ملخص
تعيد أوكرانيا رسم قواعد الحرب بالمسيرات عبر تكثيف "الضربات المتوسطة" ضد الرادارات والدفاعات الجوية وشبكات الإمداد الروسية، مما يفتح الطريق أمام هجمات أعمق على منشآت النفط ويبطئ التقدم الروسي. وعلى رغم أنها لا تحسم الحرب، فإنها تفرض على موسكو تحديات متزايدة وتستنزف قدراتها الدفاعية.
شنت أوكرانيا هجوماً ضخماً بالطائرات المسيرة على موسكو أمس الخميس، مما أدى إلى انفجار هائل في واحدة من أهم مصافي النفط في العاصمة الروسية.
ويرى خبراء أن الاستخدام الأوكراني المنظم للمسيرات متوسطة المدى يلحق أضراراً كبيرة بالمجهود الحربي الروسي المتعثر، في وقت تشهد الهجمات البرية الروسية تباطؤاً ملحوظاً.
وكثفت كييف استهدافها للبنية التحتية النفطية الحيوية في روسيا، التي تمثل شريان اقتصاد الحرب بالنسبة إلى الكرملين، في إطار حملة أوسع تهدف إلى تقويض قدرة موسكو على مواصلة حربها ضد أوكرانيا.
وكتب وزير الخارجية الأوكراني أندريه سيبيها على منصة "إكس" أمس: "أحد أكثر الأسئلة تداولاً بين سكان موسكو هذا الصباح هو: ماذا يحدث؟ يمكنني الإجابة. لقد بدأت بلادكم حرباً عدوانية ضد بلادنا. وعلى مدى أعوام كانت تقتل أبناء شعبنا. والآن بعدما عرفتم ما يحدث، اسألوا بوتين متى يعتزم إنهاء هذه الحرب".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وقال مسؤولون أوكرانيون إن استهداف الدفاعات الجوية الروسية وشبكات الإمداد والتموين على مسافات تمتد لعشرات الكيلومترات خلف خطوط الجبهة في وقت سابق من هذا العام، أدى إلى إرباك التقدم الروسي في ساحات القتال وفتح المجال أمام تنفيذ ضربات بعيدة المدى ضد منشآت النفط والمواقع العسكرية الروسية.
وخلال الأشهر الأخيرة، جرى تخصيص مزيد من الموارد لما يُعرف بـ"الضربات المتوسطة"، التي يراوح مداها عادة بين 30 و180 كيلومتراً خلف خطوط المواجهة.
وأتاح ذلك لأوكرانيا استهداف الرادارات الروسية ومنظومات الدفاع الجوي القصيرة والمتوسطة المدى، إضافة إلى البنى التحتية للاتصالات وشبكات الإمداد والمركبات العسكرية الثقيلة، على ما وصفته المصادر بـ"العمق العملياتي".
وقال قائد قوات الأنظمة المسيرة الأوكرانية روبرت بروفدي إن هذا التطور سمح للطائرات المسيرة بعيدة المدى بالتسلل عبر الدفاعات الروسية بسهولة أكبر لضرب منشآت النفط الواقعة في عمق الأراضي الروسية.
وأضاف بروفدي في رسالة صوتية: "إن دور الضربات المتوسطة حاسم في المرحلة الحالية"، في إشارة إلى الهجمات التي يصل مداها إلى ألفي كيلومتر.
ويقول محللون عسكريون إن هذه الهجمات وحدها لا تكفي لقلب موازين الحرب ضد روسيا، لكنها تحدث تأثيراً مهماً وقد تكون مؤشراً إلى تغير في ديناميات الصراع.
وخلال الأشهر القليلة الماضية، تسببت الهجمات الأوكرانية بعيدة المدى بالمسيرات في أكبر أضرار تتعرض لها البنية التحتية النفطية الروسية منذ بدء الغزو الروسي عام 2022.
وفي الشهر الماضي، خفضت روسيا إنتاجها النفطي نتيجة الهجمات التي استهدفت الموانئ والمصافي، وتوقفت إمدادات النفط الخام عبر آخر خط أنابيب روسي متبق إلى أوروبا، بحسب ما أفادت وكالة "رويترز".
وأسهمت هذه الهجمات في رفع المعنويات داخل أوكرانيا بعد شتاء شهد هجمات روسية مكثفة على شبكة الكهرباء، وتراجع معدل التقدم الروسي في ساحات القتال إلى أبطأ مستوياته منذ عام 2023.
وقال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في مايو (أيار) الماضي إن عدد "الضربات المتوسطة" الأوكرانية تضاعف مقارنة بمارس (آذار) الماضي، وازداد أربعة أضعاف مقارنة بفبراير (شباط) الماضي.
وقال "كوستو"، وهو قائد ميداني في الكتيبة السابعة التابعة للواء "414" المستقل للأنظمة المسيرة بقيادة بروفدي، إن قدرات أوكرانيا في مجال الضربات المتوسطة شهدت نمواً ملحوظاً منذ الخريف الماضي.
وأضاف في تصريحات مكتوبة: "وسعنا قدراتنا، وزدنا عدد الأطقم، ووسعنا عدد الأنظمة المستخدمة. وبات لدينا تنوع أكبر في المنصات المتاحة".
وأوضح كوستو أن وحدته تركز بصورة رئيسة على الأهداف الواقعة على مسافة تصل إلى 100 كيلومتر من خط التماس، مشيراً إلى أن الرادارات الروسية ومنظومات الدفاع الجوي مثل "بوك" و"تور" و"بانتسير" تمثل الأهداف الأعلى قيمة، إلى جانب المركبات الثقيلة وشبكات الإمداد.
وقال "تطير الطائرة المسيرة عادة لمسافة تقارب 150 كيلومتراً من نقطة الإطلاق، ثم تبدأ البحث عن أهداف داخل المنطقة المحددة".
وأضاف أن أكثر المسيرات استخداماً في مهام "الضربات المتوسطة" داخل وحدته هي المسيرة المحلية الصنع "تشاكلون في" Chaklun V، تليها "بي-2".
وقال بروفدي إن التحكم اليدوي، بدلاً من التوجيه المعتمد على الإحداثيات فحسب، يتيح دقة أكبر في الإصابة، موضحاً أن تدمير هدف مؤكد يتطلب عادة استخدام ما لا يزيد على ثلاث مسيرات.
وأضاف أن قواته دمرت ما لا يقل عن 129 منظومة دفاع جوي هذا العام في المناطق التي تحتلها روسيا، وهو رقم لم يتسن التحقق منه بصورة مستقلة.
ونفذت أوكرانيا ضربات متعددة ضد منشآت نفطية في مدينة توابسي الروسية المطلة على البحر الأسود، وقال بروفدي اليوم الجمعة إن قواته استهدفت مصفاة ريازان النفطية، إحدى أكبر المصافي في روسيا.
وأجبرت الهجمات الأوكرانية مصفاة "نورسي"، رابع أكبر مصفاة نفطية في روسيا، على تعليق عملياتها، فضلاً عن منشآت أخرى في مدينة بيرم الواقعة على بعد نحو 1500 كيلومتر من الحدود الروسية – الأوكرانية.
وقال جاستن برونك، الباحث البارز في المعهد الملكي للخدمات المتحدة في لندن، إن الضربات العميقة أجبرت روسيا على توزيع دفاعاتها الجوية بعيداً من خطوط الجبهة، مما أتاح تنفيذ مزيد من الهجمات متوسطة المدى.
ويمنح ذلك القوات الأوكرانية فرصة لاستهداف أصول تقع خارج مدى المدفعية أو المسيرات الصغيرة الموجهة من منظور الشخص الأول، مثل مستودعات الذخيرة والوقود ومراكز القيادة ومركبات الإمداد وفرق تشغيل المسيرات المتوسطة الأخرى.
وقالت وزارة الدفاع الأوكرانية إن القوات الأوكرانية نفذت خلال أبريل (نيسان) الماضي أكثر من 160 ضربة متوسطة المدى على مسافات تراوحت ما بين 120 و150 كيلومتراً.
ويرى إيليا ماشينا قائد الكتيبة المستقلة رقم 431 للأنظمة الجوية المسيرة "برودياهي"، أن هذه الهجمات تعرقل العمليات الروسية في ساحات القتال من خلال زيادة المسافة بين قوات الخطوط الأمامية ووحدات الدعم الخلفية.
وقال ماشينا "كلما اضطررت إلى التراجع أكثر، ازدادت صعوبة العمليات اللوجيستية"، مشدداً على أهمية التخطيط الدقيق والتنسيق المستمر لتحقيق أثر ملموس.
وأوضح "معهد دراسة الحرب" الأميركي أن وتيرة التقدم الروسي تباطأت منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2025، ويرجع ذلك جزئياً إلى الضربات متوسطة المدى، إضافة إلى التحصينات المحلية وطبيعة التضاريس، خصوصاً في منطقة دونباس.
وواجهت القوات الروسية مشكلات في الاتصالات بعدما شدد الملياردير التقني إيلون ماسك القيود على استخدامها خدمة الإنترنت الفضائي "ستارلينك".
وقال برونك من المعهد الملكي للخدمات المتحدة إن التطور السريع في القدرات الأوكرانية متوسطة المدى يعكس فجوة كانت كييف في حاجة إلى سدها، في ظل الضغط الذي تمارسه القوات الروسية المتفوقة عدداً وتسليحاً، فضلاً عن نجاح موسكو نفسها في استخدام هذا النوع من الضربات.
وأدى الاستخدام المكثف لهذه القدرات في ميدان القتال إلى تسريع وتيرة الابتكار، في وقت تسعى فيه أوكرانيا إلى تعزيز صناعاتها الدفاعية وتقليل اعتمادها على الإمدادات الأجنبية.
وقال كوستو إن التواصل المباشر بين المنتجين والمستخدمين على الجبهة يسمح بإدخال الملاحظات والتعديلات على أنظمة المسيرات خلال أيام معدودة.
وأوضح مهندس تقني في الوحدة نفسها يحمل الاسم الحركي "سيمبول" أن بعض الشركات المصنعة باتت تسلم منصات شبه جاهزة للقتال، من دون الحاجة إلى برمجة إضافية.
وأضاف في تصريحات مكتوبة "في السابق كانت الضربات المتوسطة تمثل قدرة محدودة تستخدم بصورة متفرقة، أما اليوم فأصبحت جزءاً منهجياً ومنظماً من العمليات".
وقال إميل كاستيهيلمي من مجموعة "بلاك بيرد" الفنلندية لتحليل النزاعات إن الضربات متوسطة المدى قد لا تكون كافية لقلب موازين الحرب ضد روسيا، لكنها تمثل تحدياً متزايداً يتعين على القوات الروسية التكيف معه.
© The Independent