ملخص
ربما يكون أهم درس يمكن استخلاصه من كأس العالم 2026 هو أن السياسة والرياضة في عالم اليوم ليستا منفصلتين تماماً، كذلك فإنهما ليستا متداخلتين بالكامل، فنجاح مثل هذه الأحداث يعتمد على إيجاد نقطة توازن بين هاتين الحقيقتين.
مع انطلاق كأس العالم 2026 في أميركا الشمالية، ولا سيما مع مشاركة المنتخب الوطني لإيران، عاد إلى الواجهة ذلك السؤال الرياضي السياسي القانوني القديم: هل يمكن فصل الرياضة عن السياسة؟
الإجابة الرسمية من "فيفا" وكثير من المسؤولين الرياضيين حول العالم تؤكد دائماً استقلال الرياضة عن النزاعات السياسية، لكن الواقع يشير إلى أن بعض الأحداث تتشكل ضمن سياقات جيوسياسية تجعل الفصل الكامل بينها وبين السياسة أمراً شبه مستحيل. ومشاركة المنتخب الإيراني في كأس العالم هذا العام، الذي تستضيفه الولايات المتحدة، تعد بلا شك واحدة من أبرز الأمثلة على هذه الحقيقة.
منذ ما يقرب من خمسة عقود، لا توجد علاقات دبلوماسية رسمية بين النظام الإيراني والولايات المتحدة، وإضافة إلى ذلك، أدت التوترات الأمنية والعسكرية خلال الأشهر الأخيرة إلى جعل أي تفاعل بين البلدين يجري في أجواء مشبعة بالحساسيات السياسية والاعتبارات الأمنية.
وفي مثل هذه الظروف لا يمكن اعتبار قرارات الحكومة الأميركية المتعلقة بكيفية حضور المنتخب الإيراني على أراضيها، سواء من ناحية مكان إقامة البعثة أو آلية إصدار التأشيرات للاعبين وأفراد الطاقم المرافق، مجرد قرارات تنفيذية أو رياضية، بل إنها جزء من معادلة سياسية وأمنية ودبلوماسية معقدة.
وبحسب التقارير المنشورة كان المنتخب الإيراني قد خطط في البداية لإقامة معسكره الإعدادي في مدينة توسان بولاية أريزونا، إلا أن ذلك لم يحظ بموافقة السلطات الأميركية، وفي مرحلة معينة طرح احتمال السماح لأعضاء الفريق بدخول الأراضي الأميركية يوم المباراة فقط من دون المبيت فيها، قبل أن يتم لاحقاً تعديل هذا التوجه والسماح للفريق بالإقامة ليلة المباريات.
إلى جانب ذلك، شهدت إجراءات إصدار التأشيرات لبعض اللاعبين وأفراد الأجهزة الفنية والطبية والإدارية تأخيرات مختلفة، وفي النهاية لم يتمكن بعض المتقدمين من الحصول على التأشيرات لأسباب سياسية وأمنية.
ومن وجهة نظر كثير من الإيرانيين ومراقبي كرة القدم الدولية، فإن مثل هذه القرارات لا تنسجم بصورة كاملة مع مبدأ الحياد والعدالة التنافسية الذي تقوم عليه بطولة كأس العالم. ويرى هؤلاء أن الدولة التي تستضيف أكبر حدث رياضي في العالم مطالبة بتوفير ظروف متساوية وواضحة لجميع المنتخبات المشاركة، بغض النظر عن علاقاتها السياسية أو خلافاتها الاستراتيجية مع حكومات تلك الدول، ومن هذا المنطلق لا ينبغي للاعبين والمدربين، ولا سيما الجماهير، أن يدفعوا ثمن الخلافات بين الحكومات.
ومع ذلك فإن الجانب الآخر من هذه المعادلة يتضمن اعتبارات لا يمكن تجاهلها بسهولة، فمسؤولية الأمن داخل الولايات المتحدة تقع على عاتق الحكومة الأميركية وليس "فيفا"، ولا يمكن لأي دولة، عند اتخاذ قرارات تتعلق بدخول الأجانب إلى أراضيها، وبخاصة مواطنو دولة تربطها بها علاقات عدائية أو تشهد معها توترات أمنية عميقة، أن تتجاهل متطلبات أمنها القومي.
وفي ظل الظروف الحالية من الطبيعي أن تبدي الأجهزة الأمنية الأميركية حساسية خاصة تجاه تنقل الأفراد، ومواقع إقامة البعثات الرياضية، والإجراءات الوقائية، والأخطار المحتملة، وهنا تحديداً يظهر التحدي الأساس: كيف يمكن تحقيق التوازن بين مبدأ المساواة الرياضية ومتطلبات الأمن القومي؟
الإجابة عن هذا السؤال ليست سهلة، فالتوقع بأن تتخلى الحكومة الأميركية عن جميع اعتبارات الأمن الخاصة بها لا يبدو واقعياً، وفي المقابل فإن فرض قيود تجعل أحد المنتخبات الوطنية في ظروف مختلفة عن بقية المنافسين قد يضر بمبدأ تكافؤ الفرص. إن نجاح الدولة المستضيفة لا يتمثل في القضاء الكامل على المخاوف الأمنية، بل في إدارتها بطريقة ذكية تقلل إلى أدنى حد ممكن من تأثيرها في الجاهزية الفنية والظروف التنافسية للفرق.
وفي هذا السياق، يستحق دور "فيفا" اهتماماً خاصاً، فالاتحاد الدولي للعبة لا يملك الأدوات التي تمكنه من تجاهل قوانين الهجرة أو الأمن الخاصة بالدول المستضيفة، كذلك فإنه لا يستطيع إجبار الحكومات على التخلي عن اعتبارات السيادة الوطنية، لكنه في المقابل مسؤول عن حماية نزاهة المنافسات وعدالتها. لذلك، من المتوقع أن يعمل قبل أعوام من انطلاق البطولة بالتنسيق المستمر مع الدول المستضيفة، وأن يدرس أوضاع المنتخبات التي قد تواجه تحديات سياسية أو أمنية خاصة، وأن يحصل على الضمانات اللازمة لضمان مشاركتها من دون تمييز.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
إن كأس العالم ليست مجرد بطولة لكرة القدم، بل هي رمز لعالمية هذه الرياضة وإطار يجمع شعوباً ودولاً قد تكون بينها خلافات سياسية عميقة، وإذا واجهت بعض المنتخبات عقبات لا تواجهها منتخبات أخرى، فإن هذا الرمز العالمي سيتعرض للضرر، وفي الوقت نفسه، فإن تجاهل المخاوف الأمنية الحقيقية من شأنه أن يضع مسؤولية الدولة المستضيفة موضع تساؤل.
وربما يكون أهم درس يمكن استخلاصه من كأس العالم 2026 هو أن السياسة والرياضة في عالم اليوم ليستا منفصلتين تماماً، كذلك فإنهما ليستا متداخلتين بالكامل، فنجاح مثل هذه الأحداث يعتمد على إيجاد نقطة توازن بين هاتين الحقيقتين.
وفي حال إيران والولايات المتحدة فإن مجرد مشاركة البلدين في إطار منافسة رياضية مشتركة، على رغم عقود من العداء السياسي والتوترات المستمرة، يذكرنا بأن كرة القدم قد تبقى أحياناً وسيلة للتواصل والتفاعل، حتى في الأوقات التي تعجز فيها الدبلوماسية الرسمية عن إيجاد طريق للحوار.
نقلاً عن "اندبندنت فارسية"