Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

وساطة إسلام آباد بين طهران وواشنطن... التقديمات والمكاسب

بنت باكستان ثقتها في إدارة ترمب بمنحه ما يريده مقابل الإشادة والاعتراف بتعاونه أمام العالم

الرئيس الأميركي ورئيس الوزراء الباكستاني (رويترز)

ملخص

لا شك أن إسلام آباد حققت إنجازاً كبيراً على المستوى الدبلوماسي، وكسبت احترام المجتمع الدولي بفضل دورها الفعال في الوساطة، لكن هذه الإشادات لا يمكن ترجمتها لتحسين الواقع السياسي والأمني والاقتصادي للدولة ولا إلى احترام دائم من قَبل من قِبل العالم إلا بتمكين الشعب وإشراكه في صناعة القرار والقيام بإصلاحات داخلية تركز على محورية المواطن، وإلا فستكون هذه حلقة أخرى من نجاح قصير الأجل.

تظهر الشاشات لقطات لرئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف وهو يرفع مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران بعد التوقيع عليها كوسيط وشاهد رسمي للاتفاق المبدئي. هذه المشاهد والتغطية العالمية التي تحظى بها تعكس قفزة دبلوماسية كبيرة لباكستان من العزلة إلى الصدارة.

قبل أعوام ليست بكثيرة، قام مستشار الأمن القومي الباكستاني الدكتور معيد يوسف بزيارة إلى واشنطن في محاولة لاستعادة العلاقات بين الطرفين وفتح قنوات الاتصال بين المسؤولين، لكن يوسف عاد بخفي حنين ولم يكسب زيارة أي من كبار المسؤولين في الإدارة الأميركية سوى نظيره جاك سوليفان، وفي مقابلة له مع صحيفة "فايننشال تايمز" أثناء الزيارة عبّر يوسف عن استيائه من تصرف الإدارة الأميركية وقال لا نفهم لماذا لا يتصل الرئيس الأميركي جو بايدن برئيس الوزراء الباكستاني عمران خان!

اتصال بروتوكولي واحد من الرئيس الأميركي كان غاية التوقعات الباكستانية، الغاية التي يبغونها حتى غادر عمران خان وجو بايدن منصبيهما. الرسالة الأميركية كانت واضحة: لا نحتاج إلى باكستان بعد الانسحاب من أفغانستان.

يأتي ذلك في ظل تنامي العلاقات الاقتصادية بين الولايات المتحدة والهند، والإعلان عن مبادرة أميركية لإنشاء ممر تجاري يربط الهند بالدول الأوروبية، في وقت يواصل صندوق النقد الدولي، الذي يُنظر إليه على أنه الرئة الاقتصادية لباكستان، المماطلة سنوياً في صرف الشريحة الجديدة من القرض، التي لا تتجاوز قيمتها مليار دولار، مقابل فرض شروط اقتصادية بالغة الصعوبة.

لم يكن لأحد أن يتوقع أن باكستان نفسها التي كانت تواجه عزلة على الصعيد الدبلوماسي، وانهياراً للاقتصاد المحلي، وتفككاً في الجانب السياسي، وتدهوراً على الجانب الأمني، أن تتصدر ملف المفاوضات الأكثر تعقيداً بين دول عنيدة مثل إيران والولايات المتحدة، بل ستكون الراعي والشاهد الرسمي على الاتفاق بينهما.

وقبل أن نجيب على سؤال المكتسبات الباكستانية من دور الوساطة دعونا نفهم كيف كسبت باكستان ود الرئيس الأميركي دونالد ترمب الذي يخشى الجميع من تقلبات مزاجه وتصرفاته غير التقليدية.

كيف كسبت باكستان ثقة ترمب؟

استثمر الأميركيون ذوو الأصول الباكستانية كثيراً في حملة دونالد ترمب الانتخابية، لكن ليس نيابة عن النظام الباكستاني بل في حقيقة الأمر لكي يكسبوا دعمه لعمران خان المحتجز لدى السلطات الباكستانية، الذي يعد التحدي الأكبر للحكومة الباكستانية. وغرد أعضاء من فريق ترمب قبل الانتخابات عن أوضاع حقوق الإنسان والحريات السياسية في باكستان، لا سيما القيود التي يتعرّض لها حزب عمران خان، في إشارة إلى أن ترمب في حال وصوله إلى البيت الأبيض سيضغط على الحكومة الباكستانية بشأن عمران خان الذي كان تربطه به علاقات ودية أثناء دورته الرئاسية الأولى.

وسط هذا الضجيج الإعلامي من التكهنات والتصريحات، كانت أجهزة الدولة الباكستانية تعمل في الخفاء لوضع خطة محكمة لكسب ثقة ترمب، خطة تركز على النتائج الملموسة وتضمن إعطاء الرئيس الأميركي ما يمكن أن يسوقه كانتصار عظيم للداخل الأميركي. وفور أداء ترمب اليمين، بدأت أجهزة الاستخبارات بتنفيذ الخطة، وتواصلت الأجهزة الأمنية الباكستانية مع حلفائها، وبدأت عمليات عسكرية حساسة على الحدود الباكستانية - الأفغانية، وأخيراً نجحت في تحقيق أهدافها، تم القبض على مطلوب أمني كبير المستوى من قبل أجهزة الاستخبارات وسط صمت تام من السلطات الباكستانية.

لم يتم الكشف عن العملية، بل بادرت السلطات بتسليم المتهم إلى الولايات المتحدة الأميركية، ليتولى مهمة الإعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب في أول خطاب له أمام الكونغرس أن الولايات المتحدة، بالتعاون مع السلطات الباكستانية وتحت إشراف حكومته، نجحت خلال أيامه الأولى في المنصب في القبض على شريف الله، القيادي المزعوم في "داعش" والمتهم في انفجار آبي غيت في أفغانستان الذي راح ضحيته عدد من الجنود الأميركيين.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

هكذا وبواقعية فجة تعامل النظام الباكستاني، بنى النظام الباكستاني ثقته في إدارة ترمب بتقديم ما يريده مقابل الإشادة والاعتراف بتعاونه أمام العالم، لتبدأ قصة علاقة مصالح متبادلة بين الطرفين التي مرت بمحطات ترشيح باكستان الرئيس ترمب لجائزة "نوبل" للسلام ونسب الفضل إليه في وقف الحرب بين الهند وباكستان، ووصفه بصانع سلام في الشرق الأوسط ليرد الأخير بوصف قائد الجيش الباكستاني بالمشير المفضل والقيادات الباكستانية "بأشخاص جديرين بالاحترام"، باكستان عرفت ما يحتاجه ترمب، واستطاعت تقديمه له باللغة والصيغة المفضلة لديه، وفي المقابل كسبت الدعم الكامل منه، حتى إنه اعتمد على باكستان في ملف المفاوضات الحساس الذي أبلت فيها باكستان، مرة أخرى، بلاء حسناً ونجحت في إيقاف الحرب من دون أن تسبب إحراجاً كبيراً لأي من الطرفين.

ماذا كسب الوسيط من إيقاف الحرب؟

دعونا نقسم هذا الجزء إلى ثلاثة محاور رئيسة.

أولاً: على الصعيد العالمي رسمت باكستان من خلال تصدرها المشهد في عملية المفاوضات ودفع الفريقين إلى الحل السلمي ومن خلال الزيارات المتكررة لكبار المسؤولين في هذا السياق صورة "دولة راعية للسلام" على المشهد العالمي، وأنها لا تريد إرساء السلام فحسب، بل تمتلك الأدوات الدبلوماسية والعلاقات المطلوبة مع الأطراف الدولية لتحقيق السلام أيضاً. وتكمن أهمية هذا الانتصار الناعم لإسلام آباد في كونها دولة مهددة بالإرهاب ومتهمة بتصديره في الوقت ذاته، لا سيما الاتهامات المستمرة التي تتلقاها من الجارة الهند التي تجول العالم لإقناع المجتمع الدولي بأن إسلام آباد تبني سياستها الخارجية من خلال استخدام الجماعات المتطرفة الإرهابية. وتلاشت هذه الصورة الكئيبة لباكستان بسبب الدور المحوري الذي لعبته في منع سقوط العالم في هاوية حرب كبيرة وشاملة بين طهران وواشنطن.

المحور الثاني يتعلق بالمكتسبات الإقليمية لإسلام آباد التي أثبتت من خلال حضورها العالمي أنها ليست دولة هامشية تقف على مدرجات الساحة الإقليمية، بل هي لاعب فعال ليس على المستوى الأمني فحسب، بل على المستوى الاقتصادي والدبلوماسي أيضاً. ويتزامن صعود الدور الباكستاني على المستوى العالمي مع تثبيت علاقاتها الخارجية مع بنغلاديش والقوى الصغيرة نسبياً في جنوب آسيا.

ولا يقتصر الدور الإقليمي لباكستان في جنوب آسيا فحسب، بل دخلت باكستان في تشكيل الشرق الأوسط الجديد أيضاً من خلال اتفاقية الدفاع المشترك مع السعودية، وتعزيز وجودها العسكري في الخليج، وفتح صفحة جديدة من العلاقات مع لبنان وسوريا ومصر بالتنسيق مع حليفها الأقدم والأكبر السعودية في ظل تكتل غير رسمي للقوى الإسلامية الصاعدة التي تشمل السعودية وتركيا ومصر وباكستان. ويتوقع أن هذا التكتل سيلعب دوراً كبيراً في منع الأطراف العنجهية في المنطقة من ملء الفراغ الذي تركته الأزمات الأخيرة، ومن استغلال حالة عدم اليقين في تنفيذ أجندات توسعية، بل ستعمل على خطة مبنية على التنمية والاستقرار المشترك لشعوب المنطقة.

المحور الأخير يتعلق بالسياسة المحلية لباكستان، وليس سراً أن النظام الحالي في باكستان لا يستند على الشعبية بقدر ما يستند إلى قوة المؤسسة العسكرية، خصوصاً بعد الانتخابات المثيرة للجدل عام 2024 وغياب الصوت الأبرز للمعارضة وهو عمران خان. وفي ظل غياب شعبية حقيقية للنظام، جاءت الأزمات الأخيرة والاعتراف العالمي للدور الباكستاني فيها، لا سيما الدعم الكامل من قبل الولايات المتحدة، ليرسخ النظام الباكستاني أركانه ويحكم قبضته على السلطة.

أخيرا، لا شك أن إسلام آباد حققت إنجازاً كبيراً على المستوى الدبلوماسي، وكسبت احترام المجتمع الدولي بفضل دورها الفعال في الوساطة، لكن هذه الإشادات لا يمكن ترجمتها لتحسين الواقع السياسي والأمني والاقتصادي للدولة ولا إلى احترام دائم من قبل من قبل العالم إلا بتمكين الشعب وإشراكه في صناعة القرار والقيام بإصلاحات داخلية تركز على محورية المواطن، وإلا فستكون هذه حلقة أخرى من نجاح قصير الأجل.

اقرأ المزيد

المزيد من تحلیل