Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

لبنان والمونديال و"الحق ع الطليان"

تنتظر الجماهير هذا الاحتفال الرياضي الأكبر كل أربع سنوات لكن اللبنانيين يرزحون تحت وطأة لعنته المتكررة

اقترن فوز إيطاليا بكأس العالم لكرة القدم بوقوع مآس تصيب اللبنانيين (أ ف ب/غيتي/اندبندنت عربية)

ملخص

تتداخل بطولات كأس العالم التي فازت بها إيطاليا مع ذاكرة لبنان المثقلة بالحروب، خصوصاً الاجتياحات والحروب مع إسرائيل عام 1982 وحرب 2006، لتتكرر سردية المصادفات الشعبية حول "الحق ع الطليان". وتتكرر الحكاية مع مونديال 2026 إنما من دون إيطاليا، لكن يبقى الواقع اللبناني أعنف من أية مزحة رياضية أو خرافة متوارثة.

قبيل مونديال عام 2010 في جنوب أفريقيا، سألت إحدى الصحف اللبنانية أحد مشجعي الفريق الإيطالي عن توقعاته، فأجاب أنه يعشق الفريق، يتابع جميع مبارياته، ويحفظ أسماء لاعبيه كافة، على رغم ذلك، يتمنى ألا تفوز إيطاليا بلقب بطولة كأس العالم 2010 لكرة القدم.

أما سبب هذه الأمنية المتناقضة، فيعود لشعوره بالتشاؤم من احتمالات فوز إيطاليا، ويستند هذا الشعور إلى تداول خبر بصيغة تهكمية، مفادها بأن تزامن انتصارات إيطاليا في كأس العالم يقترن بوقوع مآس تصيب اللبنانيين.

اليوم، ومع تزامن المونديال الحالي مع الحرب المستجدة في لبنان يمكننا أن نتفهم تخوف هذا المشجع وتشاؤمه، على رغم أن فريقه الأحب يغيب هذه المرة عن البطولة.

لكن لنستعيد قليلاً قصة لبنان والمونديال وإيطاليا...

مونديال إسبانيا 1982

إذا عدنا في تاريخ بطولات العالم لكرة القدم لعام 1982 حين استضافت إسبانيا العرس الكروي، فإننا بالطبع نقرأ عن أول بطولة يشارك فيها 24 منتخباً بدلاً من 16، (تخيلوا فقط أن العدد اليوم قد تضاعف إلى 48 منتخباً). ونستعيد كيف حققت الجزائر مفاجأة من العيار الثقيل بفوزها على ألمانيا الغربية وعلى تشيلي، ويمكن للمرء أن يعتقد بأن فوزين في دور المجموعات هي نتيجة كفيلة للصعود للدور الثاني، خصوصاً أن منتخب إيطاليا حينها مثلاً، تأهل إلى الدور الثاني من ثلاثة تعادلات، ولكننا نصطدم بما عرف بـ"فضيحة خيخون" نسبة إلى الملعب الذي شهد مباراة ألمانيا الغربية والنمسا، حيث تعمدت الدولتان تحقيق نتيجة تقصي الجزائر. وأجبرت تلك الأحداث الاتحاد الدولي لكرة القدم على إقامة آخر مباريات كل مجموعة في التوقيت نفسه، منعاً لتكرار التلاعب في النتائج.

مع الإشارة إلى أن الفوز حينها كان يمنح صاحبه نقطتين وليس الثلاث كما هو المعتمد حالياً، وتحديداً بدءاً من كأس العالم 1994.

أما منتخب إيطاليا، الذي كما ذكرنا سابقاً حقق ثلاثة تعادلات، فتأهل للدور الثاني ليلعب في مجموعة قاتلة بامتياز ضمت إلى جانبها البرازيل والأرجنتين، وعلى رغم الأداء المتواضع في الدور الأول تخطت إيطاليا الأرجنتين، ثم سجل باولو روسي هاتريك في مرمى البرازيل ليصعد المنتخب الأزرق إلى نصف النهائي، حيث أقصى بولندا بثنائية أيضاً من توقيع باولو روسي. وفي النهائي قضى الأتزوري على الفريق الألماني ليحقق اللقب للمرة الأولى في العهد الحديث، باعتبار أن بطولتي 1934 و1938 كانتا من عصر كروي آخر.

في هذه الأثناء، وبينما كانت إسبانيا تشهد افتتاح مونديال 1982، وفي الناحية المقابلة من البحر المتوسط، وتحديداً في لبنان، كانت الدبابات الإسرائيلية تفرض حصارها على بيروت الغربية إبان اجتياحها الأكبر للبنان.

وهناك تصريح متداول لأمين العام للحزب الشيوعي اللبناني حينها، جورج حاوي، يقول فيه "عندما يزداد القصف يزداد التحدي، ويخيل لنا الآن أن العالم سيهتز لأن بيروت تحترق، ولأن قذيفة قد دخلت ملجأ في برج البراجنة فقتلت 75 أو أكثر بريئاً، والعالم سيهتز الآن، وتشهد شوارع الجزائر التظاهرات، فإذا بنا نفاجأ أن التظاهرة كانت لأجل فريق الجزائر الذي انتصر على ألمانيا في كرة القدم".

مونديال ألمانيا 2006

حسناً، ماذا نتذكر من هذه البطولة؟ بدا ذاك المونديال رتيباً والأسوأ أنه انتهى بفوز غير متوقع (كما في عام 1982) لإيطاليا، والأسوأ أيضاً، كما عام 1994، حصل ذلك بركلات الترجيح، وهي برأيي إجراء كروي يائس يحرم اللعبة من عامل الإبداع ليحولها إلى ما يشبه الكازينو. وفازت المنتخب الأزرق بعد سقوط فرق أكثر قوة مثل البرازيل (المتخمة بالنجوم أمثال رونالدينيو، رونالدو، أدريانو، كاكا) والدولة المضيفة، انتهاء بفرنسا في النهائي، ولا شك أن الجميع يذكر نطحة زين الدين زيدان أكثر من أي حدث آخر شهدته البطولة.

أما على الساحة اللبنانية، وبعد أقل من أسبوع على انتهاء المونديال، وجموع مشجعي إيطاليا لم تنته من احتفالاتها بعد، اندلع ما عرف بحرب لبنان الثانية (حرب تموز)، التي انتهت أيضاً بدخول إسرائيلي وإن محدود إلى جنوب لبنان.

حينها انتبه بعضهم إلى هذه المصادفة الغريبة والمشؤومة فبعد 24 عاماً على مونديال 1982 وفوز إيطاليا والاجتياح الإسرائيلي، فإننا نعود ونشهد الكوكتيل ذاته، مونديال وإيطاليا واجتياح. وقد يعتقد المرء أن مقولة "الحق على الطليان" اللبنانية كانت وليدة تلك اللحظة، ولكن وعلى رغم تناسبها المخيف مع الحدث، ربما تعود جذورها لأبعد من ذلك.

الحق ع الطليان

لنتوقف هنا لبرهة، لنتأكد من براءة الطليان. طبعاً لا يوجد توثيق مثبت تاريخياً لأصل هذه العبارة، ولكن الحكاية الشعبية السياسية المتواردة تقول إنه بعد اشتداد التدخلات الأجنبية الخفية (البريطانية والفرنسية والأميركية) في الشؤون اللبنانية، التي أدت لاحقاً (عام 1952) لاستقالة أول رئيس لبناني بعد الاستقلال بشارة الخوري، كان يسأل باستمرار عمن يتحمل مسؤولية ما آلت إليه الأوضاع. أطلق الرئيس حينها طرفة تحولت إلى مثل دارج، إذ كان يجيب ساخراً: "الحق على الطليان". وكان يقصد بذلك تبرئة الدول الكبرى الفاعلة علناً، ولوم دولة (إيطاليا) التي لم يكن لها أي دور أو نفوذ سياسي في الأزمة اللبنانية آنذاك لتفادي الحرج السياسي، وقد جسد الفنان اللبناني الشعبي الراحل "شوشو" هذه العبارة لاحقاً في إحدى مسرحياته الشهيرة.

فيما يذكر بعضهم مصدراً آخر لها، فيقولون إنه في عام 1912، حاصر الأسطول الإيطالي بيروت ودكها بالمدافع فأحدث فيها دماراً عظيماً، فصار الناس يقولون: "كل الحق على الطليان".

مونديال أميركا الشمالية 2026

اليوم وبعد 20 عاماً على الحرب أو على المونديال أو على فوز إيطاليا، اختر ما تشاء، يجد لبنان نفسه أمام ماذا؟ في الأقل أمام اثنين منهما. سنحتاج إلى بعض الوقت لاستيعاب ما هي الأحداث الأكثر صدمة؟ تكرر تزامن الحرب مع المونديال أم غياب المنتخب الأزرق عنه لثالث مرة على التوالي! وما تأثير غياب العنصر الإيطالي من هذا الكوكتيل المرعب الذي يلاحق اللبنانيين كل عقدين أو أكثر. هل هذا دليل على أنها الحرب الأخيرة في سلسلة لامتناهية من الصراعات أم أنها بالعكس دليل على تأزم أكبر قد يتحول إلى أزمة عميقة يعيشها لبنان بصورة مستدامة، وليس فقط كل أربعة أو خمسة مونديالات.

بكل الأحوال، وبعيداً من هذه المصادفات ومعانيها، المؤكد أننا في لبنان، أمام أرواح تباد وحيوات تدمر وقرى تفنى وما يجري في هذا الوطن الغريب مؤلم بشدة ومخيف بحجمه، وما يحصل هو بالتأكيد ليس بسبب "الطليان".

المزيد من رياضة