ملخص
يشهد الاتحاد الأوروبي انقساماً حول الحوار مع روسيا بسبب اختلافات جوهرية في تقييم التهديدات فدول أوروبا الشرقية، انطلاقاً من تجاربها التاريخية مع الجار الشرقي الكبير، تُصر على ممارسة ضغوط قوية ضد موسكو، بينما يسعى بعض قادة أوروبا الغربية إلى إيجاد قنوات تواصل لحماية مصالحهم الاستراتيجية
ينطبق على الحوار الأوروبي المنتظر مع روسيا الوصف اللينيني الشهير "خطوة إلى الأمام خطوتان إلى الوراء"، بسبب الخلاف الأوروبي العميق حول العودة إلى طاولة الحوار مع موسكو، من أجل التوصل لتسوية الأزمة الأوكرانية، وإعادة بناء هيكل أمني متوازن للقارة العجوز يضمن استقرارها، ويبعد شبح الحروب عن دولها التي تعيش هاجساً وهمياً تطلق عليه تسمية "الغزو الروسي" المزعوم.
ويشهد الاتحاد الأوروبي انقساماً حول الحوار مع روسيا بسبب اختلافات جوهرية في تقييم التهديدات. فدول أوروبا الشرقية، انطلاقاً من تجاربها التاريخية مع الجار الشرقي الكبير، تُصر على ممارسة ضغوط قوية ضد موسكو، بينما يسعى بعض قادة أوروبا الغربية إلى إيجاد قنوات تواصل لحماية مصالحهم الاستراتيجية، لكن بعضهم الآخر يؤيد موقف جيرانهم الشرقيين. كما يدور نقاش حول الجهة المسؤولة عن تنسيق هذه العملية.
وتتداخل المسائل الاستراتيجية والأمنية والاقتصادية في تشكيل مواقف الدول الأوروبية، فبينما تعارض دول تقع على الجناح الشرقي للاتحاد الأوروبي، مثل إستونيا ودول البلطيق الأخرى وكذلك بولندا بشدة الحوار مع الكرملين، بحجة أن أوروبا لا يمكنها أن تلعب دور الوسيط المحايد، تتشدد دول كبرى مثل فرنسا وألمانيا تجاه موسكو لكنها تقر بضرورة إجراء اتصالات دبلوماسية لتجنب منح زمام المبادرة لجهات فاعلة عالمية أخرى.
وأثارت محاولات رئيس المجلس الأوروبي، أنطونيو كوستا، لإنشاء قنوات اتصال سرية وغير معلنة مع موسكو، استياء واسعاً بين عديد من القادة، الذين اشتكوا من عدم إبلاغهم بهذه الاتصالات، مؤكدين ضرورة تنسيق مثل هذه الإجراءات على مستوى أوروبا.
انقسام حاد
كشفت مصادر دبلوماسية لصحيفة "بوليتيكو" عن انقسام حاد بين زعماء دول الاتحاد الأوروبي حول استئناف الحوار مع روسيا. ووفقاً للمعلومات التي نقلتها الصحيفة عن مصادرها، عارض كل من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والمستشار الألماني فريدريش ميرتس إجراء أي اتصالات مع موسكو بالصيغة الحالية، على اعتبار أن التوقيت الحالي غير ملائم لفتح قنوات تواصل مع الكرملين، وأنه حين يحين الأوان المناسب، ينبغي على دول الاتحاد الأوروبي الثلاث (فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة) أن تبادر بالتواصل.
في المقابل، أشار مصدر مطلع إلى أن "عدداً كبيراً جداً" من القادة الأوروبيين الآخرين تبنوا موقفاً معارضاً لماكرون وميرتس، مؤيدين بذلك رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا، الذي كان قد أعلن سابقاً عن مناقشته مع نظرائه مسألة التحضير للمفاوضات مع الجانب الروسي، وذلك في انتظار بلوغ "اللحظة المناسبة" لذلك.
في الأثناء، أوردت وكالة "بلومبرغ" أن رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا يسعى للتواصل مع روسيا تمهيداً لمفاوضات مستقبلية بشأن أوكرانيا. ونقلت عن مصدر مطلع، قوله إن "كبير مستشاري كوستا أجرى اتصالين هاتفيين مع مسؤول روسي كبير مقرب من الرئيس فلاديمير بوتين بهدف التحضير لأرض خصبة تقوم عليها المحادثات الموضوعية في المستقبل".
تصعيد وإخفاق بتسمية مفاوض أوروبي
ومع تردد أوروبا بشأن فتح حوار مباشر مع موسكو، أخفق الاتحاد الأوروبي خلال قمته في بروكسل، بتسمية شخصية لإدارة أي مفاوضات مع روسيا، أو وضع إطار عام لحوار محتمل مع موسكو مكتفين بتكرار الدعوة إلى وقف فوري وغير مشروط لإطلاق النار. ولم يتضمن البيان الختامي للقمة، والمكون من 18 بنداً سوى بند واحد فقط يشير إلى المسار الدبلوماسي، جاء فيه "يؤيد الاتحاد الأوروبي الجهود الدبلوماسية الرامية إلى إنهاء الحرب".
وكرر الاتحاد الأوروبي في بيانه الختامي دعوته روسيا للموافقة على وقف كامل وغير مشروط وفوري لإطلاق النار، وهو ما تؤكد موسكو مراراً أنه لن يعالج الأسباب الجذرية للنزاع ولن يفضي إلى تسوية دائمة، مشددة على أنها تسعى إلى تسوية طويلة الأمد للصراع من دون أي هدن موقتة.
أما الـ17 نقطة المتبقية، فركزت على تشديد القيود المفروضة على روسيا، والإسراع في اعتماد حزمة العقوبات الـ21، وزيادة إمدادات الأسلحة الهجومية إلى كييف.
مخاوف أوروبية من ترمب
في الوقت الذي تنشغل أوروبا بخلافاتها حول ضرورات الحوار مع موسكو وعدمه، وشروط هذا الحوار ومضمونه، ذكر موقع "بوليتيكو" أن مسؤولين في الاتحاد الأوروبي يبدون مخاوف من أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد يحاول استعادة السيطرة على المفاوضات الخاصة بأوكرانيا، وإبعاد أوروبا عن مسارها.
وأضاف الموقع أن ذلك قد يعرقل استراتيجية الحلف القائمة على ممارسة أقصى ضغط على روسيا ودعم أوكرانيا بصورة كاملة ونقل عن مسؤولين أوروبيين قولهم إنهم يخشون من أن ترمب بعد تحرره من الانشغال اليومي بالأزمة الإيرانية، قد يسعى إلى قيادة محادثات السلام مجدداً وإقصاء الأوروبيين منها، الأمر الذي قد يضعف نهجهم الحالي تجاه الحرب.
وأشار مسؤول في إدارة ترمب إلى أن الرئيس الأميركي يرغب في التوصل إلى تسوية للنزاع، ولا يزال متفائلاً بإمكانية التوصل إلى اتفاق سلام.
وكشف مساعد الرئيس الروسي يوري أوشاكوف أن ترمب أبدى خلال اتصاله مع بوتين استعداداً للتأثير على الحلفاء الأوروبيين وعلى كييف بهدف دفع مسار التسوية.
من ناحية أخرى، أعرب مسؤولون في الاتحاد الأوروبي، عن مخاوفهم من زيارة مرتقبة للمبعوث الخاص للرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، وصهر الرئيس جاريد كوشنر إلى موسكو. ويخشى الأوروبيون من أن تكون هذه الزيارة مؤشراً إلى رغبة واشنطن في إدارة المحادثات بشأن أوكرانيا بصورة منفردة، من دون إشراك الجانب الأوروبي في المسار التفاوضي.
وفي سياق آخر، أعرب بوتين سابقاً، عن رأيه بأن المستشار الألماني الأسبق غيرهارد شرودر سيكون شخصاً مفضلاً بالنسبة له للقيام بدور الوساطة في أي مفاوضات مستقبلية بين روسيا وأوروبا.
رأي الخبراء
بحسب عالم السياسة الألماني ألكسندر رار، لا يستطيع القادة الأوروبيون الاتفاق على مرشح يمكنه قيادة الحوار مع روسيا لإنهاء الصراع في أوكرانيا، حيث تسعى كل دولة أوروبية للحصول على مقعد على طاولة المفاوضات.
وقال "إن قيادة الاتحاد الأوروبي تعاني حالة من الفوضى. وأن قادة المملكة المتحدة وألمانيا وفرنسا ورئيس الوزراء كير ستارمر والمستشار الألماني فريدريش ميرتس والرئيس إيمانويل ماكرون قد اقترحوا صيغة جديدة تُعرف باسم مجموعة الدول الأوروبية الثلاث (E3)، والتي من شأنها معالجة الصراع الأوكراني". إلا أن هذا الاقتراح، كما أكد عالم السياسة، أثار استياء بين قادة أوروبيين آخرين لم يُضمّنوا في هذه الصيغة.
وكتب رار "يرغب جميع الأوروبيين تقريباً في الوجود على طاولة المفاوضات مع روسيا". وأشار أيضاً إلى استياء رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك، ورئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني، ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، ومسؤولة الدبلوماسية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس. ولاحظ عالم السياسة أنه في خضم التصعيد في الشرق الأوسط، بدأت الولايات المتحدة تنأى بنفسها عن أوكرانيا، وأن كييف تركز الآن بصورة أساسية على الاتحاد الأوروبي.
وفي الوقت ذاته، وفقًا لرار، فإن الأهم ليس من سيمثل الاتحاد الأوروبي في المفاوضات، بل ما إذا كان الأوروبيون سيتمكنون من الاتفاق على موقف مشترك بشأن أوكرانيا ثم الدفاع عنه باستمرار.
وأضاف "هذه المواقف في أوروبا يطرحها كل من الصقور والحمائم. إنها مختلفة تماماً".
أوروبا على مفترق طرق
ينطوي التخلي عن استراتيجية العزلة الدبلوماسية التي حاول الغرب فرضها على روسيا منذ فبراير (شباط) 2022 على أخطار جسيمة بالنسبة إلى الأوروبيين. فهم من ناحية، يريدون مقعداً على طاولة المفاوضات للتأثير على مستقبل البنية الأمنية للقارة، ولكن من ناحية أخرى، هم حذرون للغاية من الوقوع في فخ الكرملين ووضع أنفسهم في صورة غير مواتية.
بعض الدول الأعضاء، مثل ألمانيا وهولندا ودول الشمال ودول البلطيق، تفضل البقاء على الحياد ومواصلة تشديد الخناق على الاقتصاد الروسي، الذي يظهر، بعد أربعة أعوام من العقوبات المتزايدة باستمرار، علامات واضحة على التعب .
وبحسب حساباتهم، سيؤدي الضغط الاقتصادي في نهاية المطاف إلى إضعاف موقف روسيا التفاوضي، وفتح الباب أمام حل وسط غير مطروح حالياً. وإلا، فإن المبعوث الخاص يخاطر بالوقوع في موقف محرج والعودة خالي الوفاض.
يدرك الأوروبيون أيضاً فشل تجربة المفاوضات التي توسطت فيها الولايات المتحدة، والتي لم تُسفرعن أي تقدم ملموس، ولا يرغبون في رؤية مبعوثهم يُجرّ إلى نفس المأزق. وقد استاؤوا مراراً من سهولة ترديد الوفد الأميركي، بقيادة ستيف ويتكوف، للخطاب الروسي وممارسة ضغوط شديدة على زيلينسكي للتنازل عن الأراضي التي تسيطر عليها أوكرانيا.
لذلك يناور الأوروبيون، ويصر المسؤولون والدبلوماسيون في بروكسل على أن يعزز التكتل موقفه التفاوضي في مجموعة من المبادئ والقواعد والخطوط الحمراء المتفق عليها والتي من شأنها أن تمنع إضعاف صوت أوروبا وأن تعزز مصالح أوكرانيا بدلاً من تقويضها، لأن كيفية انتهاء هذه الحرب ستكون لها عواقب على أوروبا بأكملها.
تعمل كايا كالاس، مسؤولة الدبلوماسية في الاتحاد الأوروبي، التي حذرت سابقاً من أنه لا ينبغي للاتحاد "إذلال" نفسه من خلال السعي إلى إجراء محادثات مباشرة، مع وزراء خارجية القارة العجوز لتقريب وجهات النظر المتباينة على نطاق واسع للدول الأعضاء ووضع قائمة بالتنازلات والشروط التي يريد الأوروبيون من روسيا الوفاء بها.
على الرغم من أن هذه القائمة الأولية قد وُصفت بالفعل بأنها عالية السقف للغاية وغير واقعية، فإنها قد تُرسي الأساس لإطار عمل أوسع. وقالت كالاس "قبل أن نبدأ حواراً مع الروس، يجب أن نتفق في ما بيننا ونناقش ما نريد التحدث عنه معهم بالضبط".
ونظراً للخلافات القائمة داخل الاتحاد الأوروبي وموقف موسكو المتشدد، سيواجه أي مبعوث أوروبي خاص أيضاً صراعاً صعباً لكسب ود واشنطن.
الكرملين وأوروبا
"من الواضح أن الأوروبيين غير راغبين وغير قادرين على العمل كوسطاء. علاوة على ذلك، فهم الآن مشاركون مباشرون في الحرب إلى جانب كييف"، هذا ما قاله المتحدث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف، موضحاً أن رفض الاتحاد الأوروبي الدخول في حوار مع روسيا كان أحد الأسباب الرئيسة لتدهور العلاقات بين موسكو وبروكسل، وبالتالي، أدى ذلك إلى المأزق الدبلوماسي الحالي.
واعتبر أن نظام كييف يعاني وضعاً حرجاً وجبهاته ستتعرض لكارثة حقيقية في القريب، داعياً الصحافيين لمتابعة المشاهد الواردة من أوكرانيا لنتائج الضربات الروسية.
وأكد وزير الخارجية الروسي أن الحكومات الأوروبية مخطئة في اعتقادها أنها تستطيع توجيه إنذارات نهائية إلى روسيا. وتابع "الحرب التي شنها الغرب، عبر النظام الأوكراني، ضد روسيا بعد الانقلاب... حرب هجينة في البداية، ثم حرب مباشرة لا تزال مستمرة. يجب علينا بذل كل ما في وسعنا لضمان إحقاق العدالة".
الدور الأوروبي المفقود
تقول يانا كوبزوفا، وهي محللة كبيرة في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، إن الاتحاد الأوروبي يحتاج إلى "الوضوح" و"التوافق" بشأن الرسالة الموجهة إلى مبعوثه المحتمل إلى روسيا لحماية نفسه، وهي تعتقد أنه لا ينبغي إجراء مفاوضات مباشرة "من أجل المفاوضات".
واعتبرت كوبزوفا أن "الخطر الواضح هو أن الكرملين سيبدأ باللعب مع الأوروبيين، وبدلاً من استخدام الاتصالات المحتملة للانخراط البناء، سيستخدم الحوار لتقسيم أوروبا وتعميق الخلافات، ويختار مع من تتحدث موسكو ومع من تتجاهل".
يطرح هذا الواقع سؤالاً: لماذا غيّر القادة الأوروبيون موقفهم فجأة وباتوا يتحدثون عن المفاوضات مع موسكو، وما الذي يسعون إليه من وراء تصريحاتهم؟ فعلى سبيل المثال، ترى وزيرة خارجية الاتحاد الأوروبي كالاس أن الحوار مع روسيا ضروري لإيصال الشروط الأوروبية إلى موسكو، بما فيها دفع "تعويضات" لأوكرانيا، وسحب القوات من بريدنيستورفيه والقوقاز، وإلغاء قانون "العملاء الأجانب"، وتحديد سقف لحجم القوات المسلحة الروسية. وترى كالاس أنه "لا يمكن تحقيق سلام عادل ودائم من دون محاسبة روسيا". ويشدد الاتحاد الأوروبي على أن دعم أوكرانيا عسكرياً لا يتعارض مع السعي إلى السلام، بل هو شرط مسبق لإجراء مفاوضات بحسن نية.
والغريب أن أوروبا تعتزم إجراء المفاوضات مع روسيا بالتوازي مع استمرار الأعمال العدائية القانونية التي تنفذها عبر مجلس أوروبا. حيث يتم إنشاء هيكل تحت مظلة هذه المنظمة "لمحاسبة روسيا".