ملخص
ينظر أنصار القومية المسيحية إلى ترمب بوصفه قائداً قوياً، ويعتقد بعضهم أن "العناية الإلهية" اختارته في هذا التوقيت لمهام محددة
في الأسبوع الأول من مارس (آذار) الجاري، وبعد أيام من بدء العمليات العسكرية الأميركية في إيران، بدا أن عدداً من القادة العسكريين الأميركيين لجأوا إلى خطاب ديني مسيحي متطرف عن "نهاية الزمان" الواردة في الكتاب المقدس، لتبرير المشاركة في الحرب.
وقالت مؤسسة الحرية الدينية العسكرية (MRFF) إنها تلقت أكثر من 200 شكوى من أفراد الخدمة في مختلف فروع القوات المسلحة، بما في ذلك مشاة البحرية والقوات الجوية وقوات الفضاء.
وقال أحد المشتكين، وهو ضابط صف، إن قائدهم "حثنا على إخبار قواتنا بأن هذا كله جزء من خطة الله الإلهية"، مشيراً إلى اقتباسات من سفر الرؤيا تتحدث عن معركة هرمجدون و"العودة الوشيكة للمسيح".
هل هذا التوجه جديد داخل الولايات المتحدة؟
قال رئيس منظمة الحرية الدينية العسكرية مايكي وينشتاين "في كل مرة تتدخل فيها إسرائيل أو الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، نسمع هذه الأمور من القوميين المسيحيين الذين استولوا على حكومتنا، وبالتأكيد على جيشنا الأميركي".
ومع تقدم القتال، ظهر الرئيس الأميركي دونالد ترمب في المكتب البيضاوي محاطاً بعدد من رجال الدين البروتستانت، بينما وضعوا أيديهم على رأسه مصلين أن "يلهمه الله الحكمة" في قيادة شؤون البلاد، لا سيما في زمن الحرب، وفُسرت هذه المشاهد عالمياً على أنها تداخل بين الدين والسياسة، وتوظيف للمؤسسة العسكرية في خطاب ديني.
وقد يتساءل القارئ: هل هذه حرب دينية أم صراع أيديولوجي سياسي؟
يعيد هذا السؤال الجدل القديم في الولايات المتحدة حول ما إذا كانت دولة علمانية أم ذات هوية دينية.
وأعادت مشاهد الأسبوعين الماضيين الحديث عن هذا التيار الديني المسيّس داخل الولايات المتحدة، وتبعاته على الحياة الديمقراطية، ومدى اتساقه مع الدستور الأميركي، فضلاً عن استدعاء سرديات تاريخية مرتبطة بالحروب الدينية.
من أين نبدأ؟
ما هي القومية المسيحية؟
يتطلب الأمر أولاً توضيح مفهوم القومية المسيحية، وهي لا تعبر عن المسيحية بوصفها عقيدة، ويمكن فهمها بطرق عدة، لكنها تُعرّف، باختصار، بأنها "أيديولوجية سياسية تسعى إلى دمج الهويتين المسيحية والأميركية، بما يشوه العقيدة المسيحية والديمقراطية الدستورية الأميركية معاً".
قد يخلط كثيرون بين القومية المسيحية كتوجه سياسي والمسيحية كعقيدة، لأن الطرفين يستخدمان رموزاً ولغة مسيحية مثل الكتاب المقدس والصليب وتراتيل الصلاة.
غير أن القومية المسيحية، في جوهرها، تيار سياسي يسعى إلى استغلال المسيحية لتحقيق أهدافه. وهي تشير إلى شخصية سياسية أو حزب أو أيديولوجيا، لا إلى شخص السيد المسيح.
وتؤكد هذه الأيديولوجيا، في أحد مرتكزاتها، أن الولايات المتحدة "دولة أسسها المسيحيون للمسيحيين".
ويدعو القوميون المسيحيون إلى دمج الهوية المسيحية المحافظة ثقافياً مع الانتماء المدني الأميركي. ويلاحظ باحثون تداخلاً بين هذا التيار وبين الأصولية المسيحية، وأفكار تفوق العرق الأبيض المسيحي، وحركة "تفويض الجبال السبعة"، وحركة السيادة.
ويصف عدد من الباحثين القومية المسيحية بأنها سلطوية، وتسعى إلى فرض حدود على المجال العام، مع ترويجها لتقليص دور الحكومة والاقتصاد السياسي النيوليبرالي بوصفهما جزءاً من الهوية السياسية المسيحية الأميركية.
ويرى القوميون المسيحيون وثائق تأسيس البلاد "ملهمة إلهياً"، وفي المقابل، لا يتردد بعضهم في دعم رؤساء غير متدينين إذا تبنوا قضايا اليمين المتطرف.
وارتبطت القومية المسيحية بالتحيز ضد الأقليات، وقد عرفها الأكاديميان الأميركيان لي رويكيان وبول فرويز بأنها اعتقاد "يحتفي بالتاريخ المقدس والحرية والحكم الشرعي للمحافظين البيض، ويمنحهم امتيازات".
وتقوم هذه الحركة أيضاً على رؤية عالمية تعتبر الولايات المتحدة كياناً متفوقاً على الدول الأخرى، وأن هذا التفوق "مقدر إلهياً"، مع افتراض أن المسيحيين وحدهم هم "الأميركيون الحقيقيون".
ويرى باحثون أن خطورة إضافية تنبع من تداخل القومية المسيحية مع حركة الميليشيات الأميركية، وشكلت مواجهة روبي ريدج عام 1992، وحصار واكو عام 1993، حافزاً لنمو نشاط الميليشيات لدى بعض المنتمين إلى هذا التيار.
ومن أخطر ما في عمق هذا التيار الإيمان بالمطلقات في عالم السياسة النسبي، فعلى سبيل المثال، يعتقد بعض أتباعه أن قيمهم ودينهم مهددان، ويخشون أن تتراجع حريتهم في نشر قيمهم الأخلاقية، أو أن تُحظر.
وبالاستناد إلى أبحاث تجريبية، ازداد دعم القومية المسيحية عندما أُبلغ المسيحيون الأميركيون بتراجع نسبتهم. وتظهر دراسات أخرى أن القوميين المسيحيين يسجلون مستويات أعلى من الغضب والاكتئاب والقلق والضيق النفسي عندما يشعرون بأنهم لا يلبون ما يعتقدون أنه "تكليف سماوي"، ويخافون من غضب الله إذا لم يبنوا الدولة التي يتصورونها.
أين توجد ومن ينتمي إليها؟
بين الـ28 من فبراير (شباط) والثامن من ديسمبر (كانون الأول) الماضي أجرى معهد أبحاث الدين العام الأميركي (PRRI) استطلاعاً للرأي شمل الولايات الـ50. وأظهرت النتائج أن القومية المسيحية متجذرة بعمق داخل الحزب الجمهوري الحالي.
وبذلك تبدو أيديولوجيا كانت هامشية سابقاً أكثر حضوراً وتوسعاً.
هل غياب الديمقراطيين عن قاعدة الداعمين للقومية المسيحية يعني شيئاً جوهرياً؟
يعكس هذا الانقسام صراعاً أوسع حول مستقبل الولايات المتحدة، وما إذا كان تعددياً أم متجذراً في هوية دينية قومية.
وبحسب الاستطلاع، فإن نحو ثلث الأميركيين مؤهلون لأن يكونوا مؤيدين أو متعاطفين مع القومية المسيحية.
وأظهر الاستطلاع أن 56 في المئة من الجمهوريين مؤيدون أو متعاطفون مع القومية المسيحية، مقابل 25 في المئة من المستقلين و17 في المئة من الديمقراطيين.
وطور المعهد مقياساً من خمسة أسئلة حول القومية المسيحية للمرة الأولى عام 2022، لقياس مدى الموافقة على عبارات مثل إعلان الولايات المتحدة "أمة مسيحية" وتأسيس القوانين على "القيم المسيحية".
وظلت النسبة الإجمالية للأميركيين المصنفين مؤيدين أو متعاطفين مستقرة إلى حد كبير خلال السنوات الثلاث الماضية.
غير أن الاستطلاع أشار إلى ارتباط وثيق بين القومية المسيحية وبين من لديهم رأي إيجابي في ترمب، وكذلك من يعيشون في ولايات تسيطر عليها هيئات تشريعية جمهورية.
ويطرح ذلك سؤالاً: هل يمثل تيار القومية المسيحية قنبلة موقوتة داخل الولايات المتحدة؟
أظهر الاستطلاع أن ثلاثة من كل عشرة من أنصار القومية المسيحية (30 في المئة) وربع المتعاطفين (23 في المئة) يوافقون على أنه "نظراً إلى أن الأمور انحرفت كثيراً عن مسارها، فقد يضطر الوطنيون الأميركيون الحقيقيون إلى اللجوء إلى العنف لإنقاذ البلاد"، مقارنة بـ14 في المئة من المشككين و11 في المئة من الرافضين.
هل لانتخاب ترمب دور في تعاظم المد القومي المسيحي؟
قد يتطلب الجواب مقاربة أوسع لفهم التيار من خلال المقابلة السياسية بين المحافظين القوميين من جهة، والليبراليين من جهة أخرى.
القومية المسيحية كمفهوم سياسي
يقدم رئيس تحرير مجلة "العقل الأميركي" مايك سابو، طرحاً يقول إن موضوع القومية المسيحية "لا يثير كثيراً من الضوء، لكنه يثير كثيراً من الحرارة".
ويرى أنه منذ نشر كتاب ميشيل غولدبرغ "مجيء الملكوت: صعود القومية المسيحية" عام 2006، استُخدم المصطلح أداة لضرب التيار اليميني الديني الإنجيلي، خصوصاً بعد دعم قطاعات واسعة منه لدونالد ترمب في انتخابات 2016 و2020.
ويذهب سابو إلى أن القوميين المسيحيين عنصريون، يؤمنون بنظرية كيو آنون، ويريدون إعادة أميركا إلى البيوريتانية، ويعتقدون أن الدستور يجب أن يكرّس لـ"ملك مسيحي" ذي حق إلهي، يشرف على التحول الديني القسري ويفرض قواعد أخلاقية صارمة.
ووصفت جنيفر روبين من صحيفة "واشنطن بوست" القومية المسيحية بأنها "رسالة استبدادية، عنصرية، عقائدية، متخفية وراء ستار المسيحية"، معتبرة أن الحزب الجمهوري "ملتزم فرض القومية المسيحية البيضاء".
ووصف رئيس تحرير مجلة "كريستيانتي توداي" راسل مور، القومية المسيحية بأنها "لاهوت تحرير البيض". واعتبر المعلق السياسي والكاتب في صحيفة "نيويورك تايمز" ديفيد فرنش، أنها "نموذج للفساد والوحشية والقمع".
هل من مشهد أظهر جانباً من هذا التيار؟
بحسب سابو، قُدمت أعمال الشغب في مبنى الكابيتول في السادس من يناير (كانون الثاني) 2021 على أنها المثال الأبرز على عواقب القومية المسيحية.
في المقابل، يجادل محافظون بأن ليبراليين يستخدمون هذا الوصف بصورة فضفاضة ضد جميع المحافظين، الذين يقولون إنهم ليسوا بالضرورة قوميين مسيحيين بل "وطنيون أميركيون"، لكن هذا الدفاع يفترض، ضمناً، أن الصورة التي يقدمها خصوم القومية المسيحية دقيقة، لجهة أنها تقوض الحرية الدينية وتفرض الاعتقاد على الناس.
وكتب دي جي هارت من كلية هيلزديل، وهي كلية فنون ليبرالية مسيحية خاصة في ولاية ميشيغان، في مقال رأي بصحيفة "وول ستريت جورنال" نشر قرب عيد الاستقلال في الرابع من يوليو (تموز) "إن القوميين المسيحيين يتوقون إلى إعادة الأمة إلى أنماط حكم ما قبل 1776، مثل جنيف جون كالفن أو بوسطن جون وينثروب"، حيث "دعم القاضي المدني الكنائس وحث المواطنين على ممارسة الإيمان".
ويعكس ذلك خشية بعض المحافظين من أن يدفع هذا التيار البلاد إلى الوراء.
ويرى نقاد أن قادة الحركة القومية المسيحية ينتمون إلى تحالف متنوع يضم كنائس مؤيدة علناً لشعار "لنجعل أميركا عظيمة مجدداً"، وقساوسة يقيمون طقوساً "وطنية"، ومجموعات كاريزمية، ومروجي "إنجيل الرخاء"، ودوائر إنجيلية مقربة من ترمب.
ومع أن هذه الجماعات تروّج علناً لنمط محدد من المسيحية، فإنها لا تقدم بالضرورة الحجج اللاهوتية والسياسية الرائدة للقومية المسيحية، على رغم احتمال انتماء بعضها إلى التيار.
القومية المسيحية والسياسات الترمبية
ينظر أنصار القومية المسيحية إلى ترمب بوصفه قائداً قوياً، ويعتقد بعضهم أن "العناية الإلهية" اختارته في هذا التوقيت لمهام محددة.
ولم تكن الحرب على إيران، وصلوات القساوسة الإنجيليين في البيت الأبيض، أول ملامح هذا المنحى، فقد اكتسبت سياسات عدة لترامب مسحة دينية مسيسة.
ومن ذلك، أن مواقف في الكونغرس ذات طابع ديني حظيت، وفق هذا التصور، بدعم من البيت الأبيض، كذلك دعا ترمب علناً إلى استخدام الجيش الأميركي في نيجيريا وقطع المساعدات الخارجية لـ"إنقاذ مسيحيينا الأعزاء" الذين قال إنهم يُقتلون على يد "إرهابيين إسلاميين".
وفي سياق متصل، كتب وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث على منصة "إكس" أن "وزارة الحرب تستعد للتحرك... ولا خيار أمام الحكومة النيجيرية سوى أن تحمي المسيحيين، وإلا سنتدخل للقضاء على الإرهابيين الذين يرتكبون هذه الفظائع المروعة".
هل يغير هذا التوجه بوصلة السياسة الخارجية الأميركية؟
يرى منتقدون أن السياسة الخارجية الأميركية لم تكن دائماً على هذا النحو المؤدلج أو المحكومة بشعارات دينية.
وقال الكاتب في مجلة "أميركا المحافظة" سومانترا مايثرا "لا حاجة إلى العودة لزمن المؤسسين. جون كوينسي آدامز، الرئيس السادس للولايات المتحدة، كان سيصاب بنوبة قلبية لو علم أن الولايات المتحدة تخطط لإنقاذ النيجيريين من مشكلة الإرهاب الداخلي".
وأضاف أن ريتشارد نيكسون رفض حتى عام 1971 التدخل في بنغلاديش. وعندما سُئل هنري كيسنجر، قال إن مساعدة اليهود السوفيات على الهجرة إلى أميركا ليست هدفاً للسياسة الخارجية الأميركية بل "اهتماماً إنسانياً"، وهو تصريح أثار اعتراض المحافظين الجدد.
هل أعاد ترمب توظيف مفاهيم "التنوع والإنصاف والشمول" لمصلحة المسيحيين البيض؟
يرجح متخصصون أن هذا هو الاتجاه العام، وعلى رغم ما يبدو من تناقض في مواقف ترمب المتعلقة بالهجرة والسياسة الخارجية، قال باحثون في قضايا تفوق العرق الأبيض والقومية المسيحية لموقع "ذا إنترسبت" إن هذه المواقف تنسجم مع توجهات "القومية المسيحية البيضاء"، وتغذي مخاوف القاعدة الانتخابية من الهجرة والتغيير الديموغرافي، مع تقديم الرئيس بوصفه مدافعاً عن القيم المسيحية.
ويرتبط ذلك بمخاوف ديموغرافية لدى بعض الدوائر التي تروّج لفكرة أنه إذا خسر المسيحيون البيض غالبيتهم في الولايات المتحدة، فإن "الحضارة المسيحية البيضاء" التي بُنيت ستتعرض للتهديد. ومن هنا تُطرح أفكار إغلاق الحدود أمام غير البيض حفاظاً على الغلبة الديموغرافية.
القومية المسيحية والدستور الأميركي
يبرز في تفكيك القومية المسيحية سؤال علاقتها بالدستور الأميركي، خصوصاً مع مطالبات واسعة بالعودة إلى الفكرة الأساسية للحرية الدينية للجميع.
وبحسب التعديل الأول للدستور الأميركي، تشمل الحرية الدينية حمايتين متكاملتين: الحق في المعتقد الديني والتعبير عنه، وضمانة ألا تفضل الحكومة الدين على غير الدين، أو تفضّل ديناً على آخر.
ومن المفترض أن تعمل هاتان الحمايتان معاً بما يسمح لازدهار الحرية الدينية، ويحمي الدين والحكومة من تأثيرات كل منهما في الآخر.
لكن في أنحاء الولايات المتحدة، تتزايد، وفق منتقدين، مؤشرات التضييق على الحرية الدينية من قبل القوميين المسيحيين.
فعلى سبيل المثال، في داكوتا الشمالية، أظهر استطلاع رأي أُجري في الأول من يوليو (تموز) 2024 بين ناخبي الولاية أن جمهوريين كثراً يتبنون قيماً مسيحية محافظة يرون أنه ينبغي أن تنعكس في القرارات السياسية، وقال 42 في المئة إن "الله دعا المسيحيين إلى ممارسة السيادة على جميع مجالات المجتمع الأميركي".
هل يتعارض جوهر القومية المسيحية مع الدستور الأميركي؟
يرى منتقدون أن الفكرة في جوهرها خطرة وتتلاعب بالتاريخ الأميركي، إذ لو أراد مؤسسو البلاد دولة مسيحية رسمياً لورد ذلك في الدستور. وقد نوقشت هذه القضية في المؤتمر الدستوري، ودعا بعض المندوبين إلى الاعتراف الرسمي بالمسيحية في الدستور، لكن واضعيه لم يتبنوا هذا الرأي.
وبدلاً من ذلك، لا يشير الدستور إلى المسيحية، ولم يذكر الدين إلا ثلاث مرات: لحظر إقامة دين وطني، ولحظر التعدي على حرية ممارسة الدين، ولحظر الاختبارات الدينية لتولي المناصب العامة.
صحيح أن كثيراً من مؤسسي الولايات المتحدة كانوا مسيحيين، بينما لم يكن آخرون كذلك. وبغض النظر عن أي تأثيرات يهودية -مسيحية، فإن الدولة لم تُؤسس كدولة مسيحية رسمية، لكن هذا الاعتقاد يشكل أساساً لدى القوميين المسيحيين، ويرون أنه ينبغي أن تكون له الأولوية في صنع السياسات وتحديد أخلاقيات المجتمع.
الديمقراطية الأميركية وخطر التحولات
يتزامن الحديث عن القومية المسيحية مع استعداد إدارة ترمب للاحتفال بالذكرى الـ250 لتأسيس الجمهورية الأميركية عام 2026.
وبينما تجري الاستعدادات، تواجه الديمقراطية الأميركية تهديداً، وفق قراءات عدة، فالمبدأ الذي كرّسه إعلان الاستقلال، القائم على "الحقائق البديهية" بأن "جميع الناس خلقوا متساوين"، وأن الحكومة العادلة تقوم على رضا المحكومين، يتعرض لضغوط متزايدة.
وشاب هذا المبدأ قصور تاريخي في تطبيقه، لكن حتى من لم يُعاملوا على قدم المساواة أمام القانون، استندوا إلى الالتزام الواسع بالمساواة لمواجهة الظلم.
وتقول قراءات أكاديمية إن أشكالاً سائدة من التدين الأميركي عززت قيمة المساواة الاجتماعية، بينما رفضت بعض تيارات مسيحية أخرى المساواة، غير أن إشكالية القومية المسيحية، وفق هذه المقاربة، أنها ترفض الالتزام بالمساواة الذي تقوم عليه الديمقراطية.
وقال عالم السياسة بول بيرسون "بالنسبة إلى أولئك الذين يشعرون بأنهم محاصرون في صراع وجودي مع قوى شيطانية، قد تبدو الديمقراطية مشكلة من الدرجة الثانية، وقد يشعرون بأنهم محقون تماماً في استخدام أي أدوات متاحة للسلطة السياسية".
وفي المقابل، يشير باحثون في جامعة بيركلي إلى أن ملايين المسيحيين الأميركيين يرفضون هذه السياسات باعتبارها مناقضة لقيمهم الدينية، لكنهم يلاحظون أيضاً أن المسيحيين المعتدلين والتقدميين، خلال العقود الأخيرة، لم ينخرطوا في الصراعات الثقافية على هوية أميركا بالحماسة نفسها التي أبداها المسيحيون الأكثر محافظة، وغالباً ما يغيبون عن المشهد الإعلامي.
ويؤكد باحثون أن أميركا كانت تاريخياً ذات أغلبية مسيحية، لكن الحكومة الفيدرالية وحكومات الولايات لم تتبع عموماً العقيدة المسيحية، مما يعني أن تدين المجتمع لا يجعل الدولة "أمة مسيحية".
وقالت المؤرخة رونيت ستال من جامعة بيركلي "كان كثير من الآباء المؤسسين، وإن لم يكن جميعهم، قلقين للغاية في شأن الدين كقوة موجهة للحكومة. لم يكن ذلك نقداً للدين في حياة الناس الشخصية، لكنه حذر من تداخل الدين والحكومة بشكل كامل".
وأضافت أن هذا التسامح والحذر متأصلان في التعديل الأول، إذ لا يمكن للكونغرس التدخل في الحرية الدينية للأفراد، لكنه لا يستطيع أيضاً إنشاء دين رسمي للدولة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
"حرية 250" ومشروعات دينية
على هامش الإعداد لاحتفالات مرور 250 عاماً على تأسيس الولايات المتحدة، أعلن ترمب فعاليات تركز على الدين وتسلط الضوء بصورة شبه حصرية على المسيحية، من بينها مبادرة "أميركا تصلي"، التي تحث الأميركيين على الانضمام إلى 10 أشخاص في الصلاة أسبوعياً، وفعالية "الصلاة الوطنية" في مايو (أيار) التي ستجعل ناشونال مول "نهضة واسعة النطاق".
وتتولى تنظيم البرنامج منظمة "حرية 250"، وهي هيئة شبه حكومية أنشأها ترمب لتنفيذ رؤيته للاحتفال بالذكرى الـ250 لتأسيس الولايات المتحدة. وهي منظمة منفصلة عن "منظمة أميركا 250" التي أنشأها الكونغرس عام 2016 وتضم ممثلين من الحزبين لتخطيط فعاليات ذلك العام.
ويجادل بعض المؤرخين بأن مبادرات ترمب تتجاوز حدود التعديل الأول، الذي يحظر على الحكومة إنشاء دين رسمي للدولة.
وقالت نائبة رئيس البرامج والاستراتيجيات في تحالف الأديان، وهو منظمة غير حزبية تُعنى بالحقوق المدنية والدينية غوثري غريفز "نشهد هذا المسعى لتقويض الفصل المؤسسي بين الدين والحكومة"، وأضافت "هذا يمس جوهر معنى أن تكون أميركياً، وهو أن تكون حراً في ممارسة شعائرك الدينية، وحراً في الصلاة أو عدم الصلاة".
وفي الخلاصة، تواجه الولايات المتحدة سؤالاً يتكرر حول هويتها: هل هي دولة علمانية أم ذات طابع ديني؟
وتتجدد الشكوك حول مستقبل الجمهورية الأميركية وحدود الفصل بين الدين والسياسة، في ظل حضور متزايد لخطاب ديني في المجال العام.
ويبقى السؤال الأوسع مرتبطاً بتأثير هذه التوجهات في السياسة الخارجية للبلاد: هل سيصبح الدين عنصراً حاسماً في تحديد معايير العلاقات الخارجية أم يظل في حدود الخطاب السياسي الداخلي؟
وفي ظل الأزمات، يبدو أن توظيف الدين سياسياً يزداد حضوراً في المشهد الأميركي.