Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

العودة إلى الاتحاد الأوروبي ليست الحل بعد "بريكست"

كشف الخروج من القارة العجوز نقاط ضعف البلاد وحول عقداً من القيادة الرديئة إلى أزمات كاملة

اتفاق جديد بين الاتحاد الأوروبي وسويسرا، وُقّع في مارس (آذار)، قد يوفر أيضاً نموذجاً لبريطانيا لعلاقة أوثق مع التكتل (أ ف ب/ غيتي)

 

 

ملخص

بريطانيا تدفع ثمن "بريكست" وثمن عقد من الإنكار السياسي الذي ضاعف ضعف الاستثمار والإنتاجية والخدمات العامة، وحوّل الخروج من الاتحاد الأوروبي إلى عامل أعمق في أزمات الاقتصاد والثقة والسياسة. الانضمام من جديد إلى الاتحاد الأوروبي ليس المسار العملي الآن، فيما يبدو الاتفاق على النمط السويسري خياراً أقرب إلى الواقعية لأنه يعيد التعاون مع أوروبا من دون فتح معارك الانقسام القديمة.

بعد 10 أعوام على استفتاء الخروج من الاتحاد الأوروبي، حان وقت التقييم. وحكمي؟ إن بريطانيا لا تدفع ثمن ذلك التصويت الواحد في عام 2016 فحسب، بل تدفع أيضاً ثمن الجبن السياسي الذي تلاه.

لقد رُوّج لـ "بريكست" بوصفه استعادة للسيطرة وطريقاً إلى الازدهار والتجدد. لكن ما أفضى إليه هو نمو أضعف، وانقسام أعمق، وطبقة حاكمة تلجأ إلى الشعارات بدلاً من الاستراتيجية.

لم يتسبب "بريكست" في كل مشكلة نواجهها في المملكة المتحدة، لكنه جعل معظمها أعمق وأصعب حلاً.

هذه حقيقة لا يملك إلا قلة من سياسيينا الصدق الكافي لشرحها للجمهور. ففي عام 2016، كنا مثقلين أصلاً بانخفاض الاستثمار وضعف الإنتاجية والتفاوت بين المناطق وخدمات عامة أرهقتها خيارات رديئة اتُخذت بعد الأزمة المالية العالمية. ضخم "بريكست" هذه الأوجه من الضعف، ولم يعالجها. زاد العوائق أمام التجارة، وأدخل الغموض إلى بيئة الأعمال، وعمّق عدم الاستقرار وانعدام الثقة داخل نظامنا السياسي.

ما ينبغي أن يقلقنا اليوم ليس قرار المغادرة الأصلي، بل الطريقة التي أدارت بها كل حكومة لاحقة تبعاته، إذ اختارت الإنكار بدلاً من مواجهة الواقع، وتظاهرت بأن الخيارات الصعبة يمكن تأجيلها إلى أجل غير مسمى. هذه ليست قيادة، بل تهرب منها.

وبينما انشغلنا بأنفسنا وبالجدال في ما بيننا، صار العالم أكثر خطورة. لم تعد الولايات المتحدة الحليف الموثوق الذي افترضنا يوماً أنها كذلك، ولا يزال فلاديمير بوتين تهديداً مباشراً للأمن الأوروبي، يستغل الضعف، ويتلاعب بالانقسامات، ويحوّل عدم الاستقرار إلى سلاح أينما وجده. وفي عالم كهذا، تحتاج بريطانيا إلى حلفاء وصدقية ووضوح استراتيجي، لا إلى استعراض ما بعد إمبراطوري.

لهذا حان الوقت كي ينضج النقاش حول مكاننا في أوروبا. لقد استُنفدت الحجج القديمة. وهنا أريد أن أكون واضحة، لأن الأمر مهم: الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي من جديد ليس الحل. لا لأن حجة العودة غير جديرة بالاعتبار، بل لأن الظرف لا يحتمل مساراً كهذا الآن.

 

جروح "بريكست" لن تلتئم من تلقاء نفسها، وإذا تُركت من دون علاج فلن تزداد إلا عمقاً. لكن استراتيجية الانضمام من جديد قد تستغرق 10 أعوام، وربما 15 عاماً، وهذا يعني جيلاً من الانقسام المتجدد، في مشهد جيوسياسي لا يستطيع أي منا التنبؤ به، بينما يواصل السم السياسي الذي أطلقه "بريكست" إفساد حياتنا العامة.

لا تستطيع بريطانيا أن تمضي ثلاثينيات هذا القرن في إعادة فتح معارك العقد الماضي. نحن بحاجة إلى بلد مؤهل لمواجهة التحديات المقبلة، لا بلد يبقى رهينة سجالات الماضي.

في رأيي، سيكون المسار العملي للمملكة المتحدة ترتيباً جديداً مع أوروبا، تسوية على النمط السويسري تكون لنا فيها علاقة أوثق بكثير مع التكتل، نشارك من خلالها في السوق الموحدة، ونتمتع بحرية الحركة، ونسهم في موازنة الاتحاد الأوروبي، لكن من خارج الاتحاد. ويمكن التفاوض على ذلك علناً، وفق جدول زمني واضح، وتصميمه بما يداوي الجراح القديمة بدلاً من فتحها من جديد.

لن يكون ذلك حلاً سحرياً، ولن يلغي عقداً من الضرر بين ليلة وضحاها. لكنه سيضع المصلحة الوطنية قبل العقيدة الحزبية. وسيعيد التعاون العملي مع أقرب جيراننا، ويرفع حواجز غير ضرورية، ويدعم النمو، ويعيد قدراً من الاستقرار الذي حُرمت منه الشركات والعمال والعائلات طوال مدة أطول مما ينبغي.

الأمر لا يتعلق بالتخلي عن المبدأ، بل بالصدق وسيادة القانون.

عندما قاضيتُ الحكومة مرتين أمام المحكمة العليا، الأولى عام 2016 بسبب بدئها إجراءات خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي استناداً إلى الصلاحيات الملكية بدلاً من الحصول على موافقة البرلمان، وهي القضية التي كسبتها؛ والثانية عام 2019 بسبب قرارها تعليق أعمال البرلمان لمدة خمسة أسابيع قبيل الموعد النهائي للخروج، وهي قضية كسبتها أيضاً، فعلتُ ذلك لضمان أن تتم عملية الخروج بما يحترم البرلمان والدستور، لا وفق إرادة سلطة تنفيذية تفتقر إلى بوصلة واضحة.

هذا المبدأ غير قابل للتفاوض. فأي ترتيب جديد للعلاقة مع أوروبا، بما في ذلك الاتفاق على النمط السويسري الذي أدعو إليه، يجب أن يُقر على نحو صحيح وعلني ومن خلال البرلمان، لا أن يُمرر خلسة من "الباب الخلفي".

فالسيادة لم تكن يوماً مجرد تصويت واحد في يوم واحد، بل هي القدرة على اختيار ما ينجح، والصدق في الاعتراف حين تكون الوعود جوفاء، والنضج في تقبل حقيقة أن بريطانيا قوة متوسطة لا قوة عظمى، وأننا لا نستطيع أن نكون آمنين ومزدهرين إذا تظاهرنا بأننا بمنأى عن واقعنا الجغرافي والاقتصادي، أو عن التحولات الجيوسياسية الكبيرة من حولنا.

نحن بحاجة إلى قادة يصارحوننا بالحقيقة بدلاً من أن يدغدغوا مشاعرنا بحكايات خيالية، وإلى سياسات تستند إلى الأدلة لا إلى الأيديولوجيا.

الحقيقة هي أن تسوية ما بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي لم تحقق ما وُعد به. وبالتالي فإن اتفاقاً جديداً على النمط السويسري، مستنداً إلى الحزمة الشاملة التي وقعتها سويسرا والاتحاد الأوروبي في مارس (آذار) والمعروفة باسم "الاتفاقات الثنائية الثالثة"، وبكامل الشرعية الدستورية، هو الخيار الواضح والعملي. فلنمضِ في هذا الطريق.

 

جينا ميلر سيدة أعمال وناشطة مناهضة لـ "بريكست"

© The Independent

المزيد من آراء