ملخص
ما يميز "الاستثنائية الأميركية" أنها أثرت فعلياً في السياسات الخارجية، وازدهرت سرديتها في دوائر صنع القرار مستندةً إلى افتراض بأن العالم يحتاج إلى القيادة الأميركية ليس لقوتها العسكرية والاقتصادية، بل لأن الولايات المتحدة استثنائية، ويجب أن تؤدي دوراً قيادياً في المؤسسات الدولية التي أنشأتها في أربعينيات القرن الـ20.
بينما تحتفل الولايات المتحدة بذكرى تأسيسها، تستعيد البلاد إرث قرنين ونصف القرن من "الاستثنائية الأميركية" التي طبعت رؤيتها لنفسها على أساس امتلاكها نموذجاً سياسياً وأخلاقياً يتسم بالتفوق والقابلية للتصدير، لكن هذه الرؤية تشهد على نحو متزايد تغيرات بارزة بفعل عاملين رئيسين، الأول هو الاستقطاب السياسي الداخلي الذي أثار أسئلة حول الهوية الأميركية في ضوء التعددية الثقافية والدينية والإثنية وتصاعد الخطاب المضاد للهجرة، أما العامل الثاني فهو التفاعل المستمر مع الآخر كقوة صاعدة، ثم كقوة عظمى مهيمنة، وأخيراً كقوة عظمى ذات هيمنة مهددة بفعل الصعود الصيني والجرأة المتزايدة للقوى المتوسطة على تحدي النظام الدولي الذي أرسته الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية.
كيف رأت أميركا نفسها؟
الإجابة تبدأ من أسطورة أخلاقية تحولت إلى سمة تميز تصور أميركا لنفسها، والتي لخصها في القرن الـ17 البيوريتاني الإنجليزي جون وينثروب بعبارة "مدينة فوق التل"، أثناء هجرته من إنجلترا إلى أميركا. على متن سفينة أربيلا، ألقى وينثروب، الذي أصبح أول حاكم لمستعمرة "ماساتشوستس"، خطبة إلى جماعته الصغيرة لتهيئتهم على الحياة في العالم الجديد، فقال إن نجحتم في العيش كجسد واحد متراحم ومتواضع، فستصبحون مثالاً، وإن فشلتم فسيكون فشلكم مشهوداً من الجميع، لأن أرضكم الجديدة ستكون "مدينة فوق التل" تتسلط نحوها أنظار العالم.
كانت خطبة وينثروب المعنونة "نموذج للمحبة المسيحية" تعبيراً عن جماعة دينية وجدت في فساد بلادها الديني والسياسي دافعاً نحو بناء مجتمع يصبح نموذجا أخلاقيا لغيره، وظلت مضامين الخطبة مغمورة سياسياً وثقافياً حتى أعيد إحياؤها في القرن الـ20 على يد مؤرخين قدموها كوثيقة تأسيسية لفكرة أميركا العالمية. ومن رحم عبارة "مدينة فوق التل" وُلدت "الاستثنائية الأميركية" كسردية كبرى توحد الأقطاب السياسية المختلفة، ويستعين بها الرؤساء من الحزبين الجمهوري والديمقراطي منذ 1945 لدعم حججهم لمصلحة القيادة الأميركية للعالم.
وما يميز "الاستثنائية الأميركية" أنها لم ترد في خطاب الرؤساء كشعارات جوفاء، بل أثرت فعلياً في سياساتهم الخارجية، وعلى رغم الخلافات العميقة حول بعض السياسات، ومنها حرب فيتنام، فإن تلك السردية ازدهرت في دوائر صنع القرار مستندةً إلى افتراض بأن العالم يحتاج إلى القيادة الأميركية ليس لقوتها العسكرية والاقتصادية، بل لأن الولايات المتحدة استثنائية، ويجب أن تؤدي دوراً قيادياً في المؤسسات الدولية التي أنشأتها في أربعينيات القرن الـ20.
الاختلاف مع الخطاب السياسي
حضرت موعظة وينثروب في الخطاب السياسي بأشكال متعددة، ففي 1961 أشار الرئيس المنتخب جون أف. كينيدي إلى أن عيون العالم ستكون شاخصة عليهم، قائلاً: لقد اهتديت بالمعيار الذي وضعه جون وينثروب أمام رفاقه على السفينة الرائدة أربيلا قبل 331 عاماً، حين واجهوا مهمة بناء حكومة جديدة على تخوم محفوفة بالأخطار"، وبالمثل وصف رونالد ريغان في خطابه الوداعي عام 1989 أميركا بأنها "مدينة مشرقة فوق التل" ومقصد لباحثي الحرية.
وشهدت الحرب الباردة أكبر تجلٍّ للاستثنائية الأميركية على وقع المقارنة بين النموذجين الأميركي الرأسمالي والسوفياتي الشيوعي، إذ لم يخلُ الخطابان الشعبي والرسمي في الولايات المتحدة من إشارات التفوق الأخلاقي، بل أصبحت أساساً لمواجهة دبلوماسية وعسكرية طويلة وغير مباشرة لخصها الساسة الأميركيون بثنائية الخير مقابل الشر، ومست آثارها العالم أجمع بسبب طابعها الأيديولوجي والوجودي، وعادت تلك الإشارات أخيراً في الصراع الجديد مع الصين.
وفي أوقات تراجعت السردية الأخلاقية تكتيكياً لإعطاء الأولوية للحسابات القائمة على المصالح، والمثال الأبرز هو مسعى هنري كيسنجر إلى خفض حدة الخطاب الإيديولوجي، لإعلاء منطق توازن القوى من خلال سياستي "الانفراج" و "الدبلوماسية الثلاثية"، للحيلولة دون تحول الحرب الباردة إلى مواجهة عسكرية مباشرة، وموازنة الصين كقوة شيوعية مضادة للاتحاد السوفياتي. ومع ذلك، ظلت الاستثنائية الأميركية السردية الجامعة التي تذكّر الأمة الأميركية بتفوقها الأخلاقي والحضاري، وتبرر التدخلات الخارجية.
لكن بين موعظة وينثروب والاستثنائية الأميركية اختلاف في الغاية والنطاق والجمهور المستهدف، فخطاب "مدينة فوق التل" كان محصوراً في نطاق الجماعة المهاجرة ولغايات دينية وتنظيمية تخص المجتمع الناشئ، بينما حولت الاستخدامات اللاحقة عبارة وينثروب من تحذير أخلاقي يحث على الرقابة الذاتية والإصلاح الداخلي إلى عبارة قابلة للتوظيف السياسي، استخدمت من الجمهوريين والديمقراطيين لمخاطبة الجمهورين المحلي والأجنبي لأغراض مختلفة منها تبرير السياسات الخارجية، خصوصاً الممارسات التدخلية لنشر الديمقراطيات أو فرض الأجندة.
وأشار المؤرخ دان تي رودجرز إلى هذا الاختلاف الجوهري في كتابه "مدينة فوق التل، قصة أشهر موعظة أميركية"، لتصحيح الأسطورة المتداولة عن جماعة وينثروب البوريتانية، فقال إنه لم يكن لديهم إحساس عظيم بالمصير ولم يسموا موطنهم الجديد أرض الميعاد التي تفيض لبناً وعسلاً، بل أرادوا مكاناً يستطيعون فيه الوفاء بعهدهم مع الله، بعيداً من التدخل الذي واجهوه في إنجلترا.
أركان الاستثنائية الأميركية
يقول ريتشارد هوفستادتر إن "الولايات المتحدة لا تملك أيديولوجيا، بل هي ذاتها أيديولوجيا"، وهي عبارة تستعيرها أستاذة العلاقات الدولية هيلد إيلياسين ريستيد للدلالة على أن الاستثنائية الأميركية لا يمكن التعبير عنها بوقائع قابلة للملاحظة، فهي عبارة عن كتلة من الأفكار التي تؤسس لهوية الولايات المتحدة ومكانتها ليس كقوة فريدة فحسب، بل "كأمة استثنائية ومتفوقة لها دور خاص تؤديه في تاريخ البشرية".
وتعود جذور هذه السردية الفوقية إلى الحقبة الاستعمارية التي شكلت الاستثنائية البريطانية، لكن بينما انطوت الاستثنائية البريطانية على مكوّنٍ ديني وآخر عرقي، تُعرف الاستثنائية الأميركية الولايات المتحدة بوصفها اختراعاً تنويرياً قائماً على أفكار ومُثُل ليبرالية، لا بوصفها بلداً مبنياً على هوية الدم والأرض، وبتعبير أناتول ليفن، فإن الاستثنائية الأميركية "ليست سوى طريقةٍ أخرى للتعبير عن القومية المدنية الأميركية من دون استخدام كلمة قومية".
وتوضح ريستيد في أبحاثها بأن الاستثنائية الأمريكية مفهوم مرن اتخذ معاني مختلفة عبر تاريخه، لكن ثمة ثلاث أفكار أسهمت في تشكيلها أولها أن الولايات المتحدة متفوقة على بقية العالم، وثانيها أن الولايات المتحدة، تملك رسالة أخلاقية وتضطلع بدور خاص في العالم بسبب هذا التفوق، وثالثها أنه حيث ارتقت أممٌ عظيمة وإمبراطوريات عبر القوة لتسقط بعد ذلك، فإن الولايات المتحدة لن تسقط، بل ستقاوم هذا القانون التاريخي.
ولا تقتصر فكرة التفوق على الفرادة، فالتمييز هنا هرمي يكرس التفوق الفكري والمؤسسي لأميركا على غيرها، ويميز الاستثنائية الأميركية عن الوطنية، لأننها تتضمن أكثر من مجرد حب الوطن، فقد كان للاعتقاد بالتفوق الأميركي تأثير في الطريقة التي تنظر بها الولايات المتحدة إلى نفسها وإلى دورها في العالم، فبما أنها متفوقة، فإن على عاتقها مهمة يجب تحقيقها، ولا بد من نجاح هذه المهمة، لأن تفوقها يمكنها من الالتفاف على قوانين التاريخ.
ولذلك حرص الرؤساء منذ فرانكلين دي روزفلت على تصوير السياسة الخارجية بوصفها التزاماً بمثل ليبرالية متفوقة، ومن خلال الترويج للاستثنائية الأميركية، برروا وجوب أن تؤدي الولايات المتحدة دوراً نشطاً في السياسة الدولية، لأن العالم يحتاج إلى هذه الأمة الاستثنائية وإلى نفوذها الخيّر، ومن هذا المنظور، كان من الطبيعي تماماً الاستنتاج بأن ما هو صحيح لأميركا هو صحيح للعالم كما تقول ريستيد.
وكانت الاستثنائية راسخة في المخيلة الوطنية إلى درجة أن مؤسسات استطلاع أميركية مثل غالوب ومركز بيو للأبحاث تستطلع آراء المواطنين حول إيمانهم بالاستثنائية الأميركية، وتعرف الاستثنائية الأميركية بطرق مختلفة في مثل هذه الاستطلاعات، إذ يمكن تحويلها إلى مؤشر يقيس الاعتقاد بأن الولايات المتحدة هي "أعظم بلد في العالم بسبب تاريخها ودستورها"، أو أن "الثقافة الأميركية متفوقة على غيرها".
الاستثنائية بعد الحرب الباردة
بعد نهاية الحرب الباردة، دخلت الاستثنائية الأميركية مرحلة جديدة من الثقة بالنفس، ولم يُقرأ سقوط الاتحاد السوفياتي في واشنطن بوصفه انتصاراً جيوسياسياً فحسب، بل كدليل على تفوق النموذج الأميركي نفسه، وبدا أن الأسئلة الكبرى التي شغلت القرن الـ20، حول النظام السياسي الأفضل، والاقتصاد الأقدر، والقيم الأجدر بالبقاء، قد وجدت جوابها في الولايات المتحدة، ومن هذا المناخ وُلدت فكرة "نهاية التاريخ"، لا كأطروحة فكرية فحسب بل كتعبير عن مزاج سياسي واسع رأى في أميركا النموذج الذي وصل إليه العالم أو ينبغي أن يصل إليه.
وسرعان ما تحولت هذه الثقة إلى لغة سياسية لتبرير استمرار القيادة الأميركية على رغم غياب العدو السوفياتي، فحين دافع بيل كلينتون عن التدخل في البوسنة عام 1996، وصف الولايات المتحدة بأنها "الأمة التي لا غنى عنها"، وهي عبارة اختصرت رؤية واشنطن لنفسها في عصر الهيمنة، ليست قوة كبرى بين قوى أخرى، بل دولة ترى أبعد من غيرها وتتحمل مسؤوليات تتجاوز حدودها.
واستدعت وزير الخارجية الراحلة مادلين أولبرايت المعنى ذاته لدى سؤالها عن احتمال شن ضربات في العراق عام 1998، فقالت، "إذا اضطررنا إلى استخدام القوة فذلك لأننا أميركا، الأمة التي لا غنى عنها. نحن نقف شامخين ونرى أبعد من الدول الأخرى نحو المستقبل، ونرى الخطر هنا يمس الجميع، وأنا موقنة أن العسكريين الأميركيين رجالا ونساء مستعدون دائماً للتضحية من أجل الحرية، والديمقراطية، وطريقة الحياة الأميركية".
بعد هجمات 11 سبتمبر، استخدمت إدارة جورج دبليو بوش هذه السردية بنبرة أكثر حدة، واعتبرت الهجمات استهدافاً لقيمها "الاستثنائية" من حرية وديمقراطية وتعددية، ففي خطابه أمام الكونغرس قال بوش إنهم "يكرهون حرياتنا"، وفي خطاب تنصيبه الثاني جعل نشر الحرية امتداداً للرسالة التي أسست الأمة الأميركية، لتبرير السياسات التدخلية التي تبنتها إدارته، في سياق الواجب العالمي الذي تضطلع به أميركا.
لكن خلفه باراك أوباما الذي وصل للحكم مثقلاً بأعباء الإفراط في التدخلات الخارجية مثّل اختباراً خاصاً للاستثنائية الأميركية، ففي ستراسبورغ عام 2009، سئل عما إذا كان يؤمن بها، فأجاب بأنه يؤمن بها، ويعتقد أن البريطانيين يؤمنون بالاستثنائية البريطانية، واليونانيين بالاستثنائية اليونانية، وبدت العبارة، في ظاهرها، كأنها تضع أميركا على قدم المساواة مع غيرها من الأمم، وتحول الاستثنائية من حقيقة أخلاقية مطلقة إلى شعور وطني مشترك مع الشعوب الأخرى، مما أثار انتقادات حادة في الداخل الأميركي.
لكن الجواب الكامل يكشف عن أن أوباما لم يكن يتخلى عن الاستثنائية، بل يعيد صياغتها للنأي عن توظيفات سلفه لها لتبرير التدخلات العسكرية، فقد أكد في المناسبة ذاتها فخره بدور الولايات المتحدة وتاريخها، مستشهداً بتضحيات الجنود الأميركيين في أوروبا بعد الحرب العالمية، وبالدور الأميركي في بناء التحالف الغربي الذي أسهم في توحيد القارة العجوز، غير أن تصوره للدور الاستثنائي لبلاده لم يكن قائماً على التفوق غير المشروط، بل على قيم دستورية يصفها بأنها استثنائية، وعلى رغم التشكيك في إيمان أوباما بالاسثتنائية الأميركية فإنه وظفها في خطاباته بنسبةٍ تزيد 31 في المئة على متوسط جميع الرؤساء الآخرين مجتمعين منذ عام 1945.
رفض ترمب للاستثنائية
كان الحزب الجمهوري جزءاً من الإجماع حول الاستثنائية الأميركية، فمنذ انتصار دوايت أيزنهاور داخل الحزب عام 1952 على التيار الانعزالي بقيادة روبرت تافت، تبنى الجمهوريون، بدرجات مختلفة، فكرة أن للولايات المتحدة مصلحة وطنية والتزاماً أخلاقياً في قيادة العالم بعد الحرب العالمية الثانية عبر بناء التحالفات ومواجهة التهديدات الأيديولوجية والأمنية. وحتى بعد الحرب الباردة ظل هذا التصور حاضراً لدى رؤساء الحزب من ريغان إلى بوش الابن، وصولاً إلى حملة ميت رومني عام 2012 التي جعلت من الاستثنائية أساساً لرؤيتها الخارجية. وفي عام 2016، حرص معظم المرشحين الجمهوريين على استدعاء هذا الخطاب بدرجات متفاوتة باستثناء دونالد ترمب الذي حمل رؤية مختلفة مفادها أن على الولايات المتحدة أن تتصرف كغيرها وفقاً لمصالحها.
في أبريل 2015، وقبل شهرين من إعلان ترشحه، اعترف ترمب في فعالية بعنوان "الاحتفاء بالحلم الأميركي" بأنه لا يحب مصطلح "الاستثنائية الأميركية" وقال إن العبارة قد تبدو مهينة لدول أخرى مثل روسيا والصين وألمانيا واليابان، لأنها تعني ضمناً بحسب تعبيره، "نحن استثنائيون وأنتم لستم كذلك". وحتى حين قال إنه سيعيد الولايات المتحدة عظيمة من جديد إذا أصبح رئيساً، أضاف أنه لن يستخدم مصطلح الاستثنائية، وكانت تلك إشارة مبكرة إلى اختلافه عن الخطاب الجمهوري التقليدي، لا في الأسلوب فقط، بل في فهمه لدور أميركا نفسه.
ولذلك لا يمكن النظر إلى شعاري "أميركا أولاً" و"لنجعل أميركا عظيمة مجددا" بوصفهما امتداداً مباشراً للاستثنائية ما بعد الحرب العالمية الثانية، لأن استراتيجية ترمب الكبرى تتبنى سردية منافسة مبنية على أن الولايات المتحدة ليست أمة متفوقة أخلاقيا وفكرياً على نحو يلزمها بنشر المثل الليبرالية، بل هي قوة عظمى يجب أن تتصرف مثل غيرها وفق مصالحها القومية. ويبدو منظور ترمب للعالم أقرب إلى تصور الواقعيين لعالم فوضوي وتنافسي لا دوام فيه للتحالفات ولا بقاء فيه إلا للأقوى. وفي هذه الرؤية، فإن استعادة العظمة الأميركية يعني جعلها غنية اقتصادياً، وقوية عسكرياً، وحامية للتراث الثقافي الأبيض والمسيحي في الولايات المتحدة، وفق هيلستيد.
ومن هنا يطرح رفض ترمب للاستثنائية الأميركية سؤالاً أعمق عن معنى أميركا نفسها: هل هي أمة مدنية متعددة تقود العالم باسم قيم ليبرالية تَعُدّها كونية، أم قوة قومية كبرى تضع مصالحها وثروتها وحدودها وهويتها فوق أي رسالة عالمية؟ لا يبدو هذا السؤال عابراً أو مرهوناً بوجود ترمب، فتأثير الإجابة يمتد إلى نظرة أميركا لنفسها بالتفاعل مع داخلها ومع العالم، ويؤثر على دوائر صنع السياسة الخارجية، التي ستكون في صلب النقاش العام حول ما إذا كان تأثير أميركا الدولي يقوم على نموذجها الأخلاقي أم على قوتها المادية وحدها.
في عام 2010، أفادت مؤسسة غالوب بأن 80 في المئة من الأميركيين يرون أن للولايات المتحدة "طابعاً فريداً بفضل تاريخها ودستورها، يميزها عن سائر الأمم بوصفها الأعظم في العالم". في ذلك الوقت، كان التشكيك في الاستثنائية الأميركية، أو في معناها القائم على التفوّق، كافياً لإثارة سؤال عن مدى إيمان صاحبه بفكرة "أميركا" ذاتها، كما ظهر في الجدل الذي أثارته تصريحات أوباما في ستراسبورغ.
لكن استطلاعات الرأي الأحدث تكشف عن أنّ التحوّل في وجهات النظر تجاه الاستثنائية الأميركية لم يعد محصوراً في خطاب النخب، فبحسب استطلاع أجرته أسوشيتد برس بالتعاون مع مركز نورك عام 2026، يرى ربع الأميركيين فقط أن الولايات المتحدة متفوقة على غيرها، بينما يعدها 44 في المئة واحدة من أعظم الدول، في حين يقول نحو ثلاثة من كل عشرة إن هناك دولاً أفضل منها، في زيادة قدرها 19 في المئة مقارنة باستطلاع عام 2016.
ولا يعني تراجع الإيمان بالتفوق الأميركي نهاية الاستثنائية الأميركية كإحدى السرديات المهيمنة في الخطاب والسياسة، لكنه يشير إلى تراجع صيغتها المطلقة، فأميركا لم تعد، في نظر شرائح واسعة من مواطنيها، النموذج الأكمل، بل دولة عظمى تُقارن بغيرها وتُسأل عن حدود تفوقها.
وهنا تلتقي أزمتا الداخل والخارج، فالاستقطاب السياسي يضعف الإجماع القديم حول المعنى الذي يوحد أميركا، فيما يضع الصعود الصيني النموذج الأميركي أمام اختبار لم يواجهه منذ نهاية الحرب الباردة، فالمنافسة مع بكين لا تقاس بالقوة العسكرية والاقتصادية وحدها، بل بقدرة واشنطن على الدفاع عن السردية التي منحت قيادتها للعالم شرعيتها منذ عام 1945، وإذا عجزت أميركا عن تمثيل نموذجها الأخلاقي في الداخل أو تخلت عنه دولياً، فإنها تخوض صراعها مع الصين بأدوات القوة المتقاربة، لا بجاذبية الفكرة التي ميزت نفوذها لعقود.