية للنواب موقتاً بين الدورات، مما يسهل ملاحقتهم من دون الحاجة لتصويت المجلس.
ووفق تفكيك للمسارين القانوني والسياسي لهذه الملفات يتضح أن ثمة اتهامات منظورة أمام النيابة للنائب الإسلامي وسام الربيحات بمخالفة قانون غسل الأموال وجمع تبرعات غير قانونية، وهي تهم يقول حزب الأمة إنها مقصودة، بينما تقول الحكومة إنها تهدف إلى ضبط التدفقات المالية غير المشروعة.
أما النائب الآخر فهو حسن الرياطي أحد أبرز نواب حزب الأمة "الذراع السياسية لجماعة الإخوان المسلمين" وقد وجهت إليه اتهامات بالاعتداء البدني والدخول في مشاجرة برلمانية سابقة مع زميل له تحت قبة البرلمان، وصدر بحقه حكم أولي بالسجن عامين والقضية قيد الاستئناف، في حين يواجه النائب الثالث إبراهيم الحميدي دعوى ذم وقدح وتشهير من أحد المسؤولين الحكوميين.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ومنذ حسم الجدل القانوني حول جماعة الإخوان المسلمين، بدا واضحاً أن الدولة الأردنية تسعى إلى تثبيت معادلة جديدة عنوانها أن العمل السياسي يجب أن يمر حصراً عبر الأطر القانونية المرخصة والمعترف بها رسمياً.
وفي مايو (أيار) الماضي ألقت الأجهزة المختصة القبض على ستة أشخاص في مدينة العقبة، كانوا يشاركون في نشاط تنظيمي بتكليف من قيادات سابقة في الجماعة المحظورة.
وأعلنت وزارة الداخلية الأردنية في حينه توقيف عدد من المشاركين في نشاط وصفته بأنه "تنظيمي غير قانوني" في مدينة العقبة، وقالت إنه جرى من "تنظيم الإخوان المحظور".
معركة ذكية وروايتان
ووفق مراقبين هناك دور واعي للمطبخ الرسمي في إدارة هذا الملف من قبل الدولة بطبيعة الدعاوى المرفوعة، فثمة فصل قانوني يحرم الحركة الإسلامية من ورقة سياسية رابحة، أو ادعاء المظلومية وتسييس الملاحقة لأفرادها ونوابها مما يجبر الحزب على التعامل مع الملفات كـ"قضايا جنائية وحقوقية فردية" وليس كمعركة سياسية.
فهي من ناحية تطبق نصوص قوانين الأحزاب ومكافحة غسيل الأموال والعقوبات بصرامة لإثبات أن "لا أحد فوق القانون" حتى لو كان نائباً.
ومن ناحية أخرى توجه رسالة حاسمة للإسلاميين بأن المكاسب التي حققوها في الانتخابات الأخيرة لا تمنحهم "حصانة مطلقة" لتجاوز خطوط الدولة الحمراء، وأن اللعب خارج المربع المرخص (حزب الأمة) سيواجه بالبطاقة الحمراء فوراً.
الرواية الرسمية تؤكد أن الدولة لا تستهدف تياراً سياسياً بعينه، وأن جميع القضايا المطروحة منظورة أمام القضاء المختص، وأن معظمها قائم على دعاوى شخصية رفعها مواطنون أو جهات متضررة، وليس على قرارات سياسية.
وتشدد هذه الرواية على أن دولة القانون تقتضي إخضاع الجميع للمساءلة، بغض النظر عن انتماءاتهم السياسية أو مواقعهم النيابية.
أما الرواية المقابلة داخل الأوساط الإسلامية، فترى أن تراكم الضغوط القانونية والقضائية في مرحلة ما بعد الحظر لا يمكن فصله عن السياق السياسي العام، وأن تزامن هذه الملفات يبعث برسائل تتجاوز حدود القضايا الفردية.
سيناريوهات قانونية
وعلى رغم التوقعات بأن يخوض حزب الأمة الإسلامي المعركة بأدوات قانونية بحتة مع تجنب التصعيد السياسي المباشر في الشارع، تفادياً لخسارة شرعيتهم الحزبية.
يوضح مرجع قانوني أن ثمة سيناريوهات قانونية مهمة، فالمادة (86) من الدستور الأردني تمنح النائب حصانة إجرائية تمنع توقيفه أو محاكمته أثناء دورة انعقاد المجلس إلا في حالة التلبس.
لكن تحريك القضايا فور انتهاء الدورة العادية يعني أن السلطات انتظرت قانونياً "اللحظة الصفر" التي يعود فيها النائب إلى صفة "المواطن العادي" أمام القضاء، مما يسهل جلبهم للمثول أمام المحاكم من دون الحاجة لطلب إذن رفع الحصانة من مجلس النواب، وهو إجراء سياسي معقد كان سيتسبب في ضجة تحت القبة.
كما أن الحكم الصادر بحق النائب حسين الرياطي بالسجن (عامين) لا يعد مجرد عقوبة تقييد حرية، إذ إن القانون والدستور الأردني ينصان على أن النائب يفقد عضويته في البرلمان إذا حُكم عليه بحكم قطعي بالسجن لمدة تزيد على سنة في جرم غير سياسي.
وهذا يعني أن معركة الاستئناف الحالية بالنسبة للرياطي هي معركة "حياة أو موت سياسي"، وسقوط الحكم ضرورة للحفاظ على مقعد الحزب في البرلمان.
في حين أن تهمة النائب ربيحات تبدو أكثر صعوبة من حيث التعامل القانوني، فقضايا غسيل الأموال المرتبطة بجمع التبرعات غير المرخصة لا تمر عبر المحاكم النظامية، بل تُحال إلى محكمة الجنايات الكبرى أو محكمة أمن الدولة في بعض سياقاتها.
ويعتقد مراقبون أن الأردن يقف اليوم أمام لحظة مفصلية في إدارة واحد من أكثر الملفات السياسية حساسية في تاريخه الحديث.
فما بين دولة تسعى إلى تكريس سيادة القانون وإعادة تنظيم المجال السياسي، وتيار إسلامي يشعر بأن مساحة حركته التاريخية تتقلص بصورة غير مسبوقة، تتشكل ملامح مرحلة جديدة قد تحدد شكل العلاقة بين الطرفين لأعوام طويلة مقبلة.